إيفون فوندرو: موعد للعشق والموت في نوفمبر

في 17 يونيو/حزيران 1940 وهو اليوم الذي هرب فيه زوجها إلى إنكلترا، كانت إيفون فوندرو وأطفالها في كارانتك على الساحل الشمالي الغربي لشبه جزيرة بريتاني، كانوا قد لجأوا إلى هناك مع خالتهم بعد مغادرة منزل الأسرة في كولومبي ذات البرجين قبل حوالي شهر، وقتها كان الألمان يتقدمون بسرعة نحو غرب فرنسا. عندما وصل الجنرال ديغول إلى لندن، طلب اتخاذ خطوات عاجلة لإنقاذ زوجته وعائلته، ليوافق ونستون تشرشل على ذلك ويأمر بإرسال طائرة مع ضابط المخابرات البريطاني هيرمان هوب الذي كان يعيش في سايغون «الهند الصينية» ويتقن الفرنسية لتنفيذ عملية الإنقاذ. هربت إيفون فوندرو وأطفالها بقارب من ميناء مدينة بريست. في اليوم التالي أكمل الألمان غزوهم لشبه جزيرة بريتاني. وتم لم شملها مع زوجها في إنكلترا في ذلك العام. بعدها بثلاث سنوات انضمت إلى الجنرال ديغول في الجزائر العاصمة، حيث شعرت بالارتياح بعد استقالته عام 1946 ليعود الزوجان إلى بلدة كولومبي من جديد.
التقى شارل هنري ديغول بإيفون ابنة صاحب مصانع بسكوت فوندرو لأول مرة سنة 1920، كان في الثلاثين من العمر ضابطاً برتبة نقيب، بينما كانت إيفون ابنة مدينة كاليه النورماندية في العشرين، تقابلا عندما عاد شارل ديغول من مهمة عسكرية في بولندا، حيث رتَّبَتْ عائلتها ذلك اللقاء سراً وفقاً لتقاليد الأسرة الكاثوليكية المُحافِظة. خرجا معاً في أول نزهة في غراند باليه – صالون داتومني، لمشاهدة لوحة امرأة بالأزرق للفنان الهولندي فان دونغين. فور عودتها إلى المنزل قالت لوالديها: «هو أو لا أحد» وبما أنها كانت شابةً قوية واثقةً من خياراتها فقد قررت الزواج منه سنة 1921 – كما تذكر الكاتبة جوسلين سوفار في كتابها «إيفون وشارل» الصادر عن دار Grasset & Fasquelle أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

إيفون التي ظلت مجهولة حتى عام 1958، والتي ساندت بهدوئها المميز الجنرال خلال السنين العشر التي حكم فيها فرنسا (1959-1969)، كانت صامتةً أمام المجتمع الفرنسي عندما كان ديغول مشهوراً بخطاباته القصيرة، أمضت عشر سنوات إلى جانبه، حاضرةً في الذاكرة الجمعية كسيدة أولى للجمهورية الخامسة، وبقيَتْ امرأة لا تقدِّرُ الأضواء، لكنها لم تفشل أبداً في أداء واجباتها الرسمية، ولم تفقد أبداً ذلك الحضور فقد تكلم صمتها بنبرة أعلى من ذبذبات الكلام. في حقيقة الأمر، لم تشعر إيفون بالسعادة إلا في كولومبي ذات الكنيستين، كولومبي البلدة الواقعة في مقاطعة مانش في النورماندي شمال غرب فرنسا، هناك في تلك البلدة الهادئة استعادت رجل المرحلة الأهم في التاريخ الفرنسي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية. على مدى تلك السنين كانت «العمة إيفون» – كما أحب بعض الفرنسيين تسميتها- تُفضِّل التجوُّل في شوارع باريس، دون أن يتعرّف إليها أحد كانت ترتدي بدلات صغيرة داكنة وقبعات غريبة، ولم يكن لها أي تسجيل صوتي ولا أي مقابلة مع الصحافة، لدرجة أن الفرنسيين تكلموا عن عدم أهلِيّتها لأن تكون السيدة الأولى، وأنها لا تنفع إلا لحياكة الصوف وإعداد الطعام! لم يجذبها قصر الإليزيه على الإطلاق، على الرغم من معرفتها بكل ما كان يدور فيه، بل أحبت بلدة كولومبي وفيها كانت تشعر بقربها الشديد من ابن مدينة ليل الفرنسية والابن الثالث لهنري ديغول أستاذ التاريخ والأدب. ولم تتوقع مدام ديغول بعدها بأنها ستكون شخصيةً عامةً، فبقي ولاؤها مستداماً لكولومبي الهادئة، البعيدة عن ضوضاء وأضواء باريس. فيها قضتْ أجمل أيام حياتها مع زوجها وأطفالها وفيها دفنت ابنتها آن وزوجها ولحقت بهما ودُفِنَتْ هناك بعد وفاتها.

طرائف.. إحصائيات وتجنيد المرأة في الجيش الفرنسي

في لقائهما الأول وعند استراحتهما لتناول الشاي كان شارل ديغول قد سكب كوبه على فستان الشابة إيفون، التي تَقبَّلَتْ ذلك بروح الدعابة واعتبرت أن هذا الحدث سيجلب لها الحظ وأكملت حديثها مبتسمةً. أما حادثة حرقهما لكل الأوراق والمقتنيات الشخصية المتعلقة به وبإيفون قبل وفاته، فقد كانت إشارةً مهمة إلى أنه أراد أن يكون وزوجته مُلكيَّةَ عامةً لفرنسا ولم يُرِد أن تُستَخدَمَ حياته الخاصة لخلطها بحياته العامة، الذي سينعكس سلباً على مسيرته الوطنية، فيحسبه الفرنسيون على اليمين أو اليسار، الشيء الذي أكَّدهُ بمقولته الشهيرة: «إنها ليست اليمين، إنها ليست اليسار، إنها فرنسا».
ولعل أبرز الطرائف عن حياة إيفون فوندرو أيضاً، أنه في بوتي – كلامار وعلى خلفية إعلان شارل ديغول استقلال الجزائر، تعرَّضَتْ مع زوجها لمحاولة اغتيال في الثاني والعشرين من آب/أغسطس سنة 1962 من قبل جان باستيان تيري الضابط المهندس في القوى الجوية الفرنسية، بعد أن فتح نار الرشاش على السيارة «سيتروين دي إس» التي كانت تُقِل الرئيس الفرنسي وزوجته أنها بعد أن نجت سألت الجنرال ديغول: «أتمنى أن تكون الدجاجات بخير» مما أثار حفيظة مرافقي الرئيس معتقدين أنها تقصدهم، في الحقيقة كانت إيفون وضعت الدجاجات في الصندوق الخلفي للسيارة بالفعل وكانت تعني ما تقول! – كتاب «إيفون ديغول» للكاتبة فردريكا نو ديفور- دار فايار 2010.

مع شارل ديغول

بالعودة للحياة الخاصة للزوجين (شارل وإيفون) يمكننا القول إن شخصية الرئيس شارل ديغول هي الحالة الاستثنائية الوحيدة في تاريخ رؤساء فرنسا، التي لم يتبعها لقب الدون جوان، الذي عُرِفَ بمكانته الرفيعة والمميزة بالاستقامة، السؤال الأهم الذي يمكننا طرحه هنا هو كيف لجنرال يقاتل على مختلف الجبهات الداخلية منها والخارجية، ويتمتع بكل هذا الإخلاص لزوجته، لو لم يكن في هذه الزوجة ما يدعوه لأن يحترم غيابها، إنه فعلاً يحترمها كما يفعل الأصدقاء الحقيقيون وربما هذا هو السبب الأهم في إخلاصهما لبعضهما، فقد أظهرت نتائج الاستفتاء الذي قامت به مؤسسة توب سينيرجي المهتمة بعلاقة الرؤساء بزوجاتهم، أن نسبة الحب بين إيفون وشارل ديغول كانت 40% وأن نسبة الصداقة بينهما هي 63% فيما نسبة الشراكة في اتخاذ القرار معدومة، إلا أن الوقائع تشير إلى أن لإيفون تأثير واضح على قرار شارل ديغول، ولاسيما ما ورد في خطابه على موجات الإذاعة البريطانية الأشهر عالمياً BBC في الثاني والعشرين من يونيو عام 1940 بخصوص تجنيد المرأة في الجيش الفرنسي.

موعد للموت في نوفمبر

كانت إيفون مشهورة بمقولتها «الرئاسة وقتية أما العائلة فهي ارتباط دائم»، وكانت تقول إنها لا تخشى شيئاً، وبأنها وزوجها سيموتان معاً دون أن تُدركهما الشيخوخة، لكن هذا لم يحدث حيث توفي شارل ديغول في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1970 على طاولته التي كان يحب أن يمارس عليها شغفه بأوراق اللعب، وكتب على سطحها مذكراته. فيما انتظرت إيفون بعده تسع سنوات في عزلة عن العالم الخارجي، وعندما نُقِلَتْ من عزلتها التي اختارتها بنفسها في بيت صغير للمسنات إلى المستشفى لإجراء جراحة عاجلة، ناشدت خلالها الأطباء مستعطفةً: «أرجوكم دعوني ألحق بالجنرال». وكانت إيفون اختفت عن أعين العالم منذ التاسع من نوفمبر 1970 وكأن حياتها توقفتْ ساعة وفاته رافضةً كل دعوات أبنائها للإقامة معهم الى أن وافتها المنية في «دير راهبات الحبل المقدس» في الساعة الواحدة والنصف من صباح الثامن من نوفمبر أي قبل احتفالها بالذكرى التاسعة لرحيل الجنرال شارل ديغول عام 1979. توفيت وكانت عبارة ديغول «زوجتي الصغيرة الحبيبة» ترن في أذنها، تتذكرها وتكررها لوحدها دائماً.
قصة حياة إيفون فوندرو مرتبطةٌ بشكل لا لبس فيه بـ»أوديستهما»: فرنسا الحرة، لندن، الجزائر، الإليزيه، كولومبي. أما الفكرة الأقل شهرةً هو أن شارل ديغول هو رجل الرحيل الذي غادر المسرح نهائياً، بينما يمكن لإيفون أن تكون «أميرة كليف» القرن العشرين: صقيع في الخارج، نيران في الداخل، دعم لا يتزعزع ضد الرياح وموجات الهجمات، لتنضمُّ قصتهما الشخصية غير المعروفة للكثير، إلى قصة كل يوم ويسكنها حُبٌّ حتى النهاية. السؤال الذي نطرحه على أنفسنا اليوم ما يزال جديداً: مَنْ كان شارل ومَنْ كانت إيفون حقّاً؟ هل كان شارل شخصاً صاحب رؤية، أم عسكرياً وطنياً؟ وهل كانت إيفون بطلةً عشق صامت؟ أم أنها جزءٌ من عالم خاص وجميل شهد عليه بُرْجا كنيستَي كولومبي المتفاوتين في الارتفاع؟ ربما يحتفظ بُرْجا الكنيستين في كولومبي بحق الإجابة وفقاً لاختلاف ارتفاعهما عن الأرض.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية