لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “إيكونوميست” في عددها الأخير، تقريرا عن حملة الأمن المصري ضد موقع “مدى مصر” مشيرة إلى أن القمع يظهر خوف السلطات، ولفتت إلى أن سبب الحملة لها علاقة على ما يبدو بابن الرئيس.
وتحت عنوان “السيسي وابنه” قالت المجلة: “طالما تساءل العاملون بموقع مدى مصر وإن على سبيل المزاح لماذا لم تعتقلهم السلطات؟ فهذه أيام قاتمة للصحافة المصرية، فلا بلد باستثاء الصين وتركيا تعتقل صحافيين مثلها. وسيطرت شركة سندات التي لها علاقة بأجهزة الأمن على الصحف وقنوات التلفزة التي كانت يوما مشهورة. وتسيطر الدولة وحلفاؤها اليوم على معظم وسائل الإعلام. ويملي النظام عناوين الأخبار على المحررين الخانعين”.
وظهر موقع “مدى مصر” في عام 2013 وكان استثناء نادرا، حيث ظل المساحة الأخيرة الكبيرة المتوفرة للصحافة النقدية الحرة في مصر. ورغم حجب الموقع عن القراء والمشاهدين المصريين خلال العامين الماضيين إلا أنهم يستطيعون الحصول على محتوياته من خلال الشبكة الافتراضية الخاصة (في بي إن) أو على فيسبوك. ولم تتحرك السلطات، على ما يبدو، لإغلاقه نظرا لشهرته في الخارج. ويعتبر الموقع الذي ينشر بالعربية والإنكليزية مصدرا مهما للمحللين والصحافيين.
وتشير المجلة إلى مداهمة قوات الأمن في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر قبل الفجر شقة الصحافي في الموقع شادي زلط بالقاهرة. ولم يكن لديها أمر بالقبض عليه. وفي مساء اليوم التالي داهمت قوات الأمن مقر الموقع وصادرت هواتف واعتقلت ثلاثة من المحررين فيه، بمن فيهم رئيسة التحرير لينا عطا الله. وكانت المداهمة خفيفة مقارنة مع المداهمات التي يقوم بها الأمن، حيث تم الإفراج عن الثلاثة خلال ساعات، وترك زلط على جانب شارع سريع.
ولكن المداهمة كانت تحذيرا وتكشف الكثير عن مخاوف النظام. وزعم النائب المصري العام إن الموقع له صلات مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة. وكان هذا تصرفا متوقعا لأن الجماعة تلام على كل شيء في مصر، وهو اتهام مثير للضحك في الوقت نفسه، فمدى مصر لديه ميول يسارية، وانتقد معظم صحافييه الإخوان المسلمين أثناء سنتهم المتعثرة في الحكم.
إلا أن السبب الرئيسي للمداهمة كان مرتبطا على أكثر الاحتمالات بالتقرير الذي نشره الموقع عن محمود السيسي، الابن الأكبر للديكتاتور عبد الفتاح السيسي الذي يدعمه الجيش. فقد صعد محمود سريعا في جهاز المخابرات العامة التي ترسل تقاريرها مباشرة إلى الرئيس. وبحسب موقع “مدى مصر” سيحزم محمود حقائبه قريبا ويسافر بهدوء للعمل في سفارة مصر بموسكو.
وتشير المجلة إلى تنافس أجهزة الأمن المتعددة في مصر على التأثير، فقد استخدم الرئيس السابق جمال عبد الناصر المخابرات العامة للتجسس على منافسيه في الجيش. وحاول نجل السيسي أن يملأ الجهاز بالموالين له، حيث تم اختيار عدد منهم من المخابرات العسكرية التي قضى سنوات يعمل فيها، وهو ما أثار قلق الضباط العاملين في المخابرات العامة منذ وقت طويل، بالإضافة للدور البارز الذي بات محمود يلعبه داخل الجهاز.
ولم يحظ أداء محمود بإعجاب الكثير من المعلقين والمراقبين كما جاء في تقرير “مدى مصر”، فواحد من أدواره هو مراقبة وتنظيم عمل الإعلام، ولم ينل الدور الذي قام به إعجاب والده. وهو الذي انتقد الإعلام على عدم إظهاره الدعم الكافي له.
وكانت القشة التي قصمت ظهر محمود هي الطريقة التي تعامل فيها مع التظاهرات المفاجئة في أيلول/ سبتمبر، وهي الاحتجاجات التي جاءت استجابة لدعوات رجل الأعمال والممثل محمد علي الذي زعم أن لديه تفاصيل عن فساد في مشاريع أشرف عليها ضباط الجيش.
وكانت التظاهرات صغيرة واختفت بعد اسبوع، ولم تمثل أي خطر على النظام الذي رد عليها بشراسة، واعتقل أكثر من 4 آلاف شخص، وهو رقم ربما زاد عن عدد المتظاهرين الحقيقي.
وقامت الشرطة ولأسابيع بإجبار المارّة على فتح هواتفهم لفحص حساباتهم على مواقع التواصل وإن كان فيها مواد تحريضية. ومنحت حملة الاعتقالات شهرة للتظاهرات التي كانت متواضعة.
ويحاول النظام قمع أي شكل من أشكال المعارضة، حيث اعتقلت السلطات الناشط القبطي رامي كامل الذي وثق الهجمات ضد الأقباط، والتي لا يتم معاقبة مرتكبيها. فيما يجد اقتصاديون أنفسهم في مراكز التحقيق نظرا لمساءلتهم الرواية الرسمية عن النمو الاقتصادي في البلاد.
ورتبت الحكومة في هذا الشهر زيارة إلى معتقل تورا بورا الشهير بممارسات التعذيب. وتحدث المعتقلون عن الطعام الجيد الذي يقدم لهم. ولكن محمود لم يذهب، فتعيينه في مهمة جديدة هي محاولة لتبريد الأجواء وليست منفى دائما. فروسيا ليست حديقة خلفية، ولكن نقله هو تنازل نادر من نظام يكره الاعتراف بالفشل.
ويقول عبد الفتاح السيسي إن البلاد تحتاج إلى يد مستقرة بعد سنوات من الفوضى السياسية ولكنه متناقض مع الواقع. فهو يكرر أخطاء سابقيه من التركيز على الاقتصاد الذي تتحكم به الدولة إلى تفضيل أبنائه. ودفاعه المستمر أمام النقد الشرعي والنادر، دائما ما يكون مبتذلا.