ماذا تبقى من القدس؟  

محمد أحمد
حجم الخط
0

في تحد سافر لمشاعر الفلسطينيين، سمحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي لمجموعات من اليهود المتطرفين بدخول باحات المسجد الأقصى في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وهو ما أثار مواجهات واسعة بين المصلين المعتكفين في المسجد وشرطة الاحتلال التي رافقت المقتحمين لتوفير الحماية لهم.

ويدعى كثير من اليهود، ومعهم المؤسسة الرسمية، ان المسجد الأقصى مقام على أنقاض “الهيكل الثالث” اليهودي. وفيما يطالب البعض منهم بتقسيم المسجد وإقامة الهيكل في باحاته الواسعة التي تبلغ مساحتها عشرات الدونمات، يطالب البعض الآخر بهدمه وإقامة الهيكل مكانة.

وتشكلت في إسرائيل في السنوات الأخيرة منظمات تطلق على نفسها اسم “منظمات الهيكل” تطالب بإعادة بناء الهيكل المزعوم في باحات المسجد. وتنظم هذه الجماعات جولات لاتباعها في هذه الباحات في فترات السياحة الأجنبية، وفي الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية، يجري خلالها تقديم شروحات لهم عن الهيكل وموقعه المزعوم، وتاريخ بنائه وهدمه. واتبعت سلطات الاحتلال سياسة توسع تدريجي في المسجد الأقصى، مماثلة لسياسة التوسع التدريجي في مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ففي السنوات الأولى لاحتلال القدس عام 1967 صادرت السلطات مفاتيح واحد من أبواب المسجد الأقصى هو باب المغاربة، واستخدمتها لاحقا لإدخال اليهود إلى باحات المسجد في الوقت الذي تريد.

ويضم المسجد الأقصى، الذي تشرف عليه دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية، سبعة أبواب. وحسب الأوقاف الإسلامية فان مساحة المسجد ومرافقه وباحاته تبلغ 144 دونما. وتعتبر الباحات الواسعة جزءا من المسجد، يصلي فيها المصلون عندما يفيض المسجد ومصلياته العديدة خاصة في المناسبات الدينية وفي شهر رمضان.

وخصصت السلطات في المرحلة الأولى الفترات الواقعة بين صلاة الفجر وصلاة الظهر والتي تبدأ من السابعة صباحا حتى الحادة عشرة والنصف ظهرا، لما سمته “السياحة الأجنبية” في المسجد.

وبعد عدة أعوام، طلبت ادخال اليهود إلى باحات المسجد أثناء فترة السياحة الأجنبية، لكن دائرة الأوقاف اشترطت ان يجري دخولهم تحت إشراف موظفيها مباشرة خشية قيامهم بأداء طقوس دينية أو اعتداءات.

وقال مسؤولون في دائرة الأوقاف لـ”القدس العربي” إن الدائرة اشترطت ان يرافق اثنان من حراس وسدنة المسجد كل يهودي يعتزم زيارة باحات المسجد أثناء فترة السياحة الأجنبية، وهو ما ظل معمولا به حتى اندلاع الانتفاضة عام 2000 انطلاقا من المسجد الأقصى عندما هاجم المصلون بالأحذية الزعيم اليميني ارئيل شارون الذي قام بزيارة استفزازية للمسجد للتأكيد على موقفه المتمسك به مكانا دينيا لليهود. وعملت السلطات بعد اندلاع الانتفاضة على الاشراف على دخول اليهود إلى باحات المسجد وتخصيص رجال شرطة مسلحين لمرافقتهم أثناء تجوالهم في هذه الباحات.

وعادة ما تتجنب السلطات ادخال اليهود إلى باحات المسجد في المناسبات الدينية الإسلامية مثل الأعياد وأيام الجمعة، لكنها كسرت هذا التقليد هذا العام وسمحت للعشرات منهم بالدخول نهار أول أيام عيد الأضحى المبارك، وهو ما اعتبره الفلسطينيون مؤشرا كبيرا على تمادي السلطات في سياستها الرامية إلى السيطرة على المسجد وباحاته وتقسيمه بينهم وبين اليهود.

وتحولت السياحة اليهودية في باحات المسجد الأقصى التي تجري من خلال باب المغاربة الذي استولت سلطات الاحتلال على مفاتيحه، إلى غطاء لتكريس الحضور اليهودي في المسجد، حيث يشاهد عشرات اليهود، كل نهار، يجوبون باحات المسجد في مجموعات، ويمارس بعضهم طقوسا دينية، ويتلقون شروحات حول تاريخ الهيكل الذي يزعمون أن المسجد مقام على انقاضه.

وتصاعدت في السنوات الأخيرة الدعوات اليهودية للدخول إلى باحات المسجد، والمطالبة بتقسيمة بين اليهود والمسلمين من الناحيتين الزمانية والمكانية بحيث تخصص أوقات لليهود للصلاة في المسجد في الساحات، فيما تقتصر صلاة المسلمين على المسجد، وفي أوقات محددة في هذه الساحات.

ويخشى الفلسطينيون من قيام إسرائيل بفرض واقع جديد في المسجد شبيه بذلك الذي جرى فرضه في مقدسات أخرى مثل الحرم الابراهيمي في الخليل الذي يسيطر الإسرائيليون على ثلثي مساحته، ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم الذي يطلقون عليه “قبة راحيل” ومقام يوسف في نابلس ومقامات قرى كفل حارس وغيرها.

وسيطرت مجموعات يهودية تتركز في المستوطنات المقامة في قلب الضفة الغربية، على مساجد ومقامات دينية عقب الاحتلال الإسرائيلي عام 67 عبر سلسلة طويلة، تدريجية، وبطيئة من إجراءات فرض الأمر الواقع التي يخشى الفلسطينيون تكرارها في المسجد الأقصى.

 ولعل الحرم الابراهيمي الشريف في مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية أبرز مثال على ذلك. ودأب المستوطنون على الصلاة في الحرم الابراهيمي الذي يضم رفات سيدنا ابراهيم ورفات زوجته ساره وأبناءه منذ الأعوام الأولى للاحتلال عام 67.

 واستغلت السلطات قيام أحد المستوطنين بارتكاب مجزرة في المصلين المسلمين في الحرم عام 1994، قتل فيها 29 مصليا، لتقوم بتقسيم الحرم إلى قسمين واحد لليهود، وهو الجزء الأكبر ويشكل 65 في المئة من مساحة بناء المسجد، والباقي للمسلمين.

وقال مدير الأوقاف الإسلامية في القدس الشيخ عزام الخطيب: “اليهود يعملون على فرض أمر واقع في المسجد الأقصى، ونحن لن نسمح لهم بذلك”. وقال إن محاولات المجموعات اليهودية الدخول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه زادت بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة الأمر الذي يثير القلق.

واتبعت إسرائيل سياسة قضم تدريجي لمدينة القدس التي أعلنتها “عاصمة موحدة” و”أبديه” لها منذ احتلالها عام 67. وتضمنت هذه السياسة توسيع حدود المدينة في قلب الضفة الغربية من ستة ونصف كيلو متر مربع قبل العام 67 إلى 72 كيلو مترا مربعا، ومصادرة الأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى بناء المستوطنات. وأيضا تقليص عدد الفلسطينيين في المدينة وزيادة عدد اليهود من خلال سياسة إبعاد منهجية للفلسطينيين. وقالت مؤسسة “هيومن رايتش ووتش” في تقرير لها عن القدس، إن إسرائيل استولت على 57 في المئة من أرض القدس الشرقية، خصصت 35 في المئة منها لبناء المستوطنات و22 في المئة منها إلى مناطق خضراء ومرافق عامة. وقالت المنظمة الدولية بان إسرائيل حصرت البناء الفلسطيني في 13 في المئة فقط من المدينة.

وبدأت السلطات الإسرائيلية سياسة إبعاد الفلسطينيين عن مدينة القدس إلى الخارج منذ السنة الأولى لاحتلال المدينة عام 67. واستخدمت لاحقا سياسة إبعاد داخلي طال عشرات آلاف المواطنين من القدس من خلال تجريدهم من حق الإقامة في المدينة تحت طائلة القانون الخاص الذي وضعته خصيصا لأهالي القدس، وهو قانون الاقامة الذي يعتبر سكان القدس مقيمين وليس مواطنين، ويجري تجريدهم من حق الإقامة في حال تغيير عناوين اقامتهم.

وقال زياد الحموري مدير مركز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في القدس ان إسرائيل أبعدت حوالي 15ألف مواطن من القدس منذ احتلال المدينة عام 67 تحت طائلة هذا القانون. وأضاف:”15 ألف مواطن يعني 15 ألف أسرة، لان كل واحد أو واحدة منهم له أو لها اسرة كاملة أبعدت عن المدينة”.

ويضطر كثير من المقدسيين للسكن خارج المدينة بسبب غلاء الأراضي وارتفاع تكلفة البناء خاصة رسوم الترخيض العالية التي تفرضها البلدية الإسرائيلية، ما يهددهم بفقدان حق القامة فيها.

وقال الدكتور نظمي الجعبة استاذ التاريخ في جامعة بيرزيت المتخصص في تاريخ المدينة ان السلطات الإسرائيلية أتبعت سياسة اقتصادية اجتماعية عمرانية خاصة في المدينة هدفت إلى دفع أهلها إلى العيش خارجها، واستبدالهم تاليا بمستوطنين يهود يحظون بكل التسهيلات والدعم الرسمي وغير الرسمي.

وقال: “القدس، المدينة الجميلة الواسعة التي كانت تضم أحياء ممتدة قبل العام 67 تحولت اليوم إلى أحياء فقر”. وأضاف: “السياسات التي اتبعتها السلطات الإسرائيلية في القدس بهدف تقليص عدد السكان الفلسطينيين وزيادة عدد المستوطنين اليهود قادت لتحويل هذه الأحياء إلى احياء فقر وصفيح خاصة في البلدة القديمة”.

وتشير التقديرات المتقاربة إلى ان 120 ألف مواطن مقدسي يعيشون اليوم في بيوت غير مرخصة اضطروا لاقامتها بسبب عدم توفر بديل لهم للسكان، وان هذه البيوت معرضة للهدم في أي وقت.

وأقامت السلطات الإسرائيلية 15 مستوطنة حول القدس، واستولت على عشرات البيوت في قلب البلدة القديمة ومنحتها للمستوطنين الذين يبلغ عددهم اليوم حوالي أربعة آلاف مستوطن.

وقال خليل التوفكجي الخبير في شؤون الاستيطان بان السلطات الإسرائيلية تعمل على تنفيذ مشروع في القدس يهدف إلى تقليص عدد السكان الفلسطينيين إلى 12 في المئة بحلول العام 2020 وزيادة عدد السكان اليهود ليشكلوا 88 في المئة.

وقال التوفكجي بأن هذه الخطة التي وضعتها البلدية تتضمن بناء 58 ألف وحدة سكنية جديدة.

وأضاف: “وبعد أن حسمت إسرائيل معركة الأرض، وسيطرت عليها، تعمل الآن على دفع السكان للهجرة خارج المدينة عبر وسائل عديدة منها الضرائب وغيرها”.

وقال بأن الجدار-على سبيل المثال-أخرج ما يزيد عن 120 ألف من سكان القدس إلى خارج المدينة.

ويبلغ عدد سكان القدس الفلسطينيين 300 ألف. لكن يعيش منهم في المدينة 175 ألفا فقط بسبب إجراءات الطرد والعزل الإسرائيلية التي دفعت أعدادا كبيرة منهم للعيش في تجمعات خارج الجدار، أو في باقي مناطق الضفة الغربية، خاصة مدينة رام الله القريبة.

وقال التوفكجي إن نسبة السكان الفلسطينيين اليوم في القدس الموحدة (الشرقية والغربية) تبلغ 35 في المئة، وتعمل السطات على تقليصها إلى 12 في المئة.

ومن بين وسائل الضغط والطرد المتبعة في القدس والرامية إلى تقليص عدد سكانها الفلسطينيين وزيادة عدد اليهود فرض الضرائب والرسوم الباهظة على العمل والتجارة والبناء وغيرها.
وقال زياد الحموري ان سياسة جباية الضرائب المختلفة من المواطنين المقدسيين تهدف إلى افقار المقدسيين وجعلهم غير قادرين على تحمل كلفة الحياة في المدينة وتاليا الانسحاب منها إلى باقي أجزاء الضفة الغربية أو الخارج.
وقال الحموري ان هذه السياسة جعلت حوالي 80 في المئة من المقدسيين يعيشون تحت خط الفقر. وأضاف: “الكثيرون من أهل القدس لا يستطيعون دفع المستحقات والضرائب الباهظة المفروضة عليهم وبالتالي تصبح أملاك المقدسي مهددة بالمصادرة لتراكم الديون عليه”.
وقال إن المركز الذي يديره تلقى عدة شكاوي من مواطنين تهدد سلطات الاحتلال بعرض منازلهم “للمزاد العلني” بحجة تراكم الديون عليهم.
وعملت سلطات الاحتلال في السنوات الماضية على تغيير الكثير من ملامح القدس القديمة التي تقع داخل الأسوار وتحضن المقدسات الإسلامية والمسيحية واليهودية وتحويلها من عربية إلى يهودية.

وتعمل الكثير من الجمعيات الاستيطانية اليهودية على تهويد مبان في القدس القديمة بمساعدة السلطات الرسمية ورؤوس الأموال اليهودية في الخارج. وتشمل عمليات التهويد طرد فلسطينيين من بيوت استأجروها قبل احتلال المدينة عام 67 تحت ذرائع مختلفة وتحويلها إلى بؤر استيطانية تتمدد في المحيط.

وعملت السلطات على تغيير أسماء حوالي 300 شارع في القدس من عربية إلى عبرية، مثل شارع الواد الذي أصبح يحمل اسم شارع “هجاي” وشارع خان الزيت الذي أصبح يحمل اسم شارع “حباد” وهكذا. وعملت أيضا على تغيير اليافطات على أبواب المسجد الأقصى لتحمل الاسم العبري “جبل الهيكل” إلى جانب الاسم العربي “الحرم الشريف”.

وجرى أيضا تغيير أسماء الحواري والتجمعات السكنية، فحوش الشهابي أو باب الحديد أصبح اسمه “الحائط الغربي الصغير” وحي وادي حلوة أصبح اسمه “عير دافيد” وحي الفاروق أصبح “نوف تسيون”.

ويقول المراقبون في القدس ومن بينهم مؤسسات دولية إلى ان السياسية الإسرائيلية الجارية تعمل على تغيير الوجه العربي الإسلامي المسيحي للمدينة إلى وجه يهودي إسرائيلي.

وقال خليل التوفكجي: “إسرائيل وضعت خططا في القدس، وتعمل على تنفيذها بصورة يومية. يوميا يوجد بناء وتوسع استيطاني وطرد سكان فلسطينيين بوسائل مختلفة”. وأضاف: “وبالمقابل لا توجد أية خطة مضادة، لا فلسطينيا ولا عربيا ولا دوليا، لا يوجد خطة لحماية أهل المدينة وتعزيز بقائهم. أهل المدينة يفقدون يوميا حقهم في الاقامة، يفقدون أرضهم وبيوتهم تحت الضغط والضرائب والقيود وسلب الأرض وتسريب المباني”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية