نجحت أنقرة مع انتهاء مدة 120 ساعة التي يتوجب على قوات سوريا الديمقراطية خلالها الخروج من المنطقة الآمنة (منطقة عمليات نبع السلام) في ابرام اتفاق آخر مع روسيا، يوم الخميس 22 تشرين الأول (أكتوبر) يتعلق بباقي مناطق الشريط الشريط الحدودي مع سوريا، تم الإعلان عنه من قبل وزيري خارجية البلدين، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب اردوغان في مدينة سوتشي، بعد لقاء بين الجانبين استمر أكثر من ست ساعات.
وينص الاتفاق على عشرة بنود أهمها التزام الجانبين على الوحدة السياسية لسوريا وسلامة أراضيها وحماية الأمن القومي التركي والإبقاء على الوضع القائم في المنطقة التي تشملها عملية “نبع السلام” بعمق 32 كلم، والتي تتضمن تل أبيض ورأس العين. وستدخل الشرطة العسكرية الروسية خارج حدود منطقة نبع السلام لتسهل خروج مقاتلي وحدات حماية الشعب وأسلحتها إلى عمق 30 كم من الحدود السورية المشتركة، خلال 150 ساعة بدأت منذ ظهر اليوم التالي لتوقيع الاتفاق (23 تشرين الأول /أكتوبر عام 2019) وتسيير دوريات روسية تركية مشتركة في غرب وشرق منطقة عملية نبع السلام بعمق 10 كم باستثناء مدينة القامشلي، التي يتقاسم النظام سيطرتها مع وحدات الحماية الكردية، وإخراج جميع عناصر الوحدات الكردية وأسلحتهم من منبج، وتل رفعت (غرب الفرات) وستبدأ جهود مشتركة لتسهيل عودة اللاجئين بطريقة آمنة وطوعية.
المكاسب الروسية
أدى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا إلى تفاهم بين وحدات الحماية الكردية مع النظام السوري وإدخاله إلى عدة مواقع حدودية مع تركيا مثل عين العرب أو تسليمه نقاط شمال منبج في منطقة الدادات قرب نهر الساجور.
وبدأت موسكو بملء الفراغ الذي تسببه الانسحاب الأمريكي، بحذر وهدوء بسبب الارتباك الأمريكي والتصريحات المتناقضة في مجلس الشيوخ والرئيس والبنتاغون.
واستغلت روسيا الخشية التركية من إعادة تعويم وإنتاج الوحدات الكردية وهو ما كان يشكل هاجسا بالنسبة لتركيا وما دفع اردوغان لعقد قمة مستعجلة مع نظيرة الروسي فلاديمير بوتين نتج عنها التوصل إلى اتفاق مطمئن لتركيا ويبعد الوحدات ليس عن الشريك الحدودي بل يخرجها من أبرز معاقلها في المدن الكردية مثل عين العرب/كوباني والدرباسية وعامودا والقامشلي وأجزاء كبيرة في المثلث السوري العراقي التركي.
وركز الاتفاق على أكثر الملفات التي تعتبرها موسكو بوابة الحل السياسي في سوريا وهي ملف اللاجئين حيث ستعمل الدولتان معاً لتسهيل عودة اللاجئين بطرية آمنة وطوعية والتشديد على “إيجاد حل سياسي دائم للنزاع السوري في إطار آلية أستانة وسيدعمان نشاط اللجنة الدستورية”.
ونجحت روسيا بإغلاق شبه نهائي لملف منبج، وتخل تركي عن المدينة مقابل دخول الشرطة العسكرية الروسية إليها وإخراج مقاتلي الوحدات الكردية.
ويعتبر التنويه إلى اتفاق اضنة والتذكير به في نص الاتفاقية مجرد تفويض تركي لروسيا، تنازلت فيه تركيا عن حقها في “اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كم” حسب الملحق الرابع من اتفاق اضنة الذي وقعه رئيس شعبة الأمن السياسي اللواء عدنان بدر الدين حسن عن الجانب السوري عام 1998 ومعاون الأمين العام لوزارة الخارجية التركية السفير أوغور زيال.
وفي المقابل، وصف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الاتفاق بانه “تفاهم تاريخي بخصوص مكافحة الإرهاب” فأنقرة تنظر إلى الاتفاق على انه أبعد مقاتلي الوحدات لمسافة 30 كم عن حدودها وهو ما لم يوفره اتفاق اضنة بنصه وملحقاته الأربعة.
وتبقى صدمة المعارضة السورية وفصائل الجيش الوطني متعلقة بوضع منبج وتل رفعت، فمن الواضح أن أنقرة لم تتمكن من انتزاع شيء بالنسبة للمعارضة في الاتفاق، بينما ضمنت إبعاد الوحدات الكردية من تل رفعت ومنبج حسب تصريح الرئيس اردوغان. وغيبت دهشة الاتفاق أصوات الكثير من قادة الفصائل وسياسييهم، فيما قال المسؤول السياسي في فرقة المعتصم مصطفى سيجري “إن من المبكر الحكم على شكل ومآلات ومستقبل شرق الفرات، والاتفاق الأخير وحسب البنود المعلنة لا يلبي آمال وتطلعات الشعب السوري، ولا معنى للمنطقة الآمنة بوجود عصابات الأسد والوحدات هم أحد أدوات وأذرع النظام في الفترة السابقة، والأسد رأس الإرهاب في المنطقة ولا يمكن القبول بوجوده”.
أمريكياً، تمكن البنتاغون ونتيجة الضغط الهائل على ترامب من قبل مجلس الشيوخ والرأي العام وصناع القرار بالسماح بابقاء على 200 جندي في منابع النفط السورية لمنع النظام من الإستفادة منها، إضافة لرقابة للتحالف الدولي لتأمين ومراقبة سجون مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” ومخيمات أسرهم في شرق الحسكة. وبالطبع فإن هذا البقاء سيضمن تمديد الشراكة مع الوحدات الكردية، ما يعني انحصار الكتلة الصلبة للوحدات في شرق دير الزور والأجزاء الشرقية من محافظة الحسكة. فيما يتراجع نشاط الوحدات في المناطق التي دخل إليها النظام في الرقة والطبقة والمنطقة الممتدة جنوب طريق M4 المعروف بطريق حلب-الحسكة. وحتى تتضح خريطة الانتشار العسكري الجديدة للتحالف الدولي لمحاربة داعش، يرجح أن تخسر الوحدات أجزاء هامة من الطريق إلى جبال قنديل، معقل حزب العمال الكردستاني.
ضمنت عملية “نبع السلام” الأمن القومي التركي بكل تأكيد وحققت أنقرة ما لم تحلم به أو يستطيع اتفاق أضنة تحقيقه بما يتعلق بالوحدات الكردية، لكن نتائج العملية على المعارضة السورية وجمهور الثورة كانت كارثية باعتبارها سمحت بعودة النظام وأدخلته في المنطقة. فالنتائج العسكرية هناك سرعان ما ستترجم إلى نتائج سياسية، تحث إيران وروسيا تركيا على بدء حوار وتنسيق أمني مع النظام، وسيدفع وجود المنطقة الآمنة في جيب يحيط به النظام من ثلاث جهات إلى بدء تنسيق أمني ولو عبر الوسيط الروسي بهدف تلافي المشاكل والصدام على حدود المنطقة، وهو ما سيكون عمليا بوابة لتطبيع لاحق، سيصبح أمرا واقعا مع تراجع الدور الأمريكي.