عاشت إيفا هيسه فترة شبابها مؤمنةً بأن الفن جوهرٌ، مَرْكَزٌ وإيجاد حلول غير مألوفة تلاءمت مع أحداث طفولتها، فعلَّقتْ غربتها على كتفيها وواءمت بين ما تكتب وما تفعل، صمَّمتْ أيامها ولم تتعرَّف إلا على جسدها، مدركةً أن عملها يشبهها، أما فضولها في التعامل مع ألوان لوحاتها والمواد التي تكَوَّنَتْ منها منحوتاتها فلا نهاية له، وهكذا تدلَّتْ حبالها من السقف إلى داخلها بإيقاع خاص: «إنني أرسم ما أراه وأشعر به للتعبير عن الحياة بكل حقيقتها وحركتها».
في تلك القراءة، كانت تؤكد أن حياتها وفنها لم ينفصلا، ويبدو ذلك في الكثافة الهائلة التي واجهتْ بها حاجز الوقت، رَسمتْ ونَحتتْ على سطوحها الغريبة، فكانت أربعة وثلاثين عاماً عاشتها بين عامي 1936 – 1970 مُرَكَّزَةً، التصقت من خلالها مواضيع لوحاتها ومنحوتاتها بالحياة بشكل مثير، ومَشَتْ في أعماقها مخاطبةً ذاتها بخطوط انسيابية لعالم الطبيعة العضوي، دون أفكار مسبقة.
ابتُليَتْ حياة إيفا بأنواع مختلفة من المصاعب الجسدية والعاطفية ابتداء من تهريبها وهي في سن الثالثة وشقيقتها الكبرى هيلين من هامبورغ إلى هولندا، على متن أحد القطارات الخاصة بالأطفال، وصولاً إلى معاناة العائلة في المحاولات الشاقة للمِّ الشمل في نيويورك، تلت ذلك إصابة والدتها بالاكتئاب، الذي قادها إلى الانتحار، ثم زواج والدها من امرأة أخرى تدعى إيفا أيضاً، ما شكل لفتاة في عمرها اضطراباً من خلال تشابه اسمها مع اسم أمها البديلة! على الرغم من كل تلك الصعوبات، تقدَّمتْ إيفا بجرأة إلى الأمام واستفادت إلى أقصى حد من ظروفها المهنية، لتخلق في نهاية المطاف أعمالاً مجرَّدة مثيرة للذكريات، خالية من أي أجندة اجتماعية أو سياسية.
عام 1960 كانت إيفا على دراية جيدة بمسائل تاريخ الفن الحديث، مثل الروح التعبيرية التجريدية الجديدة لمدرسة نيويورك، حيث استجابت أعمالها للرسم الميداني الملون، عبر إيحاءات فنية، لتنتج سلسلة «صور شبح» الاسم الذي أطلقه على تلك السلسلة المنسق إي. لوان ماكينون، بسبب مغازلتها لصور الجسد البشري وصورة الذات، وهو ما كان وقتها يوحِّد تلك التجريدات ضمن فضاءات حالة ذهنية، أو مزاج أو ذاكرة، في حين أنها سعت للتعبير عن الأشياء غير الملموسة! قد تكون قراءة أيّ من أعمالها أمراً مفيداً لفهم زوغاناتها الشخصية بمفهومها الأنثوي وكأنها – وباللاوعي- أرادت أن تعيش كامرأة عادية، تتزوج وتحمل وتُكَوُّن عائلةً، كما رسمتْ في إحدى لوحاتها التي لا تحمل عنواناً، رافضةً حبس بعض أعمالها المبكرة في قفص العنوان، لذلك ينبغي على المُشاهد أن يقرأ بنفسه ويُعَنْوِن كما يشاء. غالباً ما كانت تشير في كتابة يومياتها إلى نفسها بصيغة الغائب، لأنها كانت تُغَذّي لوحاتها من ماضيها، يتذكر أحد الأصدقاء: «ربما أثبتتْ إيفا شبه هَوَسها بالسيرة الذاتية، أو بالماضي» بينما يتذكر صديق آخر: «لم تكن عواطفها من الحاضر! لم أذهب إلى منزل إيفا دون إحضار تذكار من الماضي، كانت تتغذى على تلك المواد، وربما يملأ وجودها المادي بعض الفراغات في حياتها!».
في حوارها مع بعض أصدقائها كانت تقول: «أولاً، وعندما أعمل، هناك فقط صفات مجردة أعمل بها، وهي المادة والشكل الذي سيذهب إليه كالحجم، القياس والتموضع، لأنها ستأتي من السقف أو من الكلمة!» وهو ما نفَّذته في منحوتتها Contingent سنة 1969 التي تعتبر واحدة من آخر الأعمال التي قدمتها قبل وفاتها، وهي عبارة عن ثماني لوحات معلقة عمودياً من السقف إلى أسفل، حيث يبدأ الجزء العلوي من كل لوحة في الموضع نفسه، ولكن كل جزء سفلي يختلف ارتفاعه عن الأرض عند المكان الذي ينتهي فيه، فتحوم بعض الألواح على بعد أمتار قليلة من الأرض، وبعضها بالكاد يلامس الأرض، والبعض الآخر يتدحرج عبر الأرض. الألواح نفسها التي استخدمتها مصنوعة من عدد من المواد بما في ذلك الألياف الزجاجية، القماش القطني، واللاتكس. يتكون مركز كل لوحة من خليط بين اللون الذهبي الغامق ولون الصدأ، الحواف العلوية والسفلية غائمة ويبدو نسيج القطعة مُجعّداً على غرار قطعة الورق التي تم تكويرها ثم وضعها بشكل مُسطَّح. الصورة الظلِّيّة لبعض الألواح تنحني إلى الداخل، ما يدل على حركة تتمدد لتجعل الألواح تبدو مثقلةً من الأسفل، كما لو كانت تسحب لأسفل. يتناقض كل من نسيج وحركة العمل مع الخصائص الفيزيائية للمواد المستخدمة، فيسلط ذلك الضوء على خبرة هيسه في التلاعب بالمواد. بالنسبة للمشاهد، ستكون تلك تجربة حميمةً حيث يمكن للمرء استكشاف العمل طوال الوقت بدلاً من الوقوف على مسافة منه.
بين عامي 1952- 1954تخرجت هيسه من كلية نيويورك للفنون الصناعية، ثم التحقت بمعهد (برات) لدراسة الفن التجاري، وفي خريف 1953 بدأت بحضور دروس الرسم في رابطة طلاب الفنون، ما لبثت بعدها أن عملت مؤقتاً وبدوام جزئي في مجلة المراهقين Seventeen خلال تلك الفترة بلغت سن الرشد في فترة ما بعد التعبيرية التجريدية، بعد أن أنهت دراستها الأساسية للفن التجريدي الأمريكي، وعملتْ في التصميم التجاري، وهو ما جعلها في تماس مباشر مع المواد الصناعية المتاحة كالحبال، الخيوط، المطاط والألياف الزجاجية الشيء الذي قادها للوصول إلى ذهنية غريبة الأطوار انتقلت بها من الرسم إلى النحت وأوجدَتْ ما سُمِّي في ما بعد «النحت غريب الأطوار».
لم يكن الحادي عشر من نيسان/أبريل 1961 يوماً عادياً في حياتها، لأنه كان موعد مشاركتها في عرض «ثلاثة شبان أمريكيين» في معرض جون هيلر- نيويورك (11/04/1961 – 02/05/1961) مع كل من الفنانَيْن دونالد بيري وهارولد جاكوبس، هناك التقت بالنحات توم دويل الرجل الساحر النابض بالحياة والنحات المتفاني، المتحدث الجيد ومُدمن روايات الأيرلندي-الأمريكي جيمس جويس. منذ البداية انجذبت إليه بشدة، وعندما عادت إلى المنزل كتبتْ في مفكرتها: «لقد كنتُ مع توم دويل في الأيام الثلاثة الماضية وهذه بداية الوجود بالكامل وسط عالم الفن. لكنها وبعد وقت قصير كتبت، «تلك العلاقة لن تكون سهلةً» الأمر الذي يفسر عدم إنجابها، ومن ثمَّ انفصالها عن دويل سنة 1966بعد زواج دام خمس سنوات. بين خريف عام 1965 ووفاتها، قدَّمتْ إيفا هيسه حوالي سبعين منحوتة والعديد من الرسومات الأخرى التي أكدت مكانتها كفنانة مهمة، كانت تعلم أنها «جيدة» حتى قبل أن ينضج عملها. في أيامها الأخيرة كانت تشعر بالرضا عندما علمتْ أن الآخرين يشاركونها تلك المعرفة، وتم التعامل مع أعمالها على أنها فنانة وليست صورة نمَطية مأساوية لامرأة شابة ستموت مبكراً، فبالاحتفالية الاستعادية تلك من قبل زملائها الفنانين، كان النطاق الكامل للعمل أكثر إثارة للإعجاب في العديد من الأعمال، ما جعل أصدقاءها يدركون مقولتها: «لدي ثقة في فهمي للجمال الرسمي لكنني لا أريد ذلك، أنا لستُ كاتبةً لكن لديّ الإمكانية لكتابة أفكاري، وجهي جميل، جسدي جميل وفستاني جميل، على أي حال لا يوجد شخص يستطيع القول إنَّهُ جميل من الداخل. كُنْ على علم بهذا أو اجعل ما أدّعيه مشكلتي، في الواقع هذه ليست هي المشكلة، لأن هذه الأشياء قابلة للحل، وتستطيعون حَلَّها بشكل جميل!».
كانت تكتب ملاحظاتها عن أعمالها بالإنكليزية بحروف متصلة وكأنها أرادت وصل المواد بالألوان والأشكال بالأحجام لمنح المواد التي استعملتها حياةً أطول. يقول مساعدها دوغلاس جونز «كانت تحاول الحصول على مواد تحفظ منحوتاتها الغريبة لوقت طويل فكانت تناقشني حول فاعلية المادة وكيفية توظيفها في منحوتاتها، فَمَرّة تقول دعنا نحاول استخدام هذه المادة أو تلك، كانت تخبرني بفكرة العمل، وكنتُ أخبرها بكيفية بنائه وفقاً للإمكانيات المتاحة».
في معرض «إيفا هيسه: أشكال وأجساد» الذي استضافته مؤسسة Hauser & Wirth – زيوريخ 16/09/2022 – 19/11/2022 عرضت المؤسسة السويسرية أعمالاً متنوعة وصوراً لإيفا هيسه لخصت مسيرتها اعتباراً من عام 1952 حتى وفاتها، ولعل أهم هذه الأعمال:
إيفا هيسه، مترو الأنفاق 1954 وهو عبارة عن نسخة مطبوعة بأسلوب الطباعة الحجرية عندما كانت تعمل في مجلة Seventeen بالإضافة إلى عملها المثير «موما بومبا» العمل التعبيري التجريدي الغريب، حيث نجحت من خلاله بصنع هارموني خاص بين مواد مثل الحبال، جص الغراء، المعدن، تمبرا، مينا، حيث يبدو ذلك العمل كقفاز بثلاث أصابع، يتدلى منه حبلان مختلفان في سماكتهما يكملان أصابعه الخمس، وقد لونت (الحبلين/ الإصبعين) بدرجتين مختلفتين بلون وردي، وقتها بدا تأثير جوزيف ألبيرز على إيفا واضحاً في نضوج تجربتها في فن التصميم. يضاف إلى ذلك العديد من الصور لاسيما صورتها مع الفنان الألماني/ الأمريكي جوزيف ألبيرز عندما كانت تدرس فن التصميم 1957 وصورتها مع زوجها النحات توم دويل عندما كانا في وودستوك/ نيويورك 1962. وصورتها الأخيرة التي التقطها المصور جون.أ. فيرراري في الاستوديو الخاص الذي كانت تعمل به (ستوديو باويري) في مانهاتن – نيويورك عام 1969.
إيفا هيسه هي واحدة من أشهر الفنانين الأمريكيين الذين بلغوا سن الرشد في أعقاب التعبيرية التجريدية، فرَّت من موطنها ألمانيا أثناء صعود النازية فجرَّبتْ التعبير عن حالات ذهنية غريبة نادراً ما يتم استكشافها في العصر الحديث. إيفا مطرٌ كثيف على زجاج وعشب قصير عزّ عليه ألّا ينمو، عالمٌ موازٍ واجه سطوة الفيزياء ورسَمَ تحت السطح للسماح بالعبور إلى سماء داخلية، ليصل بأقصر وقت إلى الذات البشرية، نحتَتْ ضد كل القواعد لتوثق العلاقة مع غير المرئي وتلاعبتْ بالمواد بمزيج من المرح والغرابة لتوجِدَ نبضاً لا يتوقف داخل المنحوتة.