اتفاقية وادي عربة أضعفت الموقف الفلسطيني

محمد أحمد
حجم الخط
0

أدت اتفاقية “وادي عربة” بين الأردن وإسرائيل إلى إضعاف الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكن حراك الشارع الأردني المتواصل ضد السياسات الإسرائيلية يعيد التوازن إلى المعادلة من جديد.

ووقع الأردن وإسرائيل معاهدة السلام الثنائي بين الدولتين المسماة “اتفاقية وادي عربة” على الحدود الفاصلة بينهما والمارة في وادي عربة في السادس والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 1994.

وجاء التوصل إلى هذه الاتفاقية بعد اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في أيلول/سبتمبر 1993. واعتبرت “اتفاقية “السلام” بين إسرائيل والأردن واحدة من نتائج اتفاقية اوسلو التاريخية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي التي أعقبتها موجة من العلاقات العلنية وغير العلنية بين إسرائيل ودول عربية عديدة في شمال افريقيا والخليج العربي.

وكشف النقاب في إسرائيل، عقب التوقيع عن تاريخ طويل من العلاقات والتعاون بين الجانبين الأردني والإسرائيلي خاصة في المجال الأمني والحدود.

 وأحدثت اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية تأثيرات واسعة على القضية الفلسطينية، شأنها في ذلك شأن مختلف الاتفاقات واشكال التعاون الأخرى بين إسرائيل ودول عربية عديدة مثل اتفاقية السلام بين إسرائيل ومصر، واتفاقيات التعاون بين إسرائيل ودول عربية عديدة أخرى.

ومن أبرز تلك التأثيرات تراجع نقاط القوة الفلسطينية في العلاقة مع الجانب الإسرائيلي.

“صفقة القرن”

ويقول العديد من المسؤولين والخبراء الفلسطينيين إن أي علاقة بين دولة عربية وإسرائيل تشكل نقطة ضعف إضافية في الموقف الفلسطيني. مشيرين إلى أن حاجة إسرائيل للانفتاح على العالم العربي المحيط والقريب شكل على الدوام نقطة ضغط فلسطينية في المفاوضات معها.

ودأب الرئيس الفلسطيني محمود عباس على التحذير من سعي إسرائيل لتطبيق مبادرة السلام العربية من اليأء إلى الألف وليس العكس وذلك بإقامة علاقات تطبيع وتعاون بينها وبين الدول العربية قبل إقامة سلام نهائي مع الفلسطينيين.

وقال عباس في أكثر من لقاء إن جوهر خطة التسوية الأمريكية الجاري اعدادها من قبل الرئيس دونالد ترامب وأركان إدارته، وهي الخطة المسماة “صفقة القرن” تقوم على هذا الأساس، وهو إقامة علاقات تطبيع وسلام وتعاون بين إسرائيل والدول العربية قبل التوصل إلى اتفاق تسوية نهائي بين إسرائيل والفلسطينيين.

ويرى الفلسطينيون ان علاقات تعاون بين إسرائيل والدول العربية تعني غياب عنصر الضغط على إسرائيل من أجل التوصل إلى تسوية عادلة مع الفلسطينيين مشيرين إلى أن انفتاحا عربيا على الدولة العبرية يعني عدم حاجة الأخيرة لإنهاء احتلالها لأراضي دولة فلسطين المحتلة.

ويرفض الفلسطينيون “صفقة القرن” التي يرون انها تهدف إلى إقامة تحالف إسرائيلي عربي واسع لمواجهة ما يسمى بـ”الخطر الإيراني” والإرهاب.

لكن الموقف الشعبي الأردني جاء ليشكل تحديا جديا للاتفاقية ويضع الكثير من العصي في دواليبها، ويبقي عليها في الأطر الرسمية.

ويعتبر الفلسطينيون الحراك الشعبي الأردني الواسع ضد العلاقة مع إسرائيل عنصر قوة داعم لهم في صراعهم مع الاحتلال الإسرائيلي وسعيهم للتحرر والاستقلال.

وتفاعل الشارع الفلسطيني مع التحركات التي شهدها الشارع الأردني في العديد من المحطات منها المطالبة بإلغاء اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل والمطالبة بعدم تجديد تأجير منطقتي الباقورة والغمر لإسرائيل بعد انتهاء فترة التأجير التي نصت عليها اتفاقية وادي عربة، واستمرت مدة 25 عاما والتي انتهت في السادس والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر الماضي.

ونصت اتفاقية وادي عربة على تأجير المنطقين لإسرائيل لمدة 25 سنة من تاريخ دخول معاهدة السلام حيز التنفيذ، وعلى التجديد التلقائي لها لفترة مماثلة. وأعلن الملك الأردني عبد الله الثاني في الثاني والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر العام الماضي عن إنهاء العمل بملحقي أراضي الباقورة والغمر، المؤجرة لإسرائيل ضمن اتفاقية وادي عربة.

وينظم الأردنيون فعاليات شعبية واسعة تطالب بإلغاء اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل. وقرر مجلس النواب الأردني في ختام جلسة خاصة عقدها في اذار/مارس الماضي رفض الاتفاقية وطالب الحكومة بإلغائها. وقال رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة عقب القرار، إن “اتفاقية الغاز مع العدو المحتل (إسرائيل) مرفوضة برلمانيا وشعبيا وعلى الحكومة إلغاءها”.

وأعلنت الحكومة، عقب قرار مجلس النواب، انها ملتزمة بمراجعة الاتفاقية ودراسة كلفة إبقائها مقارنة مع كلفة إلغائها والتقدم إلى النواب بنتائج المراجعة لاتخاذ القرار المناسب بشأنها. لكن رئيس مجلس النواب قال تعقيبا على ذلك إن “على الحكومة إلغاءها مهما كانت نتيجة المحكمة الدستورية”.

واكتشفت إسرائيل عددا من حقول الغاز البحرية في السنوات الأخيرة.

اتفاقية الغاز

ووقعت الحكومة الأردنية في أيلول (سبتمبر) ايلول 2016 اتفاقا لاستيراد الغاز من إسرائيل بقيمته 10 مليارات دولار ابتداء من عام 2020 ولمدة 15 عاما الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة في كل من الأردن وفلسطين. واعتبر الفلسطينيون الاتفاقية نقطة قوة أخرى تضاف إلى نقاط القوة الإسرائيلي في الضغط عليهم وفي تعزيز بقاء الاحتلال.

ويستورد الأردن حاليا الغاز من إسرائيل بموجب اتفاق آخر.

وشهدت العلاقة الأردنية الإسرائيلية العام الماضي أزمة حادة لدى قيام حارس في سفارة إسرائيل في عمان بإطلاق النار على مواطنين أردنيين وقتلهما. وزادت حدة الأزمة لدى تسريب تسجيل لمكالمة هاتفية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والحارس الإسرائيلي القاتل أثنى خلالها نتنياهو على القاتل وفعلته.

وطالب الأردنيون في حالة وصفت بانها تمثل اجماعا شعبيا بإغلاق السفارة الإسرائيلية في عمان والسفارة الأردنية في تل ابيب. وتفاعل الشارع الفلسطيني بصورة لافتة مع الحراك في الشارع الأردني.

“ثمار” الضغط الشعبي الأردني

وجاءت الأزمة الأخيرة التي أعقبت قيام إسرائيل باعتقال شابة وشاب أردنيين من أصل فلسطيني لتضفي مزيدا من الوقود على نيران الغضب الشعبي الأردني ضد العلاقة مع إسرائيل. واضطرت إسرائيل لإطلاق سراح الشابة هبة اللبدي والشاب عبد الرحمن مرعي عقب موجة تضامن عارمة في الشارع الأردني وهي الموجة التي قادت إلى قيام الحكومة الأردنية باستدعاء السفير الأردني في تل أبيب للتشاور.

وقام الأردن، عقب اعتقال الشابة والشاب، أيضا، باعتقال متسلل إسرائيلي إلى الأراضي الأردنية والتحقيق معه وهو ما شكل “رسالة لا تقل صرامة عن قرار استدعاء السفير” حسب وصف الكاتب الأردني عريب الرنتاوي.

 وخاضت هبة اللبدي اضرابا مفتوحا عن الطعام في السجون الإسرائيلية استمر أكثر من أربعين يوما متواصلة. وشهد الشارعان الأردني والفلسطيني حملة تضامن واسعة مع الشابة اللبدي أثناء اضرابها عن الطعام. ووصف العديد من المعلقين والمراقبين إطلاق سراح اللبدي ومرعي بانه “ثمار” الضغط الشعبي الأردني على الحكومة التي لم تجد مفرا من اتخاذ إجراءات صارمة مثل استدعاء السفير واعتقال المتسلل الإسرائيلي والتحقيق معه وليس اعادته كما جرت العادة.

وقال الكاتب الرنتاوي: “ثمة درس يتعين تعلمه مما حصل في الأسابيع القليلة الفائتة، إسرائيل لا تسمع إلا للأقوياء، لا تصغي لصوت العقل، بل لصوت القوة”.

وأضاف: “والأردن ليس ضعيفاً، لديه من أوراق القوة التي ما أن يقرر استخدامها، حتى تأخذ إسرائيل بتغيير مواقفها وتبديل مقارباتها. نحن أمام معركة صغيرة، ولسنا أمام مواجهة ذات مغزى استراتيجي، بيد أنها مشبعة بالدلالات والإشارات، وتنهض شاهداً على ما يمكن أن نفعله في المستقبل. رسالتنا لإسرائيل يجب أن تكون واضحة لا لبس فيها، لا يمكن أخذ الأردن كطرف مضمون، ولا يمكن الاستخفاف بما يمكن أن نقدم عليه، ولا يمكن التنبؤ بردود أفعالنا سلفاً ومقدماً”.

وحذر العديد من الكتاب والمعلقين الأردنيين من ان إسرائيل تظهر استهتارا بالأردن ومكانته داعين الحكومة إلى اتخاذ مواقف أكثر جرأة وقوة في مواجهة السياسات الإسرائيلية خاصة إجراءات التهويد الجارية في القدس واستهداف المسجد الأقصى الذي يحظى الأردن بمكانة رعايته.

وفي الجانب الفلسطيني طالب العديد من المراقبين السلطة الفلسطينية باستخدام أوراق الضغط على إسرائيل بلا تردد في مواجهة سياسات الاعتقال والاستيطان مشيرين إلى تجربة الأردن في هذا المجال. وطالب البعض بخطوات أكثر جدية في وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ووقف العمل بالاتفاقات الموقعة بين الجانبين ردا على السياسات الإسرائيلية خاصة في الاستيطان والاعتقال واستهداف المسجد الأقصى.

وطالب الكاتب زكريا محمد بنقل مقر منظمة التحرير من رام الله إلى غزة مشيرا إلى أن بقاء مقر المنظمة في رام الله تحت الاحتلال يبقيها تحت الضغط الإسرائيلي فيما يؤدي نقل المقر إلى غزة إلى تحررها من مثل هذه الضغوط. وأضاف: “قبل أوسلو كانت أرض الضفة الغربية محتلة، لكن منظمة التحرير لم تكن محتلة. كانت خارج الاحتلال، وخارج سيطرته. اتفاق أوسلو ادى إلى وضع المنظمة تحت الاحتلال. هذه هي الحقيقة الأشد إيلاما”.

واضاف: “يفترض أن لا يستمر هذا بعد الآن. لأنه لا يمكن لهذه المنظمة أن تفاوض أو أن تواجه وهي تحت الاحتلال. وجودها تحت الاحتلال يجعل أفقها هو أفق سلطة أوسلو. وهذا خطير جدا. إذ يستطيع ضابط إسرائيلي أن يضع المنظمة في عربة عسكرية ويرميها في السجن، مستوليا على كل ملفاتها”.

وتساءل: “لكن أين نجد للمنظمة مقرا بديلا عن رام الله؟

وأجاب: “من الواضح أن أي نظام في العالم العربي لن يكون مستعدا لتحمل تبعات وجود هذه المنظمة على أرضه. انتهى الزمن الذي كان يمكن فيه للمنظمة أن تسيّر أمورها انطلاقا من عاصمة عربية. تونس كانت آخر محطة. إذن، ما العمل؟

ليس هناك سوى غزة”.

واستدرك: “صحيح أن غزة مطوقة بالاحتلال، لكن حجم المناورة هناك أعلى بما لا يقاس بحجم المناورة في رام الله. فوق ذلك، فإن وجود المنظمة سيساعد على توسيع مجال المناورة”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية