اتحاد كتاب المغرب: إلى أين؟

بتنحي الرئيس السابق لاتحاد كتاب المغرب عبد الرحيم العلام؛ تدخل هذه المؤسسة منعطفا جديدا يستلزم الإسهام الفعال والحقيقي، من خلال المشاركة الفعلية في طرح كل القضايا المرتبطة بصرح ثقافي لا يستهان به، رغم اختلافي مع الكثير من المثقفين، نظرا لما لعبه من أدوار جيدة وجادّة في مسار الثقافة المغربية، وكان فضاء للحوار والجدال، الاختلاف والخلاف، ومنبرا حرّا للمثقف المغـــــربي، وللطروحات القيّمة والنقاشات الجادة في سبيل خلـــق مجتمع مغربي سكته العقلانية ومقصده ومرماه بناء حضارة تنتمي للإنسانية، بل إن الاتحاد، في عمقه، كان – في ما سبق من عقود- البيت الذي احتضن كل الحساسيات الثقافية برحابة صدر وأريحية لا ينكرها إلا جاحد ومنكر للجميل، ذلك أن هذا الإطار المدني مثّل ومازال يمثّل طليعة المجتمع- رغم المطبّات والاختلالات التي اعترت سيرورته وصيرورته في ما أتى من محطات في الزمان والمكان – يؤدي أدواره المنوطة به، وهي إشاعة ثقافة التفكير بدل ثقافة التكفير والإقصاء، بل إن أدبياته وأنشطته وبرامجه الثقافية تثبت بما لا يدع المجال للشك والريبة، ولعل عودة متعقلة ورزينة إلى أرشيف الاتحاد والجرائد الوطنية تؤكد بالملموس ما نقوله.

لابد من تحميل المسؤولية كذلك للمكتب التنفيذي الذي لم يحرّك ساكنا في ما يعرفه الاتحاد من أعطاب واختلالات، الأمر الذي زاد من تكريس واقع الوضعية المزرية.

وفي هذا السياق فأنا لا أدافع عن الاتحاد ولا أنتمي إليه، ولكنني كمواطن مغربي من حقي الإدلاء بدلوي حول هذه المؤسسة العتيدة، التي تشكل الرأسمال الرمزي للمجتمع ككل، ونشير إلى أن اتحاد كتاب المغرب شهد مرحلة فتور وتراجع، بل ارتكاسة حقيقية، بفعل عوامل مختلفة وأسباب عديدة؛ كانت وراء تأزيمه، وجعله مجالا للحروب والدسائس، وتحويله إلى ملكية خاصة تلزم الرئيس السابق ومن يدور في فلكه من مريديه وأتباعه، وهذه حقيقة لا غبار عليها، وقد وقع للرئيس ما فعله هو في حق عبد الحميد عقار، الرئيس الذي أزاحه هو ومن معه، وهنا ينطبق المثل المعروف أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وهنا لا أتحامل على عبد الرحيم العلام، وإنما أنقل ما كان يروج وما يقع في واقع المؤسسة، ومن خلال تصريحات أعضاء في الاتحاد، التي تسير في الاتجاه نفسه حول الاستفراد في التسيير والتدبير، بل في عهده لم يعد الاتحاد يشتغل بالوتيرة نفسها المعهودة فيه، وإنما تسرّب إلى المنظمة الخفوت، ولم يعد له دور يذكر سوى التخصص في تدبيج التعازي، والتراجع في تفعيل الحياة الثقافية في المغرب، كما غاب عن الساحة الاجتماعية والسياسة التي من المفروض عليه الانخراط في قضايا المجتمع المغربي نقاشا وتداولا، والإسهام في سيرورة الحياة الثقافية. ليكون مصير الاتحاد الموت السريري؛ إذ ظل على هذه الحال طيلة خمس سنوات من رئاسة عبد الرحيم العلام، حيث الجمود والغياب كان العنوان البارز لمرحلته.
وهنا لابد من تحميل المسؤولية كذلك للمكتب التنفيذي الذي لم يحرّك ساكنا في ما يعرفه الاتحاد من أعطاب واختلالات، الأمر الذي زاد من تكريس واقع الوضعية المزرية، وكذلك العتاب الأخوي لكل عضو من أعضاء الاتحاد الذين نأوا بأنفسهم عن مّا يجري داخل الاتحاد من تكالبات وتحالفات زادت من إشعال فتيل الأزمة التي تمّ تذويتها وشخصنتها، ما عقّد الوضع التنظيمي والتسييري – وهذا لا يعدم وجود أصوات جهرت برأيها علنا في هذا السياق – فهذا الصمت واللامبالاة من الجميع كان كافيا في تأزيم أوضاع الاتحاد. ومن خلال متابعتنا نشير إلى أن من بين الأسباب سيادة النزعة الذاتية الضيقة، وتغليب المصلحة الشخصية عند البعض من المتصارعين؛ في سياق صراع الأجنحة داخل الاتحاد، بين المعارضين والمؤيدين، رغم أن الاختلاف في الإطارات المدنية دليل حيوية ودينامية، لكن يبدو أنها حجة على الانشطار والتمزق، التنافر والتباعد، الصراع بدل التدافع، الالتباس والمكائد بدل الوضوح والشفافية، إضافة إلى ما يروّج له من الخلاف حول اقتسام الغنائم والسفريات والمشاركات من لدن الكثير من المنخرطين.

فالمثقف المغربي – اليوم- في حاجة ماسة إلى اتحاد قوي مختلف ومتطوّر من حيث الرؤى والتصورات، وفق ما تمليه اللحظة والظرفية التاريخية والحضارية التي يمرّ منها المغرب والعالم العربي.

إن هذا التوصيف للاتحاد ليس الغاية منه التشفي من أحد أو تصفية حسابات، وإنما هو دعوة من مواطن مغربي يعتقد نفسه فاعلا ثقافيا، غيرته منصبّة على هذه المؤسسة كي تستعيد دورها الثقافي ومهماتها التنويرية وتقود المجتمع إلى مصاف مجتمعات المعرفة والإبداع، وتكون تجسيدا حقيقيا للممارسة الديمقراطية، ومجالا للتعبير عن الرأي بكل حرية وجرأة، وبوابة لإشاعة ثقافة الاختلاف والاعتراف. فالمثقف المغربي – اليوم- في حاجة ماسة إلى اتحاد قوي مختلف ومتطوّر من حيث الرؤى والتصورات، وفق ما تمليه اللحظة والظرفية التاريخية والحضارية التي يمرّ منها المغرب والعالم العربي والإنساني بأسره، حيث حالة كساد وبوار على جميع الأصعد،. وهيمنة الفوضى واللامعنى، بل على الاتحاد، في هذا المفصل التاريخي، الإسراع إلى عقد المؤتمر الذي تعثر في طنجة بسبب ما ذكرنا سالفا، بالانكباب على قانون داخلي جديد يحدد مهام الرئيس وفترة تحمل المسؤولية في الاتحاد، وطرح مشروع ثقافي يستجيب لتطلعات المثقف المغربي، خاصة والمجتمع المغربي عامة، والدعوة إلى الانخراط الفعلي في الممارسة الثقافية ذات الجوهر الإنساني والمستمدة وجودها من تاريخ وحضارة المغرب، بكل تجلياته الجغرافية مبتعدين كل البعد عن الشوفينية المرضية، والنظرة الضيقة للعمل الثقافي.
إن اتحاد كتاب المغرب، ينبغي أن لا نسقط عليه تصوراتنا الحاضرة؛ وإنما الانطلاق من اعتباره موروثا للكتاب المغاربة والمثقفين والمفكرين والفنانين، وبالتالي العمل بشكل جدي ومعقول بدون حسابات سياسوية، وبدون عقليات الغنائم، بل بحس نقدي يثوّر الفعل الثقافي بالوطن؛ ويعمّق السؤال الثقافي بما يخدم الثقافة والفكر، ذلك أن السقوط في شرَك الصراعات الشخصية والحسابات الضيّقة لن يسهم في إخراج الاتحاد من عنق الزجاجة، بقدر ما يزيد الطين بلّة، ونقول السلام على منظمتنا وأداء صلاة الجنازة عليها، وإذا ظللنا متشبثين بأوهام الكراسي والسلطة العمياء، فحتما سنكرّس الوضع نفسه الذي تعيشه الأحزاب السياسية من تحوّلها إلى دكاكين انتخابية غايتها الصراع حول الحقائب الوزارية، تاركين مستقبل المجتمع المغربي في مهب الريح، وعليه فلا نسعى من وراء هذه الكلمة سوى تحقيق اللحمة بين المثقفين المغاربة، وتجسير أواصر المحبة، والاشتغال بروح وطنية مفعمة بالتضحيات، لا الرغبة في مكاسب آنية، ولكن من أجل الاتحاد حتى يستعيد عافيته ودوره الذي ناضل من أجله رجالات الثقافة والفكر السابقين. وعليه فلابد من العمل على المستوى الآني على:
– اجتماع طارئ لكل من اللجنة التي تمّ تكليفها بالإعداد لعقد المؤتمر المؤجل مع أعضاء المكتب التنفيذي رغم انتهاء صلاحيته القانون.
– تطعيم اللجنة من أعضاء نزيهين وجادّين لتحديد موعد المؤتمر الاستثنائي.
– العمل على اقتراح تعديلات على القانون الأساسي للاتحاد بخصوص التحديد الدقيق لمدة الرئيس وأعضاء المكتب التنفيذي.
– وضع مقترح المشروع الثقافي للاتحاد أولي قابل للتعديل انسجاما مع التحولات الاجتماعية والسياسية، دعوة كل أعضاء الاتحاد بدون استثناء لحضور المؤتمر .
– التفكير في آليات جديدة للعمل الثقافي وفق ما يجري من إبدالات على مستوى الواقع.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية