إلى متى يمكن أن يستمر “زواج المصلحة” بين روسيا وإيران؟

فالح الحمـراني
حجم الخط
0

العلاقات الروسية الإيرانية لها جذور تاريخية عميقة، ومرت بمراحل متعددة: من التفاعل الوثيق إلى العداوة والنزاعات المباشرة، ومصالح الطرفين متشابكة، بيد أنها لا تتطابق دوما، لاسيما في السياسة الإقليمية، سواء في منطقة قزوين أو الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى. لكن ترتب في السنوات الأخيرة بوضوح أكثر نمط من العلاقة يقوم على الاعتماد على بعض، بمعنى لا يمكن لروسيا ولا إيران تحقيق مصالحهما بدون مساعدة الآخر، أو على الأقل عدم وجود معارضة منه.

ويشمل التعاون بين البلدين مجالات كثيرة، اقتصادية وعسكرية/فنية وأمنية وفي مجال الطاقة، والشؤون الجيوسياسية. وكل هذا يجعل من الصعوبة إحداث تغيير (كما ترغب أمريكا وإسرائيل والسعودية) في موقف روسيا من التعاون والتفاعل مع إيران. وتدعم موسكو رغبة إيران بالانضمام إلى مجموعة “شنغهاي” للتعاون، وتحث دول الخليج العربية على تطبيع علاقاتها بطهران لصالح استقرار المنطقة.

ورغم تعرض البلدين لمزيد من العقوبات الغربية يتصاعد التبادل التجاري باطراد.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو، إلى أي حد ينبغي أن يرتفع مستوى التناقضات بين الدولتين، كي يتحول سير العلاقات بينهما من التعاون إلى التنافس في الشرق الأوسط؟

ولاحظ تقرير صادر عن “المجلس الروسي للشؤون الخارجية” وهو مؤسسة دراسات سياسية قريبة من الكرملين، أنه ومن أجل تحليل آفاق التعاون الإيراني ـ الروسي في المنطقة، يجب تحديد المجالات التي يمكن أن يحدث فيها صدام المصالح في الشرق الأوسط، والعوامل التي تجعلهما يتعاونان وبالتالي في ظل أي ظروف سيكون من الصعب توسيع تعاون البلدين في المنطقة، وما هي المخاطر المحدقة بها؟ ومن خلال الإجابة يمكننا أن نستنتج إلى متى يمكن أن يستمر “زواج المصلحة” بين روسيا وإيران.

فبعد أن حقق التحالف الروسي الإيراني في سوريا بعض أهدافه، والأهم منها دعم أركان النظام السوري، وعدم إطاحة المعارضة والتشكيلات المسلحة غير النظامية ببشار الأسد، ظهرت مؤشرات تدل على إن المصالح الروسية الإيرانية تقف على مفترق طرق، وتتباعد تدريجيا، وفي بعض الأحيان تصطدم، ما يخلق الشكوك بشأن مستقبلها. فإذا كانت أولية روسيا إحلال الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحها، فان إيران تسعى إلى ترسيخ حكومة دمشق، بيد أن توسيع حضورها في سوريا يمكن أن يخلق خطر اندلاع مواجهات عسكرية في المنطقة. وتكمن طموحات إيران على ما يبدو في بناء ممر بري في الشرق الأوسط يمر عبر العراق وسوريا ولبنان، ما سيثير مخاوف تل أبيب، ويهدد باندلاع مواجهة بين إسرائيل وإيران وسيعمل على ادامة زعزعة الاستقرار في المنطقة. كما يمكن أن تكون مسائل توزيع مقدرات الاقتصاد السوري سببا في اصطدام مصالح روسيا وإيران. فالبلدان الحليفان لبشار الأسد، يراهنان على الحصول على مختلف العقود التي تعد بالمنافع الاقتصادية، لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع، وعلى خلفية شحة الثروات الطبيعية في سوريا، فليس من المستبعد أن تنشأ بين روسيا وإيران خلافات ملموسة بشأن توزيع العقود بشكل عادل لاستثمار الموارد. وانطلاقا من ذلك يتساءل بعض المحللين عن مدى طول الفترة، والظروف التي يمكن أن يبقى بها التحالف، الذي يصفونه بالهش، قائما بين موسكو وطهران.

ونظرا للحضور العسكري الروسي في سوريا فإن موسكو ستبقى تعتمد على إيران من أجل عدم إضاعة ما تراه انتصاراتها هناك، بمعنى انه سيتعين على روسيا خفض سقف طموحاتها مؤقتا وتقديم تنازل لإيران التي من دون دعمها ستكون آفاق حكومة بشار الأسد غامضة، ومصيرها غير مضمون.

علاوة على ذلك فإن سياسة الولايات المتحدة، الساعية لتحجيم نفوذ الدولتين، تدفع موسكو وطهران للتقارب أكثر. والمعروف أن روسيا وإيران تنظران إلى أمريكا باعتبارها الخصم الرئيسي لهما، وتسعيان إلى خلق، ولحد أقصى، الصعوبات أمام هيمنتها الاقتصادية والسياسية. والقاسم المشترك الآخر للبلدين هو العمل على إعادة إعمار سوريا التي دمر النزاع فيها شبكة البنية التحتية للبلاد، وعلى حد بعض المعطيات فإن إعادة إعمار سوريا تتطلب زهاء 400 مليار دولار. وترفض الولايات المتحدة وأوروبا المساهمة في العملية ما دام بشار الأسد في السلطة. وتنطوي الاستثمارات الإيرانية في سوريا على أهمية كبيرة بالنسبة لروسيا، وحتى إعادة بناء البنية التحتية إلى حد مقبول وهناك احتمال ضعيف لتحقيق هذه السيناريوهات في المستقبل المنظور.

ويرصد الباحث والسياسي بيوتر كورتونوف، وجود خطرين أو كما يقول سيناريوهين يهددان بانهيار العلاقات الروسية/الإيرانية. الأول هو تصعيد النزاع الإيراني مع إسرائيل. فقد خلق توسع النفوذ العسكري الإيراني في سوريا ورد إسرائيل بشن غارات دورية عليه، مقدمات لاندلاع حرب واسعة النطاق بين الطرفين. وفي رأي الباحث الروسي، فإن تطور الأحداث على هذا النحو يمكن أن يضع حدا لتعاون روسيا وإيران في سوريا. وقال “إن روسيا غير مستعدة للدخول في نزاع مع إسرائيل (ولاسيما مع الولايات المتحدة)”. وتوقع أن روسيا في أفضل الأحوال ستتخذ موقفا محايدا، وستسعى إلى أن تؤدي دور الوسيط لحل النزاع، وفي الوقت نفسه تضمن الاستقرار في سوريا. والسيناريو الآخر الذي سينعكس سلبا على العلاقات بين طهران وموسكو هو وقف إيران تنفيذ التزاماتها في خطة العمل المشتركة الشاملة، المتعلقة ببرنامجها النووي تماما. فالمجتمع الدولي بما في ذلك روسيا، يولي أهمية كبيرة لقضية منع إيران من الحصول على أسلحة نووية.

ويرى كورتونوف أن العلاقات بين روسيا وإيران في الشرق الأوسط قد تشكلت ليس لتحقيق الأهداف المشتركة للدولتين، وإنما لمواجهة التهديدات المشتركة. ويرجح “أن هذه العلاقات لا تتميز بالثقة المتبادلة أو الاعتماد الاقتصادي”. ولكنه يرى “أن من الصعب للغاية وصف هذه الشراكة بالقصيرة الأجل”. ويقول: على الرغم من انعدام الثقة بين الطرفين، فإن الأهداف التي تقرب موسكو وطهران من بعضهما البعض في المنطقة لن تختفي في المستقبل المنظور. ويخلص إلى أنه وعلى الرغم من أن سوريا لم تعد ساحة للاشتباكات العسكرية الساخنة، فإن عملية إحلال الاستقرار الكامل فيها ستتعرض لخطر مستمر لسنوات عديدة. وما دام أن روسيا وإيران في حاجة إلى بعضهما البعض في المنطقة، فمن غير المرجح أن تفضي خلافاتهما إلى انهيار تحالفهما الاستراتيجي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية