يدفع كل منزل في بريطانيا نوعاً من ضريبة سنويّة خاصة تعرف برخصة التلفزيون (154.5 جنيه استرليني)، وذلك مقابل مشاهدة قنوات البثّ العامّة. تاريخ هذه الضريبة يعود إلى 1946 عندما فرضت بداية كرخصة للاستماع إلى خدمات البث الإذاعيّ، قبل أن يتم تعديلها إلى رخصة للتلفزيون بداية من 1971، وذلك إثر التحوّل الجذري الذي ألمّ بطريقة تلقي الجمهور لمواد الترفيه والأخبار والمعلومات مع انتشار الشاشات الفضيّة بين الناس. هذه الضريبة الآن أصبحت مجدداً موضع نقاش موسّع، وهناك توجه لإعادة النظر فيها في المرحلة التي أصبحت قنوات التلفزيونات العاديّة تتجه إلى هزيمة تامّة، ولربّما للانقراض أمام الصعود الصاروخيّ لعدد صغير من منصات البث الرقميّة الأمريكيّة على الإنترنت أمثال «نيتفليكس» وأخواتها: أمازون، و إتش بي أو، وهولو، وغيرها.
ألـ «بي بي سي» -التي هي واحدة من أهم المؤسسات الإعلاميّة بالعالم وتنتهي في صندوقها المليارات التي تجمع من رسوم رخص التلفزيون– أبلغت الهيئة المنظّمة للإعلام في بريطانيا بأنه لن يكون بإمكانها منافسة منصات البث الرقميّة على المديين المتوسّط والبعيد، إن هي استمرت بشكلها الحالي. وقد طرحت عدّة أفكار للتعامل مع الموقف، ويبدو أن السّلطات متفهمة لطبيعة تلك الضغوط. ولذا، سمحت للـ «بي بي سي» بأن تتحالف مع الـ ITV ، أكبر شبكة تلفزيونيّة خاصّة في بريطانيا، وربما تلفزيون القناة الرّابعة أيضاً، وذلك لإطلاق خدمة بث رقمي مشتركة متطوّرة (تحت اسم الصندوق البريطاني «بريت بوكس»). ويبدو التوجه الغالب الآن أن يعدّل نظام الرّخص الحالي ليصبح أقرب لنموذج الاشتراكات الشخصيّة المدفوعة -على نسق نيتفليكس مثلاً- وبحسب المطّلعين على تقدّم المشروع الذي قد يطلق خلال ستة أشهر، فإن الخدمة ستتضمن عرض كافة إنتاجات التلفزيونات البريطانيّة المتحالفة من خلال التّطبيق على الهواتف والإنترنت مع إبقائها متوفرة لمدة سنة كاملة. بينما يمكن مقابل رسم إضافي الاستفادة من خدمة الأرشيف التي ستوفر للمتلقين فرصة مشاهدة كمّ هائل من الموادّ البصريّة التي أنتجتها أو عرضتها الـ «بي بي سي» سابقاً، ولا يمكن لمعظم الأشخاص الوصول إليها بسهولة بسبب تعقيدات حقوق الملكيّة.
التلفزيون: نهاية الرّحلة
ماذا سيتبقى من التلفزيون إذن؟ بينما 80% من المواد البصريّة يمكن عرضها على المنصّة الرقميّة دون ربطها بأوقات محددة من مواعيد العرض. إلا أن نسبة كبيرة من الجمهور ما تزال ترغب في مشاهدة البرامج الحدثيّة المباشرة، مثل: نشرات الأخبار، وجلسات الجدل السياسي، وحتى برامج التوك شو – لا سيّما الكوميديّة منها- وأيضاً المباريات الرياضيّة، في الألعاب المختلفة، وهي مواد إعلاميّة لها جمهور واسع، ولا تتوفر بصيغتها المباشرة على المنصات الرقميّة الحاليّة. لكن الأكيد أن تقدّم تكنولوجيا الاتصالات المتسارع سيسمح للأخيرة – عاجلاً أم آجلاً- بدخول عالم البث المباشر خلال سنوات قليلة. وهو ما شرعت به أمازون برايم – شقيقة نيتفليكس – مؤخراً من خلال إطلاقها لخدمة متابعة الأنشطة الرّياضيّة على الهواء مباشرة، ومنها بثّ حي لعدد من مباريات الدّوري الإنجليزي الممتاز، ذي الشعبيّة العالميّة الواسعة. وهو مسار ستلحقها إليه شقيقات نيتفليكس ويهدد بفقدان التلفزيونات التقليديّة لأي ميزة تفضيليّة مقارنة بالخدمة التي تقدمها منصات البث الرقميّ.
ماذا فعلت بنا المنصات الرقميّة؟
لقد غيّرت نيتفليكس -وأخواتها- على نحو نوعيّ وخلال فترة قصيرة نسبياً، تجربة المتلقي في استهلاك المواد البصريّة. فهو لم يعد في حاجة إلى انتظار مواعيد عرض برامجه المفضلة، وصار بإمكانه مشاهدتها في أي مكان أو زمان تصل إليه الإنترنت، سواء على شاشات ثابتة أو هواتف ذكيّة. وألغت الحاجة نهائياً إلى مشاهدة الأفلام عبر الأشرطة والأسطوانات واستبدلتها بخدمة أفضل وأسرع وأرخص بما لا يقاس. وفوق ذلك كلّه، دخلت هذه الشركات ميدان الإنتاج، وأنفقت المليارات على تقديم أعمال جديدة مميزة من إنتاجها وتوفيرها حصرياً على منصّتها الرقميّة، فثلث المواد المعروضة على نتفليكس الآن من إنتاجها، والمتوقع أن تصل إلى مرحلة الثلثين خلال السنوات القليلة القادمة. وبفضل خوارزميات متقدّمة لجمع المعلومات عن المتلقين، كسرت تلك الشركات نموذج البث في اتجاه واحد من التلفزيون إلى المتلقي، لتصبح دائرة مكتملة: نيتفليكس إلى المشاهد، ومنه مرّة أخرى إلى نيتفليكس. وبذلك امتلكت المنصّات الرقميّة ثروة من المعلومات حول سلوك المتلقين تجاه المنتجات البصريّة المختلفة، واستخدمت معرفتها بخصوصيات المتلقي الفرد من تقديم اقتراحات فرديّة الطابع له.. أكثر من 75% من جمهور نيتفليكس يشاهد بالفعل أعمالاً اقترحتها عليه الشركة في صفحته الخاصة على الموقع.
لكنّ هذه الفوائد الجمّة للمستهلكين لا تأتي بدون تكاليف باهظة رغم قيمة الاشتراك الرمزية (حوالي 10 دولارات شهريّاً). فالمتلقي في اعتزاله التلفزيون التقليدي يخاطر أيضاً بفقدان تجربة إنسانيّة بدت مهمة في المرحلة السابقة، حيث طقوس المشاهدة المشتركة، وتنظيم الحياة اليوميّة، كما توقيت متابعة المنتجات البصريّة على نسق روتينيّ منتظم (موعد النشرة الرئيسة للأخبار، موعد فيلم سهرة نهاية الأسبوع.). لكن الأخطر من ذلك كلّه تلك السيطرة المتزايدة والمتدفقة لعدد من الشركات تمتلكها مصالح الأعمال الكبرى على الفضاء البصري للجمهور المعولم. ولا يقتصر ذلك على مسألة احتكار السرديّات السياسيّة والتاريخيّة والثقافيّة وبثّ القيم والأفكار وفق وجهة نظر الرأسماليين أصحاب تلك الشركات دون أي اعتبار للحقائق أو وجهات النّظر البديلة أو المحليّة، بل وتمتد المخاطرة إلى طريقة استخدام المعلومات التي تجمعها تلك الشركات عن طريق استهلاكنا للمنتجات البصريّة، وربما تشبيكها تلك المعلومات مع أجهزة الرّقابة الأمنيّة.
الحرب المقبلة: ما بعد التلفزيون وصراع المنصات
مرحلة غروب إمبراطوريّات التلفزيون لمصلحة المنصات الرقميّة ستتسارع على المدى القصير. إذ إن كبريات شركات الإنتاج الأمريكيّة، كما المؤسسات الإعلاميّة، قرّرت الدّخول إلى اللعبة ذاتها قبل أن تنتهي أوراق قوّة التفاوض على بيع المحتوى البصريّ بالكامل في يد نيتفليكس وأخواتها. كما أن تجربتها في بناء قاعدة مستهلكين دائمة التوسع (140 مليون اشتراك مدفوع) تغطّي نصف مليار مشاهد عبر القارات والحدود. لا شكّ، حجم السوق المهول أثار شهيّة جهات أخرى لخوض التجربة ذاتها.
أكبر المقبلين إلى سوق المنصات الرقميّة خلال العام المقبل هو شركة ديزني للإنتاج التلفزيوني والسينمائي عبر المنصّة المسماة ديزني بلاس، حيث ستتوفر مقابل اشتراك زهيد آخر أعمالها الأحدث، إضافة إلى أرشيف الشركة الهائل الذي تضاعف بعد ابتلاعها، مقابل عدة مليارات نقداً، منتجات شركة سينتوري فوكس بالكامل، سواء الحديثة أو المؤرشفة. وعلى النسق ذاته، تعتزم شركة الإلكترونيّات المشهورة «أبل» طرح خدمة «أبل تي في بلاس»، وكذلك شركة الإنتاج المعروفة «وورنر بروذيرز»، كما مؤسسة الإعلام «إن بي سي يونفيرسال».. وكلّ منها سيوفر منتجاته حصرياً على منصته الرقميّة الذاتيّة، ما يعني عملياً سحبها من منصات عرضها الحاليّ.
ولن يقتصر الأمر على هؤلاء القادمين الجدد إلى لعبة المنّصات الرقميّة؛ إذ إن «أمازون» شرعت بالفعل في تحويل جزء مهم من عوائد أنشطة تجارة التّجزئة على الإنترنت لديها إلى إنتاج أعمال دراميّة ووثائقية حصريّة لها، مع اقتحامها سوق بثّ المباريات الرياضيّة على الهواء مباشرة. كما أن (إتش بي أو) صاحبة المنتجات الحصريّة الذائعة الصيت، ستمد خدمتها إلى العالم برمته عبر ذراعها الجديدة «إتش بي أو ماكس».
هذا كلّه يشير إلى احتدام حاد مقبل في المنافسة بين عمالقة المنصّات الرقميّة خلال الفترة القصيرة المقبلة، في الوقت الذي ستكثر الظّلال وبشكل متزايد على جبهة التلفزيونات التي تبدو أشبه بالحشائش: وحدها تدفع ثمن صراعات الفيلة. أجواء يبدو فيها الفضاء البصري العربيّ مجرّد سوق مستهلكين محض وساحة تنافس للمتصارعين الكبار، بينما لا تبدو أيّ من شبكات تلفزيوناته الكبرى قادرة على تجاوز مراحل الإنتاج والتلقي الكلاسيكية في أي وقت قريب، ما يعني استفراداً غربياً بالمتلقين العرب الذين سيكون عليهم ابتلاع سرديّات وثقافات غربيّة مسمومة وغير بريئة.
٭إعلامية لبنانية تقيم في لندن