الأسئلة التي تُطرح للوهلة الأولى هذه الأيام: أين يقف النخبة من الفنانين والأدباء والمثقفين في هذه المحنة التي أشاعت قلقا رهيبا في داخل الإنسان، هل سيكون خيارهم الانزواء في بيوتهم مثل ملايين البشر، من غير أن يمارسوا دورهم، باعتبارهم يمثلون في حضورهم حساسية عالية إزاء الأحداث التي تحيط بهم؟ أليس من المجدي الحديث عن أهميتهم في صميم هذا البلاء؟ والفنون الإبداعية دائما ما كانت تعبر عن قوة فاعليتها في الأزمنة التي تشهد تحديات وجودية، ولا شك هناك تباينات واضحة، في ردود الأفعال على المستوى الفردي، ازاء الحدث بين عناصر هذه النخبة. والحديث عن تداعيات جائحة كورونا على الحياة، يتشعب كثيرا إذا ما حاولنا أن نتقصاه، بعد أن بدت آثارها السلبية في جميع أوجه النشاط الإنساني، وبات بحكم الأمر المنتهي، أن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه مِن بعد ان يتم السيطرة على الفيروس، مع اقرارنا بأن ما من معلومة مؤكدة تشير إلى اقتراب موعد القضاء عليه، وربما ستطول فترة الحرية التي يتمتع بها وهو يصول ويجول في بقاع الأرض، خاصة وأن الأسباب التي تقف خلف ظهوره وانتشاره ما زالت مثار جدل واتهامات متبادلة بين أمريكا والغرب من جهة والصين من الجهة الأخرى.
الأدب والشعر في الأمس القريب
ما يعنينا بهذا الموضوع، آثاره التي انعكست على الأنشطة الثقافية والفنية في العراق، فقبل هذا الحدث كانت هناك فعاليات مختلفة ومتنوعة لم تكن تقتصر على العاصمة العراقية بغداد بل معظم المحافظات العراقية، إلاّ انها توقفت نهائيا، فلم تعد تشهد المسارح ولا الصالات عروضا مسرحية وندوات وأماسي شعرية، وألغيت جميع المعارض التي تحتفي بالكتاب، مثل معرض بغداد وأربيل والموصل.
كثيرة جداهي العناوين الفنية والثفافية التي أمست بحكم الذكريات وكأنها تعود إلى أيام بعيدة لم يعد بالإمكان تعود لتمكث بيننا، وكلما حاولنا ان نستعيد تفاصيلها بما تحمله من أصوات وألوان وأضواء وكلمات نشعر بالحسرة، وإذا ما أردنا استعراضها لن يسعفنا المكان لاحتوائها، ويكفي فقط الإشارة إلى أن اتحاد الأدباء كان يقيم أمسيات بعدد أيام الأسبوع، وكل يوم مخصص لحقل أدبي ينضوي تحت عنوان رابطة أو ملتقى يشير إليه، فالأيام تكتسب اسماءها منها، مثلا يوم السبت من كل أسبوع مخصص لنادي السرد، حيث يستضيف قاصا أو روائيا ليقدم شهادة عن تجربته في الكتابة، ويوم الأحد يحتفي منتدى نازك الملائكة بواحدة من الشاعرات لتعيد على أسماع الحاضرين نماذج من نصوصها الشعرية، ويوم الأثنين يفتح نادي الشعر أبوابه أمام تجربة شعرية لتنساب على المتلقين خيالات واستعارات تفرد بها عن تجارب أخرى، ويوم الثلاثاء ينصت جمهور ملتقى الإذاعيين والتلفزيونيين إلى واحد من الأسماء التي كونت حضورها في المشهد الفني، وهكذا تستمر هذه الدورة على بقية العناوين التي تتفرع من اتحاد الأدباء. وإذا ما أجرينا عملية إحصاء سريعة سنجد ما يزيد على 300 نشاط ثقافي في العام الواحد يشهده مبنى اتحاد أدباء العراق، وبسبب كورونا كلها توقفت هذا بالإضافة إلى ما اعتادت على إقامته أندية عريقة مثل نادي العلويّة وعديد الصالونات والمجالس الثقافية المعروفة بأسماء أصحابها الذين ينتمون إلى عوائل معروفة في بغداد، ويزيد عددها على العشرة، تمثل جزءا حيويا من المحتوى الاجتماعي للثقافة العراقية، وفيها يلتقي مثقفون وأكاديميون ورجال أعمال وساسة ورجال دين وفي أجوائها تتحقق حوارات مهمة في الفكر والفلسفة والفولكلور والتراث بعيدا عن أي أجندات لا صلة لها بالشأن الثقافي، وأبرزها: مجلس الفقه، ومجلس الشهرستاني، ومجلس المخزومي، وصالون عشاق بغداد، ومجلس قنبر علي، ومجلس الصفار.
التشكيليون
أما جمعية الفنانين التشكليين العراقيين التي تأسست عام 1956 فقد توقف نشاطها الذي كانت لسنين طويلة تعتمده في برنامجها الثابت الذي يتوزع على أشهر السنة الواحدة، ولم تعد تشهد قاعة الجمعية في مدينة المنصور معرضها السنوي الذي يشارك فيه فنانون عراقيون من جميع الأجيال ومن المدن العراقية كافة، ومن خلاله يتمكن النقاد ومتابعو الفن التشكيلي من الاطلاع على أبرز تمظهرات الفنون التشكيلية، من رسم ونحت وسيراميك وخط ، إضافة إلى المعرض السنوي الذي تقيمه احتفاء بالأعمال التي تحاكي الطبيعة بأساليب مختلفة، هذا إلى جانب المعارض الشخصية التي ترعاها الجمعية في صالتها، إلى جانب رعايتها لمعارض أخرى تقام في غاليرهات تعود لأشخاص ومؤسسات ثقافية، مثل مؤسسة حوار التي يديرها الرسام قاسم سبتي في منطقة الوزيرية المجاورة لمبنى كلية الفنون الجميلة في العاصمة بغداد، وقد استوعبت هذه المؤسسة أحلام الفنانين التشكيليين في أصعب السنين التي مرت على بغداد خاصة في فترة تسعينيات القرن الماضي التي شهدت فرض حصار دولي على العراق، فكانت الملاذ الذي أعاد ضبط إيقاع العمل التشكيلي بفضل حيوية الفنان سبتي وعلاقاته الاجتماعية الواسعة مع الفنانين داخل وخارج العراق، وحتى بعد سقوط بغداد عام 2003 لم يكن ممكنا في الأشهر والسنوات الأولى لهذا الحدث أن تكون الصورة واضحة للفنانين بعد إحداث الفوضى والعنف التي شهدتها البلاد، فكانت قاعات وحدائق قاعة حوار نقطة ارتكاز الفنانين لتنظيم أفكارهم والتخطيط لمشاريعهم.
المسرحيون
أما المسرح في العراق فقد تلقى فنانوه نصيبهم من آثار حظر التجوال والحجر، بعد أن كانوا في حالة عمل مستمر منذ خمسينيات القرن الماضي لتقديم عروض ذات أبعاد جمالية تنهل من أساليب المسرح الحديث تتوزع ما بين عروض الفرقة الوطنية التابعة لوزارة الثقافة، وعروض كليات ومعهد الفنون الجميلة، إضافة إلى الفرقة الأهلية التي تقدم عروضا مسرحية ذات طابع كوميدي شعبي. وأي متابع للنشاط الفني في العراق سيجد أن المسرح في العراق كان يمثل حكاية معبأة بسرديّة تحمل مضامين وأشكال أنتجها فنانون كانوا على درجة مهمة من الخبرة والتطلع إلى إحداث خطاب فني جديد يتجاور مع كل ما هو جديد في عواصم العالم المتقدمة مسرحيا، وتناوبت أجيال من المسرحيين خاصة في حقل الإخراج على تطوير وتحديث لغة العرض المسرحي، وصولا إلى الأجيال الشابة التي ظهرت بعد العام 2003 وحققت نتائج طيبة في المهرجانات الإقليمية. كل هذه المظاهر المسرحية في العاصمة وفي مدن عراقية أخرى توقفت أيضا.
مواجهة العزلة
للمخيلة ان تسرح بعيدا وتلملم تفاصيل الصورة بعد غياب حرارة الأنفاس والمشاعر التي كانت تنبعث من الفنانين والشعراء والأدباء وهم ينسجون حكاياتهم على المسارح والمنصات والقاعات، وبلا شك فإن الصورة أمست موحشة، ولا تعبر عن الجوهر الإنساني للفنان في سعيه الدائم إلى إدامة التفاعل والتواصل مع الحياة وإثراء محتواها بقيم ودلالات جديدة، ومن الصعب على العاملين في حقول الفكر والمعرفة والثقافة والفنون أن ينطووا على أنفسهم خضوعا للمؤثرات الخارجية مهما كانت قاهرة، وغالبا ما كان دورهم يتجلى بفاعلية أكبر وأعمق في مثل هذه اللحظات التي تتهدد فيها الحياة الإنسانية، فيبتكرون أشكالا ومقاربات جديدة لإنبات الأمل، من هذه الزاوية سنصل إلى تفسير حرص الفنانين على إقامة ندوات وأمسيات ثقافية وأدبية ومعارض افتراضية، اضطلع بإقامتها أفراد وجماعات ومنظمات واتحادات ومؤسسات أكاديمية استعانوا جميعا بمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت، فكانت بديلا مؤقتا لمواجهة العزلة القاتلة التي فرضها فيروس كورونا، وتطورت بعض هذه الأنشطة إلى الحد الذي بدأ القائمون عليها في تنظيم مهرجانات وعروض ومسابقات فنية جماعية.
الموصل
في مقدمة من أقدم على خطوة اقتحام العالم الافتراضي بديلا عن العالم الواقعي جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في مدينة الموصل، عندما أعلنت عبر رئيسها الرسام د. خليف محمود عن إقامة أول معرض افتراضي للرسم تحت عنوان “خليك بالبيت احنا نجيك” بتاريخ 13 اذار(نيسان) 2020 شارك فيه 53 تشكيليا يعملون في ميدان الرسم والنحت والفخار، وكان الهدف من هذا المعرض حسب ما تحدث لنا الفنان خليف رئيس الجمعية الذهاب باتجاه حث الناس للمكوث في بيوتهم لمواجهة كورونا، سيما وان مدينة الموصل تفتقر إلى أبسط المؤسسات الصحية، فضلا عن إتاحة نافذة جديدة في هذه العتمة لكي يتواصل الفن مع المتلقين رغم الظروف الصعبة. وأضاف خليف أن الجمعية “وبعد نجاح فكرة المعرض أقمنا معرضا آخر للفنانين التشكيليين الشباب”.
اتحاد الأدباء والكتاب
من جانب آخر انطلق اتحاد الأدباء العراقيين في بغداد وعدد من فروعه في المحافظات أيضا إلى إيجاد بديل افتراضي باعتباره خيارا متاحا وربما الأفضل والأوسع أفقا لاختراق العزلة التي عزلت النشاط الثقافي عن محيطه الاجتماعي، فابتدأت الأمانة العامة للشؤون الثقافية في اتحاد الأدباء سلسلة من الجلسات والأمسيات التفاعلية حل فيها ضيوفا أسماء فاعلة في الأدب والثقافة العراقية ومن أبرز الشعراء المشاركين: شلال عنوز، موفق السواد، محمد ناظم، عبد الرزاق الربيعي، عزاوي الجميلي، رسمية محيبس زاير، حماد الشايع، كما ساهم عدد من النقاد أيضا منهم: د. عمار ياسر، د. اياد الحمداني، والروائي باسم القطراني، هذا إضافة إلى أسماء أخرى. وكان اتحاد الأدباء في مدينة الموصل قد افتتح هذا المنحى التقني على الفضاء الثقافي، وبدأ منذ الأسبوع الثاني للحجر بإقامة أمسيات وحوارات مباشرة مع شعراء عراقيين وعرب استضافهم عبر منصته الافتراضية، ومن الشعراء المشاركين: عبود الجابري/العراق، مطلق العتيبي /السعودية، عبير سليمان/سوريا وحسن عامر/السعودية.
مؤتمرات أكاديمية تفاعلية
وبما أن المؤسسات التعليمية بكافة مراحلها الدراسية في مقدمة الفضاءات العلمية التي تضررت من إجراءات الحجر لذا وجدت دورها يتعطل وسيصاب بالشلل إذا ما خضعت كليا لتداعيات هذه الأزمة الخطيرة التي اجتاحت جميع منظومتها التعليمية، وفي ما يتعلق بكليات الفنون الجميلة والآداب فقد شهدت عقد مؤتمرات تفاعلية، لعل أبرزها ما أقامته كلية الفنون في محافظة واسط، وقد شارك فيها 330 استاذا جامعيا وباحثا من مختلف دول العالم، من ضمنهم: د. امل ناصر/مصر، د. فاخر محمد/ العراق، د. سوامينثيان سيثو/الهند، د.بيتر ستورمان/بريطانيا، د. جواد عبد الكاظم الزيدي/العراق، د. بول كيم/أمريكا، د. محمد مهدي القصاص/مصر، د. رافي صباح نجم الدين/العراق، د. اسكندر فليبو/بيلا روسيا، د. احمد عبدالله/أمريكا.
ومن البحوث المهمة التي عرضت في المؤتمر ما قدمته الفنانة التشكيلية المصرية د. امل ناصر، جاء في مقدمته: “لم يتبق لي سوى الرسم، ذلك ما أجيد فعله وبإرادة اختبرتها في ذاتي مرات عدة، جمعت جميع أنواع أقلام الحبر الأسود وجلست في ركني بالمنزل والصوت المصاحب لي هو صوت النشرات الإخبارية وتقارير كورونا”.
مصورو الفوتوغراف
في مدينة الموصل وجدت الجمعية العراقية للتصوير نفسها بسبب كورونا في حالة عطالة قسرية، بعد أن كانت خلال الأعوام التي أعقبت تحرير مدينتهم من سلطة تنظيم “داعش” قد اجتازت عزلة تامة كان قد فرضها عليها أثناء احتلاله لها، فمدَّت خيوط تواصل مع العالم الخارجي، وتمكن أعضاؤها من أن ينقلوا بصورهم أفكارا وتفاصيل مهمة أثناء وبعد الحرب التي شنت لتحريرها من “داعش” فما كان منهم اليوم إلاَ ان يقيموا معرضا افتراضيا تحت عنوان “أمنيات في زمن كورونا” شارك فيه مصورون من جميع مدن العراق تجاوز عددهم 120 ومعظم اللقطات تشير إلى حالة من الشجن إزاء تفاصيل متنوعة من الحياة رصد فيها المصورون وجوها إنسانية ترك الزمن عليها آثار قصصهم، إضافة إلى مشاهد أبطالها شباب ونساء وأطفال، وهم يواجهون قسوة الظروف، منهم من يبدو مبتسما وغير مبال، ومنهم يكافح حتى يصل إلى أحلامه، وبينهم من يقف عند عتبة الانتظار لعل الأمل قد يأتي.