دخول التاريخ يشبه الغرق حرب وتشرد ووطن يهاجر عالم اللباد والصوف
بيروت القدس العربي: في موقع أثري روماني مجاور لبلدة بيت مري في المتن الشمالي وجد معرض فني يغلب عليه التجهيز مقره فانتشر في مساحاته الواسعة. عشرات الأعمال المثيرة للأسئلة نبتت بين بقاياه القائمة، وفي مساحاته المنبسطة أو المتدرّجة الارتفاع، وبين الأشجار. إلى اطلالة بعض الأعمال على قمم جبال السلسلة الغربية. تلك المساحة غنية حيناً بما صمد فيها من أرضيات موزاييك كانت فيما مضى لغرف قائمة، وحيناً آخر بما تبقى من هياكل لمعبد أو كنيسة، أو معصرة الزيتون الواضحة المعالم تثير الإعجاب، أو المقاعد الحجرية وسواها من شواهد التاريخ التي صمدت، رغم المُلمات والحروب الصغيرة والكبيرة التي مرّت على لبنان. مكان أتاح للفنانين المشاركين ابتكاراً يحاكيه ويتآلف معه، ومنح فرصاً سخية لسينوغرافيا مميزة نفّذتها هلا يونس.
نُظّم المعرض بدعم إنتاجي من المركز الثقافي الفرنسي، وبالتعاون مع المديرية العامة للآثار، وأشرفت على تحقيقه «ليبانون آرت ديزينير» ويتواصل إلى التاسع من كانون الثاني/يناير المقبل، في دير القلعة على بُعد 15 كيلومتراً شرق بيروت، وعلى إرتفاع 800 متر. الموقع عبارة عن معبد روماني يعود إلى القرن الأول بعد الميلاد. يقال إنه ثالث أكبر موقع من نوعه في لبنان. ويشير تصميمه، إلى جانب أنقاض مستعمرة رومانية في الجوار، إلى مكان مهم كان مخصصاً لإقامة المهرجانات لسكان بيروت. وتكشف النقوش اليونانية واللاتينية التي تم اكتشافها على جدران المعبد في دير القلعة تفاصيل عن عبدة الإله بعل مرقد، والإلهة جونو التي سافرت إلى هناك في رحلة خشوع وعبادة. وقد كُشِف النقاب في هذا المكان عن شوارع ومتاجر ومنازل وحمّامات رومانية، إلى جانب بقايا مستوطنة بيزنطية ازدهرت بين القرنَين الرابع والسادس بعد الميلاد. خلال القرن الثامن عشر، بُنِي دير ماروني في المكان، وتحديداً فوق الجزء الأمامي من معبد بعل مرقد، بالإضافة إلى كنيسة للقديس يوحنا. ولا يزال الدير والكنيسة بإدارة الرهبانية الأنطونية المارونية إلى يومنا.
«تَوَهان في المسار الصحيح» عنوان المعرض المنجز في تلك المساحة الثقافية. تتميز أعماله بثيمة معاصرة، من توقيع فنانين ومصممين وحرفيين مخضرمين ومبتدئين. وجميعهم تبحّر جيداً في كيفية حضور عمله الفني، في مساحة نادرة نسبياً هي الهواء الطلق.
هم 37 فناناً، ومصمماً، وحرفياً، وبعضهم عقد شراكات لتقديم عمل فني مبتكر بامتياز. مع هؤلاء الفنانين برز خليط من المنحوتات، والصور، والرسومات، والمنسوجات، والتصاميم التفاعلية التي انتشرت في أنحاء دير القلعة مستفيدة من رحابة المكان وهوائه المنعش. وجميعهم حاول أن يعكس تناقضاً صارخاً بين الحاضر والماضي الغابر. إذ تبين أن الفنانين المشاركين وبعد مراقبتهم ومعايشتهم للموقع عن كثب، كانوا أمام تحدي تفكيك الصور النمطية التي تُقسّم التخصصات الفنية المتنوعة. وتحدّي الخروج من المساحات المقفلة إلى الهواء المنعش، والتعبير من خلال المكان.
مصممة السينوغرافيا هلا يونس: الأعمال أضاءت على المكان
تقول: نقدّم عملنا بالإشتراك مع مديرية الآثار بهدف الإضاءة على هذا الموقع الأثري، والذي شكل خلفية للأعمال الفنية المنتشرة. فيما بدا أننا حيال سوق للقرية التي كانت قائمة فيه، لهذا تناول الفنانون موضوعاً متصلاً بتاريخ المكان. اعتمدت في عرض تلك الأعمال كيفية إضاءتها على الموقع بحد ذاته، ووضوح العمل نفسه، لتنفيذ رؤيتنا السينوغرافية تمّ نقل مدخل دير القلعة ليكون قريباً من الوادي ومن جهة الشرق، ورغبنا باستقبال الزوّار بمشحرة للفحم، فالنار أساس الحياة. تلك المشحرة بنيت بالتقنية ذاتها التي كانت لسكّان المكان قديماً. روح الفنانة غايا فودوليان التي اغتال تفجير المرفأ حياتها وأحلامها كانت ترفرف في المكان. فوالدتها آني فارتيفاريان التي تتولّى إدارة «ليبانون آرت ديزينير» الذي شكّل أحد أحلام غايا، تواصل تحقيق أحلام ابنتها. مع الإشارة أن عنوان المعرض، «تَوَهان في المسار الصحيح» مأخوذ من صفحة غايا فودوليان على «إنستغرام». فغايا كانت مُصمّمة ناشئة، طوّرت الفكرة التي مهّدت لتأسيس منصة «ليبانون آرت ديزينير» في بداية العام 2020.
الفنانون وإنجازاتهم
الفنان التشكيلي ناثانيال راكو استوحى أفكاره من تصميمين غير منجزين لغايا فودوليان، فولدت المنحوتة المجرّدة «قطرة، قطرة» المتأثرة جزئياً برسومات فودوليان التحضيرية لعملٍ مستوحى من صواعد الكهوف في مغارة جعيتا اللبنانية. ترمز الخطوط المتصدّعة من الدعامات الفولاذية والمقاومة للصدأ إلى الأنقاض والهياكل المتهالكة في دير القلعة. وهي مغطاة بقطرات ضوئية تشير إلى مستقبل واعد.
وتعاون فنان الألياف أدريان بيبي مع مجموعة «بساط الريح» المكوّنة من نساء حرفيات لبنانيات يستعملن الصوف وتقنيات حياكة تقليدية لصناعة السجاد وتصاميم مزخرفة كبساط الحائط. وانطلاقاً من عمليات الغزل والتطريز باليد والتلبيد، يتحول الصوف إلى قطعة أثرية مفعمة بالعواطف والميثولوجيا والمعاني الرمزية. يقدّم بيبي «خريطة سماء» مطرّزة، ومستوحاة من اتكال الرعاة في الماضي على النجوم لتحديد وجهتهم في إطار مساحة منظّمة. إنه عالم كبير من المنسوجات الصوفية التي تمتد من الأرض إلى السقف، وتشير مراجعها الغنية إلى طبيعة النسيج الأصلي، وتتداخل مع التقاليد البدوية القديمة.
وقدّمت الفنانة كريستين صفاتلي بدورها رسومات ومجموعات متعددة الوسائط استعملت فيها الفحم، والطلاء الزيتي، والسكر، واللاتكس، والأسلاك، والقماش، والكرتون، ومواد أخرى، لاستكشاف الخصائص الجسدية للجنسَين. وأشكال التهميش، والصراعات الاجتماعية والاقتصادية الجماعية، بناءً على تجاربها الخاصة كامرأة تقيم في لبنان.
«أكثر من طريقة لائقة للغرق» هو الإسم الذي ألبسه الفنان حسين ناصر الدين لبركه الثلاث التي تشغل موقعاً لافتاً في بداية الطريق لإستكشاف المكان. عمل يشكل مقاربة بين الشعر والعمارة والماء. تتنوع أشكال البرك الثلاث بين الزهرة، والمستطيل والمربع. يشرح ناصر الدين بأن محيط البرك مصنوع من نوعية صخور موجودة في المكان وفي الكثير من الجبال اللبنانية. ولسطح النوافير كما يرغب حسين تسمية مجسماته الثلاث قصة تعود للعاملين في تدقيق وتحقيق كتب الشعر. إنه ورق كربون له خاصية النسخ ويسمح بالكتابة والاحتفاظ بنسخة. التدقيق اللغوي كان عمل والدي. كان بعض الورق يتعرض للشمس والهواء ويطبع عليها الزمن رسومه المجردة مما فتح أمامي العديد من الأسئلة. إنها العلاقة مع التاريخ، ودخول التاريخ يشبه فعل الغرق بحسب حسين.
عندما زارت نتاشا كرم دير القلعة ووجدت معصرة الزيتون المُغرقة في القِدم استوحت عملها السهل والصعب معاً من تلك الشجرة الرمز. صنّعت الإطار من أغصان الشجر، ورسمت على الورق بزيت الزيتون. وصممت معصرة زيتون خاصة بها.
وأطلق محمد كنعان على التجهيزات التي نفّذها في المكان «عين، بحر ورقص». وعبّر عن الآلهة الثلاث التي كانت تحتل هذا الموقع. كارولين تابت وزّعت أعمالها بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. إنها تصاميم من زجاج شفاف بأشكال مختلفة تتوسط كل منها أيقونة. إنجاز يبثّ الراحة نكتشفه خلال التجوال بفرح وكل منها له شكله الخاص. أما كريستيان زهر فعاد بذاكرته إلى الحرب الأهلية حين كانت مقتنيات المتحف الوطني محمية بعلب من الخفّان ومن ثمّ بطبقة من الإسمنت. صمم علبة ذات شكل فني بديع لبعض من عمود ما زال حارساً للمكان. وأوحى الموقع للمصممة كارين شيكيرجيان أشكال هندسية كما الدائرة والمستطيل والمثلّث، لتصميم مقعد طولي الشكل، لكنه مرن لدرجة استخدامه في الداخل والخارج. إنها الحضارات التي تعمم فوائها على البشرية، والتي تتابع اكتشافها الخاص.
سيبيل طرزي كانت تزور الموقع في طفولتها مع والدتها العاملة في الآثار. وقفت معصرة الزيتون بالمرصاد لدى بحثها عن فكرة. تقول طرزي: هذا المقعد الخشبي، وذاك المحرك المعاصر من مادة الستانل ستيل يخترقه، ويشكل أساسه المتين إلى جانب حجر الرحى. إنه الحوار بين الحاضر والماضي. حاتم إمام صمم كادراً مستطيلاً ليس بداخله سوى المشهد الطبيعي من خلفه. يخترقه الصوت من دون حدود تماماً كما الضوء. يخترقنا الصوت متلوناً بين لطيف ومزعج. وهذا معروف من حاتم امام الذي صمصم موسيقاه بطول 25 دقيقة. فيما عالجت رينا جابر ثيمة الحرب من خلال الفن، وركّزت على التشرد. إنها مجسّمات من أسمنت بطول مختلف تفترضها جابر طاولة. وثمة فراشات تطير منها لتحط في أمكنة مختلفة في المكان، وكأنها في طريقها للهجرة.
جمع محمود صفدي بين النحت والتجهيز والنباتات المنظورة والمنتشرة. بدأ مشروعه سنة 2017 حين كان بصدد الوصل بين الجسد والطبيعة والتناسق فيما بينهما. وجد نفسه في مشروع دير القلعة، فمزج بين فنون معاصرة وأخرى كلاسيكية. أجلس أحدهم على ساعة الشمس، ونثر عليها بذور الرشاد المقرر أن يختفي، وتوقيت الزمن لن يكون معروفاً. ووزّع بين منحوتاته المصنوعة من الفخار والجفصين نباتات الغار، واكليل الجبل، والعطرة، والزعتر والزيتون.
ولطرح رؤية شاملة عن المشروع، حصل المبدعون المشاركون في المعرض على فرصة القيام بجولات مع أستاذ علم الآثار أسعد سيف بحثاً عن مصدر إلهام. أسفرت الجولات عن قطع مستوحاة من أجواء دير القلعة، وحققت هدفاً يخدم فكرة «ليبانون آرت ديزينير» بإعادة إحياء موقع تاريخي قيّم وتحويل مساحة خارجية عامة إلى مكان يستمتع فيه الناس.
أسماء الفنانين والمصممين والحرفيين والمبتكرين المشاركين في المعرض: الياس ويوسف أنستاز، لارا بلدي، بوكجا «هدى بارودي، ماريا هبري»، مجموعة «بساط الريح»، سامر بو رجيلي، كلوديا شاهين، كارين شكرجيان، نهاد الضاهر، أوليفر دو جيم، جيلبير دبس، ندى دبس، غايا فودوليان، نهاد حنا ضاهر، حاتم إمام، رينا جابر، روجيه الجميل للإنارة، معمل خليفة للزجاج «نسرين خليفة»، محمد كنعان، ناتاشا كرم، «مجموعة مرام» «إيليا لوكاس»، بول مرعي، إيلي مرقص، كميل مراد، حسين نصر الدين، معرض «أوبوس ماغنوم»، أدريان بيبي، ناثانيال راكو، بيار راجحة، «مجموعة الصفا» مروان بو غانم، محمود الصفدي، كريستين صفاتلي، رولا سلمون، إيفا سودارغيتي دويهي، كارولين تابت، سيبيل طرزي، كريستيان زهر.
نبذة عن منصة AD Leb
هي مساحة ثقافية ومنصة رقمية مخصصة لدعم الإنتاجات الثقافية والفنية في لبنان والمنطقة المجاورة. تنظّم هذه المنصة المعارض في مساحات غير تقليدية داخل لبنان وفي الخارج، وتنشط أيضاً في العالم الافتراضي. تهدف المنصة من خلال معارضها وبرنامجها الموازي، إلى تعزيز الحوار والتواصل بين الفنانين والمصمّمين، وخبراء الثقافة، وهواة الفن، وجامعي الأعمال الفنية، محلياً ودولياً.
طوّرت المُصمّمة غايا فودوليان فكرة AD Leb في بداية العام 2020. لقد كانت من أشدّ المعجبين بالفنون وتؤمن بأهمية دعم وعرض أعمال الفنانين والمصممين المحليين والدوليين، وكانت تأمل في تحقيق هذا الهدف عبر منصتها الخاصة. لكن توقف عمل فودوليان في 4 آب/اغسطس 2020 حين قُتِلت في انفجار مرفأ بيروت. تعمل والدتها، داعمة الفنون ومنظّمة المعارض آني فارتيفاريان، على تحقيق هذا الحلم تكريماً لابنتها.
تنشط المنصة على شكل معرض غير ربحي. جميع العائدات ستذهب إلى «جمعية غايا فودوليان» التي تدعم الحيوانات المحتاجة وتعتني بها وتقدم المساعدات إلى منقذي الحيوانات. إنها القضية التي كانت فودوليان تهتم بها من أعماق قلبها على مر حياتها.