تذكّرت ما قرأته قديما في كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» لديل كارنيجي من أن القرحة المعِديّة لا تأتي مما نأكله، بل مما يأكلنا، وأنا أقرأ ما وصف به الإعلامي عبده وازن قبل سنة الوضع الصحي للروائي الراحل إلياس خوري حين كتب «عانى ما لا يمكن أن يعانيه إنسان، حتى كاد أن يصبح ظلاً من شدة ما هزل جسده، انفجار في الشريان الذي يغذي المعدة، نجم عنه خراب شديد، بلغ حد القلب والرئتين». وكلّ قارئي ومتابعي إلياس خوري يتذكرون مقاله الشهير «عام من الألم» الذي نشره في «القدس العربي» قبل شهرين من وفاته، وتداوله أغلب من كتب في تأبينه، فقد وصف فيه ما يعانيه من آلام بلغة موجعة جارحة «ما كان لي أن أشكو، وأنا لا أشكو. لكن كمية الألم تفتت الصخر وتجعل الحياة تفتقد المعاني.. وعندما أنهض من النوم لأكتب مقالي الأسبوعي ينفجر فيّ ألمٌ مضاعف كأنني ارتكبت كل الخطايا وكل الجرائم منذ فجر التاريخ.. أتخيل أمامي بحراً من الألم، بحراً يهوج بي ويضربني في كل أنحائي وأنا أصرخ».
ولم يكن مفاجئا لعارفيه أن يستمد الشجاعة على مواجهة هذا الألم الوحشي من قضية وهب لها نصف قرن من حياته، فالألم العام يخفف وقع الألم الخاص، وبشجاعة الأوطان يستقوي الإنسان، فيكتب «كيف يفقد الشجاعة مما امتزجت تجربته بالتراب منذ بداية المقاومة الفلسطينية؟ غزة وفلسطين تُضربان بشكل وحشي منذ ما يقارب العام أيضاً، وهما صامدتان لا تتزحزحان. إنهما النموذج الذي أتعلم منه كل يوم حب الحياة».
وإذا كان الألم الجسدي الذي نخر جسم إلياس الخوري طرأ عليه في سنته الأخير، فإن الألم الأكبر ألم وطنه رافقه من عام ولادته، الذي صادف عام النكبة (1948) فوطنه لبنان أو فلسطين لا فرق – إذ كان يصف نفسه بأنه لبناني الهوية فلسطيني الهوى- كان يرشقه كل يوم بسهم من الوجع جديد، حتى تكسرت النصال على النصال، فقبل إحدى عشرة سنة بتمامها من رحيله (02/09/2013) كتب مقالا في ركنه الأسبوعي «هواء طلق» في «القدس العربي» بعنوان «وطني يؤلمني» استلهم هذه الجملة من عبارة صديق له فلسطيني قال له (وطني بيوجعني)، عن أحداث سوريا، وعن الألم الأكبر الفلسطيني، وتوأمه الأصغر الجرح اللبناني النازف الذي لم ينفع معه العلاج بالنسيان وفقدان الذاكرة. لذلك لم يستطع الألم الخاص في السنة الأخيرة من حياة إلياس خوري، أن ينسيه الألم المركزي الجاثم على أرواحنا منذ سبعة وسبعين عاما، ويكفي أن نعلم أن آخر ما أصدره الخوري من كتب كان عن فلسطين بعنوان، «النكبة مستمرة»، بل لو ألقينا نظرة عجلى على عناوين مقالاته في «القدس العربي «في العام الأخير من حياته لوجدناها لا تخرج عن هذا الجرح الذي لا يندمل، فنقرأ مثلا: «المقاومة مستمرة ـ إنها فلسطين ـ نقرأ بعيون غزة ـ غزة لا تبيع دمها ـ أين تقع غزة؟ ـ محاولة إبادة الثقافة الفلسطينية ـ كل فلسطين هي غزة».
يستذكر إلياس خوري مقاله «وطني يؤلمني» حين أنهكه الألم الجسدي فقال في أحد حواراته الأخيرة «قبل سنوات كتبتُ (مقالا) بعنوان «وطني يؤلمني» ولم يكن وقتها شعور بألم جسدي، اليوم عندي ألَمان امتزجا مع بعضهما بعضا. وجعان لا يمكن أن أفرّق بينهما». وهذه التوأمة بين ألم الجسد وألم الوطن، ما فتئ إلياس خوري يذكِّرنا بها، ففي بدايات مرضه قبل سنة من وفاته كتب في مقال بعنوان «البحث عن الشعر»، عن ألمه الجسدي «ماذا تفعل حين يحتلّك ألم غامض الملامح، لا تستطيع أن تحدد مكانه، لأنه يجتاح كل أعضائك من دون أن تمتلك القدرة على القبض على مصدره؟ ألمٌ يسيطر عليك، كأنه آتٍ من مكان لا مكان له، لكنه هنا، كشبح خفي يسكن أعماقاً لا تعرف أنها موجودة، كأن ما يتألم فيك ليس جسداً، بل روح»، وفي المقال نفسه يخبرنا عن مصدر هذا الألم، وإن شخّصه الطب الحديث بأنه نقص تروية (ischaemia) نتجت عنه مشاكل كبيرة في المعدة، لكن تشخيص صاحب العلاقة مختلف، يكتب «أشعر بأن مصدر هذا الألم وهذه الحيرة هما في مكان ما، نطلق عليه اسم الوطن. نعم أيها الناس، وطني يؤلمني».
بعد مقاله السابق بأربعين يوما يصبح ألمه الخاص لا يحتمل، وتخونه الكلمات وهو صاحب الست عشرة رواية، وهو الذي مات وبين يديه مسرحية يكتبها، لكن أمام «العواصف الهوجاء التي تضرب الجسد وتمزق الروح، بحيث لا تجد وسيلتها التعبيرية سوى في الأنين أو الصراخ»، يصرح إلياس خوري بعجزه عن وصف ما يشعر به في مقال له بعنوان «نور الحب»: «لم أجد عبارة أو كلمة ملائمة لوصف الألم، فالألم عصي على الوصف، ولا يستطيع ما اصطُلح على تسميته بالتشابيه والاستعارات القبض على معانيه، وتحويلها إلى أداة تواصل»، فلا وجود لبلاغة تحمل الألم وتخفف من أوجاعه الألم ليس أخرس، فهو يمتلك لغته التي لا نملك أدوات ترجمتها إلى لغة للتواصل»، وهذه اللغة تفرض نفسها على ما عداها، فالألم الوحشي لا يشل الجسد فقط، بل يشل الروح، يجرده خوري من ثيابه ويقدمه لنا عاريا، «ألم وحشي لم يتوقف، يشل العقل والإرادة والأعصاب والمنطق، في المستشفى وسط البنج وعقاقير التخدير وداخل جسد يتلاشى، لم أستطع أن أقرأ سوى في كتاب روحي التي تتألم».
كتب كثيرون من الأدباء والشعراء عن آلامهم ووصفوها نستذكر منهم السياب وصرخته اليائسة «رصاصة الرحمة يا إلاه»، ويحضرنا أمل دنقل وهو على سرير المستشفى يصارع السرطان ويتمنى موته «فمتى يقبل موتي/قبل أن أصبح مثل الصقر/ صقرا مستباحا»، ولكنها تبقى أوجاعا فردية في موازاة ألمين تعاونا على الفتك بصاحب «باب الشمس» الذي تمنى أن يعود إلى مدينته بيروت التي عرف فيها حبّ حياته «القضية الفلسطينية»، وفي الأخير عاد إليها، ولكن ميتا. كتب إلياس خوري ذات ألم: «قالت: «أين سنذهب بعد الخروج من المستشفى؟» قلت لها: «إلى بيروت»، «نحن في بيروت»، قالت. «لا، هذه ليست بيروت. هذه أحد أشباح بيروت، وأنا أريد المدينة لا أشباحها».
شاعرة وإعلامية من البحرين