إكرام شرارة: عار أن نرى هذا الحجم من الظلم والعدوان ونقف مكتوفي الأيدي

زهرة مرعي
حجم الخط
1

بحمية إنسانية ووطنية تواصل «عائلات لبنان مساندة عائلات فلسطين» منذ 2002

بيروت ـ «القدس العربي»: سنة 2002 عندما كان الصهاينة يعربدون ويقتلون كل شيء حي في مخيم جنين، ويجرفون المنازل على ساكنيها، تداعت سيدات لبنانيات للبحث في كيفية مد يد العون للأهل في فلسطين. خاصة وأن مئات العائلات باتت من دون سقف يحميها. صدف وجود المخرج الراحل جان شمعون في أحد تلك المشاورات للبحث عن سبيل للمساندة. صدح صوته الجهوري «سقف…هني بدُن هلق سقف»؟

كانت فكرة عظيمة وفي وقتها، تحدد المطلوب والأهم سقف يقي العائلات من حر الشمس والمطر. بُحِث أمر السقف البسيط المتواضع والملح حينها، فكانت كلفة أيجار الغرفة 30 دولاراً. كلفة بسيطة، فقد كان اللبنانيون ينعمون بدولار 1500 ليرة. تلك الفكرة أسست لفكرة أكبر حيث ولدت لجنة «عائلات من لبنان تساند عائلات فلسطين».
شكّل الهجوم المدمّر على جنين البداية، وما تزال المسيرة مستمرة رغم الأوضاع الاقتصادية التي مرّ ويمر بها لبنان. عائلات من لبنان جاهزة لتلبية كل نداء وفي مناسبات متعددة، وليس فقط بعد الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية. كما أن الغذاء في أول ثلاثاء من كل شهر ما زال قائماً وريعه مخصص لمشاريع مساندة للعائلات في فلسطين.
معجزة «طوفان الأقصى» وما تلاها من عدوان صهيوني على غزة ترك الحاجة ماسة لكافة التجهيزات والأدوات الطبية، وعائلات لبنان حاضرة للمساندة.
مع إكرام شرارة السيدة اللبنانية التي تواكب لجنة «عائلات لبنان تُساند عائلات فلسطين» منذ نشوئها هذا الحوار:
○ علمت أن نداء عاجلاً وصلكنّ طلباً للدعم والمساندة الطبية من غزة. ماذا ستفعلنّ؟
• صحيح أننا عائلات من لبنان تُساند عائلات فلسطين، لكننا وفي ظروف مماثلة نحن جاهزون لكل طلب. نحن على تواصل دائم مع مؤسسة التعاون التي تقيم شبكة اتصالات واسعة في الداخل الفلسطيني، وهي من تتولى طلب تلك المساندة منا. من المؤكد أننا أسر ذات امكانات محدودة، وكل منا يشارك عائلة في فلسطين ضمن المتاح له مادياً. لكن الآن تمرّ غزة بوضع مختلف، وقبل أن نتلقى طلب الدعم من مؤسسة التعاون كنّا قد وجهنا نداء عاجلاً للأصدقاء والمتضامنين للاستعداد والمساندة في هذه الظروف الاستثنائية. ومن ثمّ عممنا نداء الاستغاثة الذي وصلنا من مؤسسة التعاون.
○ في الظروف الاستثنائية هل يزداد المساندون والداعمون؟
• تستمر الأسر التي اعتادت مساندة أسر محددة العدد في التزامها، لكن الجميع يلبي نداء الحالة الطارئة. نعرف أن العديد من العائلات تتحرّك حميتها الوطنية والقومية في الحالات الاستثنائية وبسخاء. ويمكنني وصف الحمية الإنسانية والوطنية للأصدقاء والمتضامنين في لبنان بأنها عالية جداً وهذا ما لمسناه منذ يوم فجر السبت في 7/10 وإلى الآن. حتى أن بعضهم أبدى استعداداً للذهاب إلى الحدود اللبنانية الفلسطينية المحتلّة.
○ بدأتم العمل قبل عقدين من الآن وجميعنا تقدّم في العمر فهل تتجدد جمعيتكم بجيل الشباب؟
• بالتأكيد وهم الأمل والراية للمستقبل. ونحن دائماً نحمّسهم ليكونوا في المقدمة. فهم متمكنون من إقامة شبكات اتصال وتواصل بفعل صلتهم المتينة مع التكنولوجيا الجديدة. كما أنهم قادرون على الدعم الإعلامي الذي نحتاجه.
○ وهل جيل الشباب متوافر بينكم بالعدد المطلوب لإنجاز كافة المهمات؟
• الحمد لله العدد ممتاز ويغلب فيه عدد النساء. والجميع يعمل معنا من ضمن التزاماته المهنية. فجيل الشباب يعمل، كذلك يتعاون معنا عدد من الطلاب والطالبات الجامعيات. وفي حملات المساندة الاستثنائية يشكل الطلاب أساس الحركة، وأحياناً كثيرة يجمعون المساعدات المالية ضمن النطاق الطلابي. فخلال مسيرات العودة التي واظب عليها شباب غزة، وحين كان الصهاينة يستهدفون أطرافهم بالرصاص المتفجر لشل حركتهم إلى الأبد، كان لهؤلاء الشباب دورهم الفعّال في جمع المساعدات.
○ وهل المساعدات جميعها مادية؟
• هم يطلبون مساعدات عينية كما الأغطية، لكننا في لبنان نجد صعوبة في ايصالها. لهذا نفضل المساعدات المالية، فوصولها أسهل.
○ وما هي سبل ايصال المال؟
• إنها مؤسسة التعاون في الدرجة الأولى لكونها موجودة في فلسطين. كما لنا طرقنا الخاصة في ايصال الأموال. فهي أحياناً تجول بين بلد عربي وآخر لتصل إلى الهدف. وثمة أشخاص يؤمنون بما نقوم به، ويعرفون حاجة العائلات الفلسطينية للمساندة فيتولون نقل تلك الأموال. إلى سبل أخرى ليس بالضرورة كشفها بالاسم سواء كانوا أشخاصاً أم مؤسسات مالية. نحن نلجأ لكافة الوسائل المتاحة للالتفاف على الحصار الصهيوني المضروب على غزة.
○ هل يمكن أن نستعيد معك كيف نشأت لجنة «عائلات لبنان تساند عائلات فلسطين»؟
• خلال الصمود الأسطوري لمخيم جنين بوجه الدبابات الصهيونية، والاجتياح الذي تمّ خلاله تجريف المنازل والمزارع، نشأت ردة فعل شعبية عالية تضامناً مع فلسطين. كان التضامن سياسي وإعلامي، كنا نتباحث مع صديقنا المخرج الراحل جان شمعون. حينها قال بأسلوبه السهل الممتنع «ما تكتروا حكي كل عيلة تدعم عيلة.. وكل عيلة تلاقي سقف كي يجلس تحته من جُرف بيته». وهكذا كنا أمام فكرة عظيمة بإيجاد سقف لمن يهجرون للمرة الثانية داخل وطنهم. حينها كانت الـ30 دولار كافية لإيجار غرفة. لكننا حالياً في ظرف مختلف والتحويل لم يعد سهلاً. والحق يقال إن بعض العائلات اللبنانية تبنّت خمس أسر في حينها. طال الزمن وضعفت الحمية والامكانات معاً. ومنهم من يتعب سريعاً، ومنهم المؤمن بالحصوة التي تسند خابية. رغم كل الظروف نحن مستمرون إلى الآن بدعم أسري، ومشاريع وحضانات أطفال، وتأهيل بعض المدارس وتزويدها بالكمبيوتر. كل ذلك يتم بالاتفاق مع المعنيين في فلسطين، فهم من يحددون حاجاتهم.
○ وهل يتوجه الدعم إلى أماكن وفئات محددة؟
• كان الدعم أولاً للمخيمات كما بلاطة وغيرها، وكذلك غزة كونها تضمّ العديد من المخيمات. لكن عندما احتاجت مدرسة الفتاة اللاجئة في القدس إلى الكمبيوتر، لبينا النداء واشترينا الأجهزة التي لفت كثيراً قبل وصولها إلى الهدف. وهذه المساعدة مكّنت المدرسة من دخول حيز المكننة.
○ ألم يعرقل الاحتلال مهماتكم؟
• بالتأكيد بعد التضييق الأمريكي الإسرائيلي على البنك العربي وكان لنا حساب فيه بحيث نرسل المساعدات من خلاله، بتنا بحاجة للبحث عن سبل أخرى غير المصارف.
○ هل توسّعت مبادرتكم إلى دول عربية أخرى؟
• وجهنا نداء بهذا الصدد لكنه لم يلق الصدى. بالمقابل نتلقى أحياناً تبرعات مالية من عائلات نعرفها في دول عربية وخاصة خليجية.
○ كم عدد العائلات اللبنانية التي تساند عائلات فلسطين؟
• يتفاوت العدد بين صعود وهبوط وحسب الظروف. لكن من المؤكد أن شبكة التضامن واسعة. نحن كلجنة فقدنا خمس من السيدات المؤسسات لأسباب مرضية مختلفة، وهنّ من خيرة المؤسسات. مع العلم أننا جميعاً متقدمات في العمر.
○ وكيف تعملن لتجديد الدماء في اللجنة؟
• بالتأكيد نحن واعيات لهذه الضرورة، وحالياً نعتمد على جيل الشباب ليقوم بالمهمة. عضوات اللجنة يعملن لجذب بناتهن وزوجات أبنائهن لتولي المهمات وبالتدريج. هدفنا استمرار جذور المساندة الممتدة بين أسر لبنان وفلسطين. والحمد لله نحقق نجاحاً في هذا المسعى.
○ ماذا تذكرين عن تلك العلاقة الممتدة مع قطاع غزّة بالتحديد؟
• في الحرب التي شنتها إسرائيل على غزّة سنة 2014 تلقينا طلباً للمساعدة من مستشفى العودة يقول إننا نفتقد حتى للشاش. لبينا النداء سريعاً عن طريق مؤسسة التعاون وعبر البنك العربي حيث حسابنا فيه كان لا يزال مفتوحاً. وقد تلقينا من الإدارة رسالة شكر.
○ في هذه المرحلة وهي الأكثر صعوبة في تاريخ مواجهات غزة مع الاحتلال ما هي خطتكم؟
• نقوم بجمع التبرعات المالية وإرسالها إلى مستشفيات غزة، وبالتأكيد لديهم سبُلهم للحصول على بعض ما يحتاجونه. المتضامنون الدوليون هم الأكثر خبرة في ايصال المساعدات.
○ وماذا عن الغداء الشهري الذي يتم تنظيمه منذ سنة 2002؟
• لهذا الغذاء موعده في أول ثلاثاء من كل شهر. وهو مستمر كونه يجمعنا كلجنة. فنحن لجنة أهلية تطوعية ونجتمع في منازلنا. نجمع مردود الغداء من شهر لآخر، وعندما يبلغ حد الكفاية نرسله للمستحقين والأكثر حاجة.
○ وماذا عن شفافية وصول المساعدات لمن يستحقها؟
• عبر أية وسيلة تُنقل فيها الأموال يصلنا لاحقاً ايصال بالاستلام من الداخل الفلسطيني. كما نعتمد على بيانات شفافة ترافق الغداء الشهري.
○ وهل ما تزال تلبية الغداء الشهري مقبولة على صعيد المشاركين؟
• مقبول بالتأكيد رغم كوننا نتقاضى بالدولار الأمريكي، كون المطعم بدوره يتعامل معنا بالدولار. بكل خطواتنا نشعر بالانتماء إلى عروبتنا. فعار على الإنسان أن يرى هذا الحجم من الظلم ويقف مكتوف الأيدي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية