مباحثات تعاون إيرانية ـ تركية على خلفية الانسحاب الأمريكي من سوريا

نجاح محمد علي
حجم الخط
0

سيطر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا واحتمال إرسال قواته من هناك إلى العراق (ربما إلى أربيل) وزيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى أنقرة التي أسفرت عن تفاهمات عن دور تركيا وإيران في إرساء الأمن الإقليمي، على تطورات الأحداث الداخلية الإيرانية وهي كثيرة، وسحب الاهتمام منها لدى المتابعين الإيرانيين والمهتمين بهذه التطورات خصوصاً ما يتعلق بأزمة رواتب عمال مصانع الفولاذ وقصب السكر وغيرها (من مصانع القطاع الخاص التي كانت من القطاع العام قبل أن يعرضها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى البيع للقطاع الخاص في صفقات فساد وامتيازات لفئة محددة من المنتفعين) وهي أزمة مستمرة منذ أكثر من 40 يوماً في الأهواز مركز محافظة خوزستان جنوب غرب إيران التي تقطنها أغلبية عربية.

قمة روحاني-اردوغان

صحيح أن زيارة روحاني إلى أنقرة ولقاءه نظيره التركي رجب طيب اردوغان كان سبقها بقليل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر تويتر سحب القوات الأمريكية من سوريا، إلا أن الزيارة ولقاء القمة بين الزعيمين كان خُطط لهما قبل القرار الأمريكي المفاجئ والذي تحاول أن تستفيد منه طهران وأنقرة، كلٌّ على طريقته، خصوصاً في وسائل الإعلام في تعبئة جمهوريهما خصوصاً فيما يتعلق بتطورات الأزمة السورية.

بالنسبة لطهران ورغم وجود من يعتقد أن هذا الانسحاب يأتي في إطار تفاهمات ترعاها أنقرة وتدعمها موسكو لخروج كافة القوات الأجنبية (ومنها الإيرانية) من سوريا، فهي تعتبر أي انسحاب للقوات الأمريكية من المنطقة، انتصاراً لعقيدتها الأمنية.

وكان لافتاً أن يبحث الرئيس الإيراني حسن روحاني مع اردوغان مسألة ما بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا، وأهمية أن تنجز أنقرة مهامها بسرعة في شرق الفرات لضمان بسط النظام السوري سيطرته على المناطق التي ستنسحب منها القوات الأمريكية بما يخفف من المخاوف التركية بشأن مستقبل أكراد سوريا.

وترأس روحاني واردوغان الخميس الاجتماع الخامس لمجلس التعاون التركي-الإيراني رفيع المستوى بحضور وزراء النفط والخارجية ومسؤولين آخرين بارزين، وتناول الاجتماع، جميع جوانب العلاقات الثنائية، إضافة إلى تبادل الآراء حول تطورات إقليمية ودولية خصوصاً الوضع في سوريا والعراق.

واهتمت المباحثات الإيرانية التركية بموضوع العقوبات الأمريكية على إيران وموقف أنقرة الرافض والذي أكد عدم الالتزام بها قبل استثناء ترامب لها.

وتدرك طهران أن الانسحاب الأمريكي من سوريا لن يحصل من دون التنسيق مع تركيا لتفادي الصدام بينهما بما سيمكن أنقرة من الاضطلاع بدور أكبر على حسابها في مفاوضات أستانا، وفي الدفع من أجل التوصل إلى تسوية سلمية خصوصاً وأن الانسحاب الأمريكي سيعزز تواجد تركيا العسكري في شمال شرقي سوريا بالقرب من حدودها الجنوبية مع سوريا، لكنها تدرك أيضا أنها قادرة على الاستفادة منه بما يؤدي إلى إطلاق يدها ولو بشكل غير مباشر في سوريا حتى لو انسحبت قواتها الموجودة هناك، وأنها ستعزز مشروعها في إيجاد خط مباشر إلى “حزب الله” لنقل السلاح، عبر سوريا والعراق، وبذلك تعزز نفوذها مقابل انحسار وضعف الدور الأمريكي، وقد تجلى ذلك بالتفاهم البريطاني الإيراني حول تشكيل الحكومة العراقية ورضيت به واشنطن مجبرة، وبإعلان بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومسؤولة السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني دعمهم للعراق إذا لم يلتزم بالعقوبات الأمريكية على إيران وتعهد سفراء دول ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في بغداد، حماية العراق من تأثيرات الحظر الأمريكي ضد إيران.

ومن هنا حظي هذا الموضوع باهتمام كبير خلال المحادثات بين الرئيسين وقال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في هذا السياق، إن من الممكن لبلاده وإيران القيام بالكثير من الخطوات الهامة الرامية لإنهاء الصراعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط مشيراً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت لقاءات مكثفة بين الأجهزة الأمنية من الطرفين.

وبدا واضحاً الارتياح الإيراني إزاء الموقف التركي رغم بعض الاختلاف في وجهات النظر حول مستقبل العملية السياسية في سوريا، إذ أشار روحاني إلى أن “تركيا وخاصة رئيسها اردوغان اتخذا خلال الأشهر الماضية مواقف حاسمة وجيدة إزاء مؤامرة الحظر الأمريكي ضد إيران” مشدداً على أهمية دور تركيا الاستراتيجي فضلاً عن العلاقات الثنائية بالنسبة للجمهورية الإسلامية، وبين أنها تشكل جسرا للتواصل مع دول الغرب والشرق، وهذا ما تخطط طهران وهي تبحث عن اعتراف دولي بدورها الإقليمي كقوة فاعلة في المنطقة.

وبينما تعمل حكومة الرئيس روحاني على “تنظيف” التبعات التي خلفتها حكومة الرئيس السابق أحمدي نجاد عبر تطوير علاقاتها الإقليمية والدولية للمساعدة في حل الأزمات الداخلية وهي في معظمها أيضاً من مخلفات تلك الحكومة كأزمة رواتب عمال مصانع القطاع الخاص المرتبطة أساساً بالفساد السياسي، يتوقع بعض المعنيين في إيران وهم يرسمون سيناريوهات أخرى، أن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا إن لم يكن تم في إطار التفاهمات لانسحاب باقي القوات الأجنبية ومنها الإيرانية من سوريا، فهو ليس إلا إعادة انتشار إذا تمركزت هذه القوات في العراق. وعلق أحد السياسيين قائلاً إن ذلك إن تحقق سيعني أن القوات الأمريكية في سوريا: طالعة من بيت أبوها رايحة لبيت الجيران!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية