لندن-“القدس العربي”: لم تبق دولة وجهات مؤثرة عالمياً إلا وحذرت من نشوب حرب غير مقصودة في منطقة الخليج العربي بسبب شهية واشنطن للتصعيد، ومغامرات طهران للرد على الضغوط الأمريكية من خلال إشعال النيران في مسارات نقل النفط. ووتهدد الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن خططه تصفير صادرات إيران النفطية، بإغلاق مضيق باب السلام “هرمز” وهي تعلم أنها إذا بادرت بأي محاولة لعرقلة حرية التجارة في المياه الدولية، ستعرض نفسها إلى مخاطر كبيرة والمزيد من العزلة الدولية، فضلاً عن أنها حاولت وتحاول أن تكون اللاعب العقلاني (كما وصفها مسؤولو الإدارة الأمريكية السابقة) وصمام الأمان للتجارة في المنطقة.
ونظراً لذلك، اعتمدت إيران استراتيجية أخرى للرد على الضغوط الأمريكية خاصة فيما يتعلق بتصنيف الحرس الثوري على قائمة الإرهاب، من خلال أذرعها والميليشيات الموالية لها والجماعات والجهات التي تتعاطف معها. فتعرضت خطوط الأنابيب التي تنقل النفط السعودي من المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر، وميناء الفجيرة الإماراتي إلى هجمات تخريبية. والملفت في ذلك هو أن خطوط الأنابيب السعودية وميناء الفجيرة يعتبران جزءا من المشاريع البديلة لتخفيض نسب عبور النفط من مضيق هرمز، وتقلص تلك المشاريع من أهمية المضيق، ولم تخف إيران تذمرها من المحاولات والمشاريع الرامية لتقليص أهمية المضيق.
وفي الجانب الداخلي، رغم الوحدة النسبية في الخطاب الرسمي الإيراني، تصاعدت حدة الصراع بين أجنحة النظام، وأصبحت المطالبة بالإطاحة بحكومة حسن روحاني تتردد على لسان ممثلي المرشد الأعلى الإيراني، وقبل ذلك كان الهجوم على روحاني يقتصر على المحافظين ووسائل الإعلام التابعة لهم. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، كان رئيس معهد “يقين” للدراسات، العميد حسن عباسي، قد توعد بأن أنصار حزب الله سيشنقون روحاني في ساحة الثورة وسط طهران، بسبب تواطئه مع الاستكبار وإدارة ترامب.
لكن حدة التصريحات تصاعدت ضده بشكل كبير ووصلت إلى مطالبته بالتعاون في أي حرب محتملة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، حيث طالب ممثل الولي الفقيه وإمام جمعة مدينة مشهد (شمال شرقي إيران) آية الله أحمد علم الهدى، الرئيس الإيراني، بالتنحي من منصبه. وأشار علم الهدى إلى تصريحات علي خامنئي بخصوص ضرورة استعداد الشعب والقوات المسلحة في البلاد لحرب محتملة مع أعداء الثورة الإسلامية، وخاطب روحاني قائلاً “إذا كنت لا تريد أن تكون قائداً لمرحلة الاستعداد للحرب، فيجب عليك أن تتنحى من منصبك، حتى يتولاه شخص آخر راغب في المشاركة في الحرب المحتملة”. وأضاف ممثل الولي الفقيه “أنتم تعلمون أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحارب الاستكبار العالمي وأمريكا، فلماذا قبلتم بمناصبكم الحالية؟” بالإشارة إلى حكومة روحاني. وقال إن الشعب الإيراني بدأ بالاستعداد لهذه الحرب، فيجب على المسؤولين في مجلس النواب والحكومة والسلطة القضائية أن يستعدوا أيضا. وهاجم علم الهدى بشدة حكومة روحاني لأنها صادقت على الاتفاق النووي، رغم أن خامنئي كان قد حذر من أنه لا يمكن الاعتماد على الغربيين. وطالب أن يستعد روحاني وحكومته للحرب مع أمريكا، مشدداً على ضرورة البدء الفوري بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة وإعادة تشغيل مفاعل أراك للماء الثقيل، وقال إن ذلك هو ما يريده الشعب، على حد وصفه.
ويحاول وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وبدعم من جهات داخل الولايات المتحدة أن يخفف من ضغوط إدارة ترامب على بلاده. وبعد وصوله إلى نيويورك للمرة الثانية خلال الشهر الحالي، قال معلقاً على سؤال الصحافيين حول موضوع إغلاق المضيق “أنا لا أتحدث عن الملفات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز”. وهكذا أبعد الوزير نفسه من دائرة الصراع الداخلي الإيراني حول كيفية التعاطي مع الضغوط الأمريكية، فضلاً عن أنه يعمل على ألا يتم إفساد محاولاته فتح قناة تواصل مع الأمريكيين. وخلال لقائه نظيره الياباني في طوكيو، قال ظريف إن ما تقوم به الولايات المتحدة من تصعيد للتوترات ضد إيران غير مقبول، مؤكداً إن بلاده تتصرف بأقصى درجات ضبط النفس، وأنها تحافظ على التزامها تجاه المجتمع الدولي في إطار الاتفاق النووي.
وفي الجانب الذي يقرر سياسات البلاد، أكد خامنئي أن أي حرب مع الولايات المتحدة لن تقع، وأن المقاومة هي الخيار النهائي للشعب الإيراني، مشددا على رفض التفاوض مع الإدارة الأمريكية، وأوضح أسبابه قائلاً “هذا الصراع ليس عسكريا، لأن من المفترض ألا تقع حرب، لا نحن نسعى للحرب، ولا الأمريكيون لأنهم يدركون أنها ليست في مصلحتهم، وهذا الصراع هو صراع الإرادات، وإرادتنا هي الأقوى” واعتقد أن مقاومتنا في هذا الصراع سترغم واشنطن على التراجع. ورداً على مساعي حكومة روحاني لفتح قناة حوار مع حكومة ترامب، اعتبر خامنئي فكرة التفاوض مع الولايات المتحدة كالسم، مضيفا “طالما أن أمريكا تتصرف هكذا، فإن التفاوض معها هو سم زعاف، التفاوض يعني التعامل، لكن واشنطن تريد التفاوض لتضعيف نقاط قوتنا”. وأشار إلى أن الأمريكان يريدون التفاوض على القدرات الدفاعية الإيرانية وتقليل مدى الصواريخ كي لا تتمكن من الرد عليهم إذا قاموا بالاعتداء عليها، لافتا النظر إلى أن أي مواطن إيراني غيور وشجاع يرفض المساومة حول نقاط قوته وعمق إيران الاستراتيجي في المنطقة، بالإشارة إلى مطالب واشنطن بوقف دعم طهران لميليشياتها المنتشرة في المنطقة.