القاهرة ــ «القدس العربي»:
المشهد (37) ــ أتيليه القاهرة «الحديقة» ــ ليل/خارجي
«بشير: تصوّر عندي قط.. هو الوحيد اللي خرّجني من حالة الاكتئاب،
أنا سايبُه على حُريته، يعني.. ينزل الشارع يتمشى شويه ويرجع،
ولأنه مش شوارعي قوي فالقطط الصيّع بتبهدِله، وكل يوم يرجع لي متقطع، الأكتر من كده إنه متعود ع الناس وما بيخافش منهم، الناس تلاقيه ماشي جنبهم في الشارع عادي جداً، مش خايف، فيخافوا منه.. اللي يخبطه أو يرميه، لكن بيحب الشارع والناس، هو هِدي الأيام دي بَعد ما اتعرّف على صاحبته وما بقاش لوحدُه، ما هو فِتك بَرْضُه زي صاحبه».
(بشير السباعي، من سيناريو بعنوان صخب الكائنات الوحيدة/شذرات من رحلة السيريالية المصرية)
كنت لم أزل طالباً في بداية الألفية الجديدة، دُهشت للسيريالية وعالمها، خاصة الحالة المصرية، جورج حنين ورفاقه، واخترت الحركة مشروعاً وثائقياً أنهي به السنة الثالثة في معهد السينما. كانت المصادر شحيحة وقتها ـ بخلاف الموضة الآن ــ استعنت بوائل غالي، الذي كان يُدرّس لنا النقد وعلم الجمال، فكتب لي بعض الأسماء حتى يتفكك أمامي لغز السيريالية والسيرياليين المصريين بشكل خاص. كان من بين الأسماء بشير السباعي، كنت قد قرأت للرجل بعض ترجمات لأعمال جورج حنين وجويس منصور، وكنت أعرفه شكلاً قبلها وأهابه. اتصلت به وتواعدنا في آتيليه القاهرة، حكى الكثير عن تفاصيل وعلاقات لن تذكرها الكتب والمراجع، وبخلاف التأريخ للحركة وأصحابها، فهي موجودة في الكتب حسب قوله، كان اهتمامه الأكثر بهؤلاء كشخصيات حيّة، تغضب وتحزن وتنفعل وتعادي وتثأر وتدفع الثمن. كانت حكاياته تتواتر في سرعة وترتيب، راسمة صورة كاملة لذلك العصر وما أحاطه من ظروف ومشكلات، أحلام وطموحات ومآل كئيب نتيجة انقلاب يوليو/تموز 1952 وكأنهم بالفعل يتحركون أمامنا، أو يجتلسون «ترابيزة» مقابلة لنا، نطالعهم بدون أن يشعروا بنا. وقتها وفي ظل وحي الحكايات التي يرويها الرجل، توقف فجأة وسألني: هل تربي القطط؟ فأجبت بالنفي، فحكى عن صديقه الجديد في محبة ولمعة عين. فقررت وأنا استمع له أن تكون حكايته مع القط هي المشهد، أما باقي المعلومات والحكايات، فيمكن أن تصبح شريطاً صوتياً مصاحباً لعدة مشاهد أخرى. كتبت المشهد وعدت إليه حتى يُطالعه بنفسه ــ ده كان اتفاقنا ــ قرأ في صمت ولم يبد أي ملاحظة أو علامة مُشجعة أو حتى لمحة ضيق، وقال: طيب كويس. بعدها قابلت صديقاً مشتركا، الكاتب والناشر السوري وليد خليفة، قال لي بشير متغاظ منك بس مبسوط، وقاله «الواد ساب كل اللي قولته، ومسك في حكاية القط»، وقعد يضحك. تخيّرت الحكاية، فالرجل ووجوده تليق به حكاية خاصة عاشها وتذكرها وحكاها وسط صخب الكائنات الوحيدة.. عن (قط) وحيد مش شوارعي وبيحب الناس.