الاستهلال في القصة هو مطلعها، افتتاحيتها، بدايتها، بوابتها، عتبتها الثانية بعد العنوان، وهو جزء من بنيتها الفنية، ويشكل الانطباع الأول عنها، وغالبًا يحدد مصيرها عند القارئ؛ فإما أن يكملها إن نجح الاستهلال في إثارته وتشويقه، أو يغض الطرف عنها، ويزيحها جانبًا، إذا كان المطلع عاديًا باهتًا مملًا. وهو ما يعرف أيضًا بـ«حسن الابتداء» و«براعة الاستهلال» وغيرها من المصطلحات الدالة على بداية القصة أو الرواية أو القصيدة.
استمالة القارئ
والقاص المبدع يحرص على أن يكون استهلاله جذابًا، مميزًا، لافتًا، غامضًا، لينجح في استمالة القارئ، والاستهلال البارع أشبه بفخ أو طُعم يعده الكاتب للقارئ، لفتح شهيته للقراءة والمتابعة، ويجب بالضرورة أن يكون جزءًا عضويًا من النص، لا غريبًا أو مستقلًا عنه. ولكن كثيرًا من كتاب القصة يقعون في مطب الاستهلال؛ فلا يولونه الأهمية الكافية، وربما لا يدركون تأثيره، فتأتي بدايات قصصهم باهتة، لكأنها تقول للقارئ «دعني»! تتميز معظم قصص مجموعة «فالس الغراب» للقاص الأردني يوسف ضمرة، باستهلال بارع وجذاب ومثير للتساؤل، وبعضها يكتنفه الغموض أشبه بلغز، يجد القارئ حله أو كشفه في متن القصة. وتتناول هذه المقالة نماذج من هذه الاستهلالات.
تفتتح القصة الأولى «راعي بقر أحمر» بهذه الفقرة: «الرجل الذي يعتمر قبعة رعاة بقر حمراء، ويجلس خلف النافذة، يقرأ في كتاب منذ الصباح، ويشرب قهوته التي لا تنتهي، ويشعل سجائره واحدة من الأخرى، ظل كذلك حتى أوشكت الشمس على المغيب». فعنصر التشويق واضح، يدفع القارئ للتساؤل: قبعة رعاة بقر حمراء؟ يقرأ منذ الصباح إلى المغيب؟ يشرب قهوة لا تنتهي؟ يدخن بدون توقف؟ يجلس في المكان نفسه منذ الصباح إلى المغيب؟ ما يدفع القارئ لأن يتابع القراءة حتى النهاية.
أسئلة مثيرة
تستهل قصة «الفراشات» بهذه الجملة: «تستيقظ المرأة الوحيدة عند منتصف الليل؛ يحدث هذا كل ليلة منذ وفاة زوجها المفاجئ». فلماذا تستيقظ المرأة منتصف الليل، وكل ليلة، وبعد وفاة زوجها المفاجئ؟ أسئلة مثيرة، تتبدد عند قراءة القصة.
الأصل المعمول به، نزع كل شيء صناعي إن أمكن من جسد الميت قبل دفنه، مثل الساق واليد وطقم الأسنان وغيرها، ولكن أن يحدث العكس في قصة «ساق خشبية» باستهلالها المثير: «لا أعرف لماذا أصرت زوجته أن تدفن ساقه الخشبية وهي مربوطة بإحكام في ركبته وفخذه!» فإصرار الزوجة على دفن زوجها بساقه الخشبية أمر غريب، وفي متن القصة يزول الغموض. لا بد أن يصاب قارئ قصة «تلك هي الحرب» بدهشة وهو يقرأ مطلعها: «ليس مألوفًا أو حتى متوقعًا أن تكون الأقدام الخشبية في الشارع أكثر من الأقدام البشرية». ومع أن عنوان القصة قد يخفف من وقع الدهشة والاستغراب، لكن سيبقى الأمر مثيرًا، فمهما كانت الحرب شرسة، فلا يمكن أن تصبح الأقدام الخشبية أكثر من الأقدام البشرية. تبدأ قصة «ستينيون» بسؤال: «في ماذا كان يفكر الرجل الستيني حين داهمته العاصفة الثلجية؟» وهو سؤال محفز للتفكير، وربما استحضار بعض الإجابات قبل إكمال القصة، وتختلف الإجابات المسبقة ـ بالضرورة – حسب سن القارئ وتجاربه الحياتية. «كان يغني «يم العباية، حلوة عباتك» وكنت أستوحش من صوته، لكن الآخرين يصفقون ويهللون». استهلال قصة «أغنية وضريح» بمشهد حي يثير التساؤل: من كان يغني؟ ولم؟ ولم استوحش الراوي بينما يصفق الآخرون؟ مشهد جذاب بالتأكيد، يدفع القارئ للمتابعة لمعرفة تفاصيل الحكاية. لا بد أن يستغرب قارئ قصة «سرقة» عندما يقرأ مطلعها: «فكرت مرارًا في السرقة»؛ لأنه يدرك أن الذي يفكر ليس لصًا، ولكنه يفكر بالسرقة لأسباب أخرى، سيتبينها القارئ في ثنايا القصة. ومثلها قصة «من هو هذا الرجل؟» التي مطلعها: «أفكر في القتل؛ قتل رجل ما لا أعرفه، لكنه يستحق القتل، بوحشية». فلم يفكر بالقتل؟ وقتل رجل لا يعرفه؟ والقتل بوحشية؟ ما دوافعه؟ وما الذي أخرجه عن طوره ليفكر مثل هذا التفكير المرعب؟ حديث المقابر يثير الخوف والرهبة، وقد يشعر القارئ بالرعب وهو يقرأ استهلال قصة «بطاريق ليلية»، فثمة جثث بيضاء تخرج تشبه طيور البطريق: «كثيرًا ما سمعت أصواتًا تخرج من المقبرة وأنا عائد إلى منزلي في الليل، وقد رأيت أكثر من مرة جثثًا بيضاء تنتصب واقفة على شواهد القبور مثل طيور البطريق». وهذا المطلع يثير القارئ لكشف هذا الغموض وتبيان حقيقة الأمر.
تبدأ قصة «جدار خلفي» بهذه الفقرة: «لو توقفت تلك المرأة حين أشرت إليها على الرصيف، ربما تغيرت الحياة»، وهي بداية مثيرة جدًا: فأي حياة تتغير لو استجابت المرأة التي أشار إليها؟ ألهذه الدرجة كانت إشارته مفصلية؟
إذا كان الراوي يستغرب في قصة «جثة شجرة»، فالقارئ سيكون أشد غرابة وهو يقرأ: «استغربت أن تكون للشجرة هيئتان، واحدة ليلية والثانية في النهار». ولا بد أن يقرأ النص إن أراد أن يزول استغرابه، ويعرف كيف يكون للشجرة هيئتان مختلفتان.
تبدأ قصة «جدار خلفي» بهذه الفقرة: «لو توقفت تلك المرأة حين أشرت إليها على الرصيف، ربما تغيرت الحياة»، وهي بداية مثيرة جدًا: فأي حياة تتغير لو استجابت المرأة التي أشار إليها؟ ألهذه الدرجة كانت إشارته مفصلية؟ ربما يضحك القارئ وهو يقرأ مطلع قصة «مخرج آمن» على ستيني يفكر أن يبدأ من جديد: «أفكر أحيانًا في البدء من جديد. يا لي من أحمق متهور! من جديد وأنا في أواخر الستينيات؟»؛ فرجل فاته القطار، لا جديد له، وما بقي له أقل كثيرًا مما مضى، فأي جديد ينتظر؟ يستغرب القارئ في قصة «عصا متأهبة» وهو يقرأ بدايتها: «حين رأيت المشهد، أصيب جسدي بارتجاج مفاجئ»؛ فرؤية مشهد مؤلم أو مخيف، قد تسبب الحزن والأسى والقشعريرة والخوف، ولكن أي مشهد يمكن أن يسبب ارتجاج الجسد المفاجئ؟ في قصة «ما يستحق الخوف» استهلال على شكل سؤال: «أنت هو، ذلك الشاب الذي كان طائشًا إلى حد ما. هل يعقل أن تصبح هكذا؟»، ما يحيل القارئ إلى أسئلة بالضرورة: كيف أصبح هذا الشاب؟ وما التحول الكبير الذي طرأ له حتى يستحق هذا السؤال الاستنكاري؟ وما حدود الطيش الذي كان عليه الشاب (إلى حد ما)؟
تبدأ قصة «سيدة الساحة» بمشهد يتكرر كل مساء: «السيدة التي تأتي مساء إلى ساحة باريس، تدور حولها ببطء، ثم تعبرها من طرف إلى آخر». والمراقب اليومي يتساءل: هل تأتي السيدة كل مساء بحكم العادة والروتين، أم ثمة حكاية وراء هذا الحضور؟ ولم هذه الحركة الدائرية ثم العبور؟ وسؤال لا بد منه: ما حكاية الراوي الذي يراقب هذه السيدة ويتواجد في المكان ذاته كل مساء؟
وبعد؛ فإن مجموعة «فالس الغراب» عمّان ـ الآن ناشرون وموزعون، 2020، 150 صفحة، 33 قصة، هي آخر إصدارات القاص الأردني يوسف ضمرة، الذي عمل في الصحافة، ومعدًّا لعدد من البرامج الثقافية للإذاعة. نال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة 1993، وجائزة الدولة التشجيعية في مجال القصة القصيرة 1995. أصدر عدة مجموعات قصصية هي: «العرَبات، نجمة والأشجار، المكاتيب لا تصل أمي، اليوم الثالث في الغياب، ذلك المساء، مدارات لكوكب وحيد، عنقود حامض، أشجار دائمة العري، طريق الحرير، مراوغون قساة». وأصدر مجموعة قصصية للأطفال بعنوان «مذكرات قطّة»، ورواية «سُحُب الفوضى»، وصدرت «الأعمال الكاملة، 2005». بالإضافة إلى نحو مئة تمثيلية إذاعية مقتبسة عن أعمال عربية وعالمية مشهورة.
كاتب أردني