هذا واجب جماهيري أخلاقي أول في درجته ولا مفر: على إسرائيل أن تدخل في إغلاق تام وتنتقل بشكل كامل إلى اقتصاد الطوارئ.
كانت هناك حاجة حرجة لعمل ذلك منذ بداية الأسبوع، حين طلبت قيادة وزارة الصحة ذلك من الحكومة، وواصلت وزارة المالية الضغط (وتواصل اليوم أيضاً) لمنع ذلك. مع أنها تعتقد أن هذا سيقلص الضرر الشديد بالاقتصاد، ولكنه يجلب ضرراً مخيفاً لم يسبق أن رأيناه في تاريخ الدولة.
وحده الإغلاق التام سيعطي أملاً، لكنه أيضاً ليس مؤكداً، لتلطيف وإبقاء وتيرة تقدم وباء كورونا. بهذه الطريقة سيكون ممكناً تلطيف وتيرة وصول المرضى الخطيرين جداً إلى المستشفيات التي قد تنهار -لا سمح الله- إذا وصل حتى 10 آلاف مريض يكونون بحاجة ماسة إلى أجهزة التنفس ومعالجة مرضهم الفتاك.
قال نائب مدير عام وزارة الصحة البروفيسور ايتمار غروتو، هذا الأسبوع، إن الدولة أمرت بشكل متأخر جداً بعزل الإسرائيليين الذين عادوا من الخارج، وذلك حين كانت إسرائيل من الدول المبكرة والمتشددة في العالم في هذا الموضوع.
نفقد الصدارة
وعلى حد قول غروتو، يمكن أن نعزو الارتفاع اليومي الحاد بالمرضى، بمن فيهم الخطيرون، لعودة كثير من الإسرائيليين إلى البلاد حتى قبل أن يلزموا بالحجر.
قبل أسبوع كان يمكن القول إن قيادة وزارة الصحة، برئاسة المدير العام موشيه بار سيمان توف ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه، تدير بشكل جيد ومسؤول ومتوازن ومتفان الأزمة الصحية العالمية الأصعب منذ مئة سنة. وبفضل هذا، حققت إسرائيل تفوقاً استراتيجياً حرجاً حين سبقت قسماً من دول العالم بما فيها دول غربية غنية وقوية وكبيرة. غير أنه منذئذ نقل قسم كبير من دول العالم العدوى إلى إسرائيل ونحن نفقد، والأخطر من ذلك أضعنا تفوقنا. في أعقاب ذلك، إسرائيل أن تغرق في سيناريوهات تشبه ما حصل في إيطاليا.
حتى الآن، كانت إحدى المشكلات التي ظهرت في إدارة الأزمة هي نقص الفحوصات. والمشكلة ليست فقط النقص في أطقم الفحص (التي لها الآن طلب دولي لا نهاية له)، بل سياسة عنيدة لبعض من قيادة وزارة الصحة التي اعتقدت لسبب ما بأنه لا حاجة للإسراع في إجراء فحوصات جماهيرية لكل من يجب فحصه. في أعقاب ذلك، منعت وزارة الصحة على مدى أسبوع إقامة منشآت “افحص وسافر” بإدارة نجمة داود الحمراء، حيث كان من المخطط أن يفحص كل يوم 10 آلاف إسرائيلي. وفي بداية الأسبوع، صحت وزارة الصحة بضغط من نتنياهو وبدأت بزيادة مكثفة للفحوصات، التي ستؤدي إلى جمع معلومات حرجة لرسم خريطة تفشي الوباء في إسرائيل حسب المناطق، البلدات والتجمعات السكانية، مما سيسهل محاولات تلطيف حدة تفشي كورونا.
ولكن حتى لو زيدت الفحوصات لعشرات الآلاف في اليوم، فلا يمكنها أن تحل الآن محل الحاجة العاجلة إلى الحجر التام لكل الدولة وحظر الخروج من البيوت (باستثناء الاحتياجات الحيوية كالمعتاد). وتصف وزارة الصحة الصراع ضد الوباء كـ “حرب”. وأول أمس، قال البروفيسور غروتو إن تخوف الوزارة هو من عدد كبير جداً من الموتى يفوق عدد الموتى في كل حروب إسرائيل معاً. وأضاف البروفيسور غروتو بأن العالم بعد كورونا سيكون مختلفاً جداً عما كان قبل الوباء العالمي؛ أي مثل العالم بعد كل واحدة من الحربين العالميتين في القرن الماضي.
في “المالية” لا يستوعبون
يبدو أن وزارة المالية لم تستوعب بعد هذه الرسالة القاسية والشديدة، ولا يبدو بأن وزير الصحة يعقوب ليتسمان نفسه يستوعبها. لا مفر أمام وزارة الصحة غير العودة للمطالبة بالدخول في إغلاق تام، بما في ذلك منع فتح الكنس والمطاهر. حان الوقت لأن يخرج ليتسمان بنداء لكل الجمهور، بما في ذلك كل الجمهور الأصولي، للانصياع إلى تعليمات وزارة الصحة والقانون. وإن عدم الانصياع لصوت الوزير تجاه الخروقات الجماعية للإغلاق من جانب مجموعة من الجمهور الأصولي هو وصمة عار لليتسمان وأدائه الإشكالي كوزير مسؤول عن صحتنا.
حاولت وزارة المالية منع فرض الإغلاق التام المنقذ للحياة، وقد نجحت، غير أن لوزارة المالية الآن دوراً آخر في الحفاظ على مناعة الجمهور، الذي هو بحد ذاته جزء من ترسانة أدوية الدولة ضد الوباء. فالصراع ضد تفشي الفيروس لا يجب أن يعتمد فقط على عزل عموم الجمهور، بل وأيضاً على بنية تحتية اجتماعية واقتصادية قوية. إن وزارة المالية والحكومة يجب أن تأخذا بالحسبان المناعة الاقتصادية والاجتماعية، والاستعداد لمساعدة وتعويض المتضررين من الأزمة بيد رحبة جداً ومتواصلة. على الحكومة والمالية أن تعلنا عن ذلك في أقرب وقت ممكن لتقليص القلق الاقتصادي والاجتماعي الذي قد يمس بحد ذاته بالحرب ضد كورونا. وذلك بهدفأان يقبل الجمهور، وينفذ التعليمات القاسية والشاذة المتعلقة بالإغلاق. كما أن هناك حاجة فورية لخطة اقتصادية تعوض وتساعد عموم الجمهور على الشفاء من الضرر الاقتصادي العسير الذي يتسبب به تفشي الفيروس. هذه يجب أن تكون مساهمة وزارة المالية في مكافحة كورونا، وليست المحاولات العابثة لمنع الإغلاق الذي يمكن أن ينقذ حياة عشرات آلاف المرضى.
بقلم: ران روزنيك
إسرائيل اليوم 26/3/2020