إلى متى يستمر الاعتداء على ثقافة المجتمعات المسلمة؟

انتشر تعبير «إسلاموفوبيا»، الذي لم يصل إلى درجة مصطلح، في السنوات الماضية بشكل كبير، ليشير إلى ما يُفترض أنه خوف غير مبرر من الثقافة الإسلامية ومظاهرها، والحضور الاجتماعي الإسلامي، خاصة في الدول الغربية. ورغم بعض المحاولات الأكاديمية، خاصة في فرنسا والولايات المتحدة، لضبط التعبير مفاهيمياً، وتوضيحه، إلا أنه ظل لفظاً مطّاطاً، يمكن استخدامه في أي سياق، ما يفرغه كثيراً من المعنى. بعض مستخدميه يؤكدون أنه يعبّر عن ظاهرة سياسية وثقافية خطيرة، لا تقلّ عن معاداة السامية، بل يطالبون بإدراجه في القوانين المحليّة؛ فيما يرى كثير من النقّاد أنه محاولة لحظر نقد الدين؛ ومناصرة الإسلام السياسي وجماعاته، عبر دمج أيديولوجياتها وممارساتها بـ»الإسلام»، وجعل رفضها نوعاً من العنصرية، ما يمكن اعتباره «عرقنة للإسلام»، أي تحويله إلى عرق، بمعيّة الإسلام السياسي؛ إضافة إلى أنه يمهّد لهجوم واسع على حرية التعبير، من الأعمال الإرهابية في هولندا وفرنسا، وصولاً إلى باكستان، التي حاولت الضغط في الهيئات الدولية لـ»الاستفادة من تجربتها في مواجهة ازدراء الأديان، للتصدي للإسلاموفوبيا»، وهذا بالطبع مرعب، فقوانين ازدراء الأديان الباكستانية، التي تصل عقوباتها إلى الإعدام، هي الأقسى في العالم، وتُستخدم لقمع الأقليات، ومناصرة الجماعات الإسلامية شديدة التطرّف، المرتبطة غالباً بالاستخبارات الباكستانية. فضلاً عن هذا وذاك، فإن النقّاد يؤكدون أن التعبير انتشر بشدة عقب الثورة الإسلامية الإيرانية، في محاولة من أنصار الخمينيّة لإسكات أي نقد لممارسات سلطة الملالي، ومحاولاتها لـ»تصدير الثورة» عالمياً، بالتواطؤ مع ما كان يسمّى «اليسار الجديد».

بناءً على هذا السجال يمكن القول إن «الإسلاموفوبيا» ليست تعبيراً مفيداً، فهو مؤدلج إلى أقصى الحدود، ووراءه مصالح سياسية وسلطوية لمجموعات ودول متعددة، فضلاً عن أنه عالق في الصراع السياسي بين اليمين واليسار الغربي. وهو صراع تم تصديره إلى منطقتنا بشكل فوقي، وإسقاطه على المسائل المحليّة بأسلوب غير متقن، إن لم يكن تعسّفياً. من المثير للسخرية فعلاً اتهام أفراد ومجموعات، تعيش في مجتمعات ذات أغلبية مسلمة ساحقة، بـ»الإسلاموفوبيا»، إذ لا يتعلّق الأمر هنا بكراهية الأجانب، أو معاداة أقلية ما، أو السعي لبناء أو استعادة أمة، عبر رفض التعددية وإلغاء المختلف، بل بصراعات داخل المجتمعات الإسلامية نفسها، ودولها، التي تعلن غالباً أن دينها الإسلام، أو أن فقهه مصدر تشريعها، وتعاقب بشدة على ازدراء الأديان، وتمنع التحوّل الديني العلني إلا باتجاه واحد (إلى الإسلام)، وتطبّق قوانين «آداب عامة» صارمة شديدة الإسلامية، وتُضمِّن الدين في قوانين أحوالها الشخصيّة، بشكل يخلّ بأبسط مبادئ المساواة أمام القانون، ما يجعل الحديث عن «خوف غير مبرر» أشبه بنصرة كل مظاهر التطرّف الديني واللامساواة، ومعاداة مبدئية لمسائل مثل حرية المعتقد والتعبير، وتقرير المصير الفردي، ودمقرطة الدول ذات الدين.
أما الحديث عن استعلاء موروث من الحقبة الاستعمارية، تحمله النخب التابعة، التي أنشأها الاستعمار في دولنا، فهو يُبدي جهلاً واضحاً، سواء بطبيعة الظاهرة الاستعمارية؛ أو نموذج الدول في المنطقة، وتجاربها المحليّة بالتحديث؛ أو حتى بتاريخ دعم الدول الغربية، «الاستعمارية»، للإسلام السياسي، والدول والأنظمة المحافظة، منذ انقلاب سوهارتو في إندونيسيا عام 1965 على الأقل، الذي أعقبته واحدة من أكبر وأبشع مجازر الإبادة الجماعية في التاريخ؛ مروراً بقمع ثورة ظِفار العمانية، وانقلاب ضياء الحق في باكستان، وتمويل وتنظيم وتسليح الجهاد الأفغاني ضد السوفييت؛ وصولاً إلى ميل الولايات المتحدة وبريطانيا اليوم لدعم نمط معين من التنظيمات والميليشيات الإسلامية في المنطقة. وكل هذا جانب من الوقائع التاريخية، التي قد تدفع لتعليق ساخر من نوع: «الإسلام» أيديولوجيا أنجلوساكسونية، بريطانية/أمريكية.
رغم كل هذا، أو بالأصح بسببه، لا يمكن إنكار أن المجتمعات الإسلامية تعرّضت وتتعرّض دائماً لاعتداء شامل، ولكن ليس بسبب «الإسلاموفوبيا»، وإنما قد يكون العكس صحيحاً، أي بسبب عمليات الأسلمة القسرية، التي ارتبطت بانقلابات عسكرية وميليشيات وجماعات سياسية عنيفة، دمّرت كثيراً من أنماط الحياة، ومظاهر التعددية، بل حتى الطقوس الدينية للمسلمين، وجعلت فئات ذات أيديولوجيات شديدة القمعية، برزت من داخل تلك المجتمعات، تتسيّد المشهد، وتُقصي سواها، ما يصل في أحيان كثيرة إلى تمزيق المجتمعات، وتقليدها المتحضّر، وثقافاتها، ويدفعها للانحدار نحو الهمجيّة. السؤال الأساسي هنا قد يكون عن الفرق بين الأسلمة و»الإسلام» نفسه، هل هما ظاهرتان منفصلتان حقاً؟ أم أن إحداهما تقود إلى الأخرى بالضرورة، أي أن المجتمعات الإسلامية تحوي في داخلها بذور تمزّقها الشامل؟

هندسة «الإسلام»
دارت نقاشات عديدة في العقود الأخيرة، على مستويات أكاديمية، أنثروبولوجية وتاريخية وقانونية وعقائدية، حول ماهية «الإسلام»، وما الذي يمكن أن نعتبره إسلاماً حقاً، لدرجة أن الموضوع يكاد يصبح حقلاً بحثياً مستقلاً ومتكاملاً، وبالطبع لا يمكن، على هذا المستوى من الجدل والبحث، التوصّل إلى إجابات قاطعة وحاسمة. ما يمكن تأكيده أن «الإسلام» ظاهرة شديدة التعددية؛ ومجتمعاته، إن صحّت نسبتها إليه تماماًَ، أنتجت أنماطاً خاصة من التحضّر، واستطاعت دمج مؤثرات ثقافية شديدة التنوّع، والاحتفاظ بحد أدنى من الاختلاف الديني والاجتماعي، ربما يفوق ما عرفته أوروبا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. أما السؤال حول «الإسلامي» بالضبط في كل هذا، ودور الدين في تعزيز وتمكين، أو قمع، وحتى استئصال التعدد، فما يزال محل أخذ ورد. لكنّ السياسة لها منظور آخر، إذ بإمكانها أن تحدد، عبر قواها وسلطاتها وأجهزتها، ما الإسلامي، وتفرضه، وهذا جذر موجات الأسلمة، التي لم تنقطع في التاريخ، ليس الحديث والمعاصر فحسب، بل مع كل موجة «صحوة» شهدتها المجتمعات الإسلامية. ما يميّز «الصحوات» الحديثة والمعاصرة، عن تلك التي عرفتها مجتمعات العصور الوسيطة، هو امتلاكها لأجهزة سلطوية غير مسبوقة، أساسها الدولة الحديثة، أو السعي للسيطرة عليها. أن تكون إسلامياً في العصر الحديث، يعني أن لديك الإمكانية لاستخدام، أو المطالبة باستخدام، القانون المدوّن، والتعليم العمومي، والثقافة والإعلام الجماهيري، والسياسات الحيوية، والمؤسسات الإدارية والإحصائية، والقوى الأمنيّة والعسكرية، وكذلك مفهوم الأمة الحديثة، ورواياتها المؤسِّسة المعيارية، لفرض إجابتك الخاصة عن سؤال «ما الإسلام؟»، ما يتيح لك فرض السيطرة والهيمنة على مستويات شديدة الدقّة والعمق، تصل إلى درجة تكوين الأجساد نفسها، وتطويعها، وكل هذا لم يكن متوفراً في العصور قبل الحديثة، من هنا تنبع الأسلمة المعاصرة.
يمكن توصيف الأسلمة باعتبارها نوعاً من الهندسة الاجتماعية بالغة القسوة، بواسطة قوى منظّمة، دولا أو أشباه دول أو جماعات سياسية وميليشياوية، تعمل على فرض أنماط اجتماعية وثقافية وجسديّة على البشر، ليس فقط المُعرّفين بوصفهم مسلمين، بل على الجميع على اختلاف أديانهم، بهدف الوصول إلى نموذج هوية، ومظاهر حياة، وسيادة سياسية، ترى أنها «الإسلام». وبالتالي فالأسلمة بالضرورة ظاهرة أيديولوجية حديثة، تصحّ مقارنتها بالأيديولوجيات الغربية، خاصة القومية منها، أكثر من الفقه أو الشرع الإسلامي نفسه. فحتى لو كان الأخير مصدراً عقائدياً لتلك العمليات، إلا أنه لا يُعنى أساساً بمسائل مرتبطة بمفهوم الأمة الحديث، مثل الهوية والسيادة والشعب، كما أنه يخضع لعمليات انتقاء وإعادة إنتاج، بما يتسق مع ذلك المفهوم وأيديولوجياته، فتُقصى منه عناصر، وتُضخّم أخرى، ويُعاد ترتيب أحكامه ومقولاته، بما يتسق مع منظومة جديدة لإنتاج المعنى، متعلّقة بالسيادة الحديثة.
بالطبع، ستعاني المجتمعات، التي تتعرّض لهذا النوع من الهندسة، لكثير من القمع، وللتغيير القسري لأنماط الحياة والثقافة، ولإلغاء جوانب كثيرة من ممارساتها ومعتقداتها وتعبيراتها، بل حتى لاستئصال فئات كاملة منها. الأسوأ أنها ستشهد دوماً موجات متصاعدة من المزاودة، فبعد كل عملية هندسة اجتماعية، ستبرز مجموعات تطالب بهندسة جديدة، لتسييد جوهر «الإسلام»، الذي لا يستطيع أحد تحديد ما هو بالضبط.
إلا أن كل هذه العمليات ليست خارجية فحسب بالتأكيد، أو مفروضة بقمع فوقي محض، بل هي جانب من فعالية المجتمعات المسلمة نفسها. سبق لكثير من الباحثين الحديث عن الطاقة السياسية الهائلة لـ»الإسلام»، ولعل تعبير المفكر الفرنسي ميشيل فوكو: «الإسلام برميل بارود»، شديدة الدلالة في هذا السياق، خاصة أنه استخدمه في سياق إيجابي وليس سلبيا (تحليل الثورة الإيرانية والدفاع عنها). فهل تمزّق المجتمعات المسلمة نفسها بنفسها؟

إنكار الصدمة
مرّ أكثر من أربعة عقود على تحليلات فوكو للثورة الإيرانية، وباتت نتائج تلك الثورة معروفة، وآثارها المدمّرة على كل دول المنطقة، وعلى رأسها إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن، شديدة الوضوح. ما فات فوكو، وهو من أهم منظّري السلطة في التاريخ، الإدراك الفعلي لطبيعة تلك السلطة الإسلامية، التي تراقب وتعاقب وتطوّع، وتمارس أقسى أشكال السياسات الحيوية على أجساد مواطنيها؛ ولكن ما أدركه هو الطبيعة السياسية المتفجّرة لـ»الإسلام»، الذي يتمتع بقدرة شديدة المرونة والسيولة على إنتاج التحركات الاجتماعية، وإعادة إنتاجها، وحشد الأمة بـ»روح واحدة»، بعيداً عمّا اعتبره فوكو «السلطوية الغربية»، القائمة على المؤسسات الانضباطية، مثل الحزب والنقابة. ربما لم يستطع المفكر الفرنسي في زمنه إدراك أن هذه القدرة لا تقطع على الإطلاق مع «السلطوية الغربية»، بل تبدو نمطاً فائق الحداثة منها، وبالفعل، بعد عام 1979، بدأ العالم بأسره، في الغرب والشرق، يميل إلى أنماط جديدة من السلطوية، أكثر مرونة وقدرة على التحكّم، بعيداً عن المؤسسات الانضباطية القديمة، التي كرهها فوكو. كانت الخمينيّة، ونمطها من الإسلام السياسي، من «طلائع» التغيير الذي شهده العالم بأسره، والذي تُطلق عليه تسميات عدّة غير دقيقة، مثل «بعد الحداثة»، «الأيديولوجيا النيوليبرالية»، «مجتمع التحكّم»، إلخ.
في كل الأحوال، أنتجت المجتمعات الإسلامية موجات متلاحقة من «السياسات الروحانية» (بتعبير فوكو)، وأشكالاً قاسية من الهندسة الاجتماعية، قبل الثورة الإيرانية وبعدها، وفجّرت كثيراً من «براميل البارود» حول العالم، بدعم غربي أحياناً، وبمواجهة ضد الغرب أحياناً أخرى. ما يمكن تأكيده أمران: أولهما أن «الاستعمار» و»المركزية الغربية» لم يكونا ضد هذا جذرياً، بل ساهما بقوة في ترسيخه وتقويته، بل وبالتنظير له، عبر سلسلة من المفكرين والمؤثّرين، من ميشيل فوكو وإدوارد سعيد، وصولاً إلى الناشطية المعاصرة، وأعلامها في اليسار واليمين؛ وثانيهما أن هذه الموجات مزّقت المجتمعات المسلمة إلى أبعد حد، وسيّدت عليها الميليشياويين والحكّام القمعيين، الذين لم يكتفوا يوماً من الأسلمة، والمزيد من الأسلمة. اليوم معظم هذه المجتمعات مهددة بالتحوّل لمُصدِّر للاجئين والمسلحين الراديكاليين، وسط ظروف مأساوية من الفقر المدقع والكبت المروّع. باختصار، فقدت تلك المجتمعات كثيراً من جوانب تقليدها المتحضّر، سواء كان إسلامياً أو غير إسلامي.
ربما يمكن اعتبار الداعشية الصدمة الكبرى في هذا السياق، فقد رأت المجتمعات المسلمة عبرها إلى أين يمكن أن تصل الأسلمة فعلاً، إلا أن هذا ترافق بحالة من الإنكار، سواء عبر اعتبار ممارسات داعش مؤامرة غربية أو إيرانية؛ أو تكرار تعويذة «لا يمثّل الإسلام»، وكأن هنالك ممثّلاً حصرياً له أصلاً. عملياً تكمن الداعشية اليوم في خلفية لاوعي كثير من الإسلاميين، وما تزال جانباً أساسياً من «برميل البارود»، إذ أنها أقرب لورقة أخيرة، يلوّح بها هؤلاء، ويبتزّون بها الآخرين: إن لم نحقق سيادتنا فسنضطر للقيام بـ»رد فعل» داعشي.
على المجتمعات المسلمة أن تحذر، خاصة في أيامنا، التي يبدو أن الإسلام السياسي فيها بات أقرب لـ»الجهادية الداخلية»، أي اعتبار أن معركته مع أعداء الداخل، بهدف استئصالهم وإقامة «المجتمع الإسلامي»، قبل أن تكون مع أعداء الخارج. إن لم تتحرك لنزع فتيل «برميل البارود»، فستكون الخاسر والمتضرر الأكبر، إذ ستمارس ضدها أشكال بشعة من التطويع والقمع والاستئصال؛ وستُحسبُ عليها أسوأ المجموعات المتطرفة وفرق الموت، وستُحمَّلُ مسؤوليتها، وهي مسؤولية ثقيلة فعلاً، وعار حضاري وأخلاقي. ربما علينا جميعاً أن نتصدى للاعتداء المستمر والمُدمّر على المجتمعات المسلمة، ونعني اعتداء الأسلمة..

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية