إن تسريبات محافل إسرائيلية إلى وسائل الإعلام عن جوهر المحادثات مع لبنان لترسيم الحدود البحرية تعرقل المحادثات، وقد تمس بفرص التسوية السريعة. تابعت وسائل الإعلام اللبنانية منذ بدء المحادثات ووجدت تقارير تتحدث عن الأجواء، والموعد التالي للقاء، ولا يوجد ذكر لمضمون المحادثات داخل الخيمة في الناقورة.
جاء لبنان إلى المحادثات مع غير قليل من التوتر الداخلي. وطالب حزب الله أن يشارك العسكريون دون المدنيين في الوفد اللبناني، كي يضفي على اللقاء طابعاً عسكرياً بين طرفين معاديين. وبضغط أمريكي، رفض رئيس الدولة ميشيل عون، حليف نصر الله، الطلب وأثار التوتر حوله. ينتظر حزب الله فرصة للمس بالمحادثات. وطالب نبيه بري، رئيس البرلمان اللبناني، وهو شيوعي أيضاً، أن تكون المحادثات على ترسيم الحدود البحرية مرتبطة بالمحادثات على الحدود البرية. وهو الآخر ينتظر في الزاوية.
إن المنشورات التي تبين خرائط “استفزازية” عرضتها إسرائيل زعماً، رداً على تلك التي تقدم بها لبنان، كفيلة بإدخال الطرفين في حالة دفاع يصعب الخروج منها. في محادثات الناقورة، مثلما في كل مفاوضات، تطرح الأطراف مطالبات قصوى، وتتراجع عنها رويداً رويداً وفقاً لتطور المحادثات، إلى أن تصل إلى نقطة اللقاء. أما التسريبات لوسائل الإعلام في مرحلة مبكرة من المحادثات فمحرجة وتتسبب بتشديد زائد للمواقف.
في المحادثات بين إسرائيل ولبنان ضلعان آخران، يجب مراعاتهما: الأمريكيون والأمم المتحدة. والتسريبات من داخل المحادثات تصعب عليهم الأمور وتطيل الزمن للوصول إلى تسوية. أما الدبلوماسية الهادئة، عديمة التسريبات، فناجعة أكثر.
سطحياً، ثمة مصلحة إسرائيلية ولبنانية للوصول إلى ترسيم مقبول من الطرفين. كما يوجد فهم بأن الطرفين لا يريد كل منهما أخذ شيء من الطرف الآخر، خصوصاً الذخائر خارج المثلث موضع الخلاف من 860 كيلومتراً مربعاً. فما بالك أن لبنان وإسرائيل أودعا في 2010 لدى الأمم المتحدة خرائط مع الحدود التي ترى فيها كل دولة حدودها النهائية. بتعبير آخر، هناك أساس للمباحثات. والتسريبات التي تفيد بأن لإسرائيل خطين، واحد استفزازي وآخر معتدل، تشكل مساً بالمحادثات.
سيجري اللقاء التالي بعد بضعة أيام. وينبغي الإيضاح للطرف اللبناني بأن ما نشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية لا يعكس موقف إسرائيل. وينبغي الإيضاح للبنانيين ألا يقعوا في خطيئة التسريبات. ينبغي إبقاء المحادثات داخل الغرفة والامتناع عن استخدامها لأغراض داخلية.
إن ترسيم الحدود، عندما يتم، لن يكفي لإحلال الهدوء بين الطرفين. هناك صعوبة لكل طرف في إنتاج الغاز أو النفط في منطقة الخلاف، حيث الذخائر في قلب البحر. ويحتمل أن يحدث تداخل لطرف في الطرف الآخر. وللتغلب على هذا، طرحت فكرة لا تزال فجة في أن تنتج الشركة الفرنسية “توتال” التي استأجرها لبنان، الغاز في كل المثلث المتنازع عليه، وتوزعه بين الطرفين وفقاً لمفتاح متفق عليه. وهذا يسمى تعاون لبناني إسرائيلي من خلال طرف ثالث. كما أن هذا مدخل لاتصالات مستقبلية يمكنها أن تتطور في ظروف معينة إلى واقع آخر بيننا وبين جارنا من الشمال.
بقلم: إسحق ليفانون
معاريف 11/11/2020