إيران بين التيار الصدري والإطار التنسيقي: الاقتتال خط أحمر

محمد نُون
حجم الخط
0

لا مجال في إيران لازدواجية القرار بين الذراعين الدبلوماسي والعسكري في مقاربة التعامل مع الأوضاع في العراق، فالجهاز الدبلوماسي الممثل بالسفارة الإيرانية في بغداد يقوده سفير برتبة جنرال سابق في الحرس الثوري هو السفير إيرج مسجدي .
ركيزة الدمج هذه تعتمدها إيران منذ ما قبل وما بعد اقتحام أنصار التيار الصدري السيد مقتدى الصدر للبرلمان العراقي ثم الاعتصام خارجه وصولا إلى مطالبة الصدر بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة في سياق ما أعلنه من ثورة قال «إن هدفها محاربة الفساد والمفسدين».
الزلزال السياسي الذي أحدثته مواقف زعيم التيار الصدري في بغداد، ترددت أصداؤه في طهران، بنسبة أكبر مما هي عليه الحال في باقي العواصم الإقليمية والدولية المعنية بالعراق وخريطته السياسية .
فالأزمة السياسية عصفت داخل البيت الشيعي بين التيار الصدري والإطار التنسيقي بعدما كشف الأخير عن اسم محمد شياع السوداني كمرشح لرئاسة الوزراء، بوصف الإطار هو صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي وصارت الساحة مفتوحة أمامه بعد استقالة نواب التيار الصدري 73 نائبا بأمر من مقتدى الصدر في حزيران/يونيو الماضي.
الموقف الإيراني مما يجري في العراق يركز على التحذير من الوقوع في ما يسميه «الفتنة الداخلية» ويبدو قلقا تجاه اتساع رقعة الخلاف بين التيار الصدري والإطار التنسيقي.
وعن ذلك يقول مصدر إيراني غير رسمي لكنه قريب جدا إلى دوائر صناعة القرار في طهران «إن إيران تريد حسم الأمر بصورة تمنع وقوع انشقاق شيعي- شيعي لأن في ذلك خسارة للطرفين ولإيران أيضا، وسيؤدي بالتيار والإطار وبقية الشيعة إلى خسارة الكثير من مكتسباتهم السياسية».
ويوضح المصدر في حديثه لـ«القدس العربي «: «أن المساعي التي تبذلها طهران تتركز على تهدئة الوضع أولاً، ثم العمل على الوصول إلى اتفاق مشترك بين التيار الصدري والإطار التنسيقي «.
ويضيف المصدر الإيراني «أن الوضع في العراق يشبه – في جانب منه – ما هو عليه الحال في لبنان لجهة عدم إمكانية استفراد طرف معين لوحده باتخاذ القرارات، لذا ينبغي معالجة الأمور بسعة صدر عبر التفاهم والحوار».
وعند سؤاله عن رأيه في إعلان الصدر رفضه للحوار، يجيب «أن هناك وسطاء من حلفاء إيران يعملون لتذليل الخلاف بين التيار والإطار على أساس أن كل الحلول مطروحة بما فيها حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة».
لكن ماذا عن الوساطة من الجانب الإيراني، يجيب المصدر: «إن التواصل قائم عبر السفير إيرج مسجدي في بغداد كما أن فيلق القدس- التابع للحرس الثوري -هو من يعمل في هذا الملف، ويقوم باتصالات مع مقتدى الصدر، انطلاقا من رؤية جامعة بأن لا تحصل مواجهة عسكرية بين الشيعة، وهذا ما قاله أيضا مقتدى الصدر للوسطاء».
ويشير المصدر إلى «أن العلاقة جيدة» بين فيلق القدس والصدر منذ أن بناها قاسم سليماني القائد السابق للفيلق والذي اغتالته القوات الأمريكية بغارة جوية لدى خروجه من مطار بغداد برفقه نائب قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في كانون الثاني/يناير عام 2020 .
لكن ما مدى تأثير إيران على مقتدى الصدر، يجيب المصدر «صحيح أن مقتدى الصدر لا يعتبر نفسه حليفًا لإيران لكنه ليس معارضا لها، وهو يدرك ما لها من حلفاء وخاصة في الوسط الديني بين علماء الحوزة العلمية العراقية في مدينة قم، وهو لديه أيضا علاقات مع بعض علماء الحوزة العلمية العراقية والإيرانية أيضا، وقام بعض هؤلاء من رجال الدين بالاتصال به ونصيحته وهو أبدى تجاوبه معهم ووعدهم أنه لن يكون هناك اقتتال شيعي-شيعي».
ويرى بعض المتابعين للشأن العراقي أن تلك الاتصالات من إيران وحلفائها العراقيين وبعض رجال الدين أدت إلى تبريد الأجواء وفتحت باب التواصل بين مقتدى الصدر والإطار التنسيقي الذي انتدب هادي العامري للتواصل معه .
ومعروف عن العامري أنه كان أيضا ممن اعترضوا على نتائج انتخابات العاشر من تشرين الأول/اكتوبر 2021 وأعلن تأييده لدعوة الصدر لإجراء انتخابات نيابية مبكرة كما أنه حليف لإيران ويرأس كتلة تحالف الفتح النيابية إضافة إلى كونه رئيسًا لقوات بدر العسكرية المنضوية ضمن فصائل الحشد الشعبي.
لذلك فإن شخصيته مؤثرة في العملية السياسية والبرلمانية وفي المعادلة العسكرية المتعلقة بدور الحشد الشعبي .
وتعتبر مسألة إبعاد الحشد الشعبي عن التجاذبات السياسية وخاصة داخل الوسط الشيعي أمراً في غاية الأهمية بالنسبة لإيران وحلفائها، وبرز في هذا الاتجاه عنصر لافت حمل تغييرا في لهجة مقتدى الصدر من الحشد لاقاها الأخير بموقف إيجابي .
فمقتدى قال في رسالة خطية موجهه إلى الحشد يوم الخميس «إن كان هناك فسطاط التيار وفسطاط الإطار فلا يعني أن إخوتنا الأحبة في الحشد الشعبي محسوبون على إحدى الجهتين، وإنني على يقين أنهم يشاطرونني الرأي في ما قلت من طلب الوحدة ضمن الأطر السماوية والدينية والإنسانية والعقائدية».
وسارعت هيئة الحشد الشعبي إلى الثناء على رسالة الصدر ووصفت خطابه أنه منصف، وردت بالقول في بيان رسمي «إن الحشد الشعبي قيادةً وأفراداً، يعاهد الشعب العراقي والمرجعية الدينية على التزامه بالمعايير الوطنية والمهنية التي تصب في خدمة عراقنا الحبيب».
ويبدو أن هذه التحركات والرسائل المتبادلة أبعدت احتمالات التصعيد في الجانب الأمني، ليبقى الصراع سياسيا، مدعوما بحراك شعبي لمناصري التيار الصدري يتخذ أشكالا متعددة الأوجه بينها استمرار الاعتصام خارج البرلمان، وإقامة صلاة جمعة موحدة دعا إليها الصدر أنصاره .
والحقيقة التي باتت مؤكدة أن الصدر يسعى إلى أثبات قدرته على تغيير المعادلة السياسية الداخلية، وعدم السماح بتجاوز دوره بعدما حصد في الانتخابات النيابية الأخيرة 73 مقعدا جعلت منه صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان قبل أن يأمر لاحقا باستقالة جميع نوابه بسبب عدم تمكنه من تشكيل حكومة بفعل رفض الإطار التنسيقي.
كما يسعى الصدر نحو ترسيخ زعامة دينية كونه ابن المرجع الديني المعروف محمد صادق الصدر الذي يتبع فتاواه الدينية جمهور كبير من العراقيين ينضوي كثير منهم في صفوف الحشد الشعبي ذاته .
ويطلق أنصار مقتدى الصدر عليه لقب القائد، وهذا يعني محاولة ترسيخ قيادته على الصعيدين الديني والسياسي في آن معا، وهو أمر دونه كثير من العقبات مع وجود منافسين آخرين كبار على الساحة الشيعية العراقية سواء في قيادة العملية السياسية أو زعامة الحوزة الدينية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية