الخرطوم-“القدس العربي”: أعلنت قوى “الحرية والتغيير” السبت، إطلاق حملة ترويجية للعصيان المدني في عموم السودان، ابتداء من الخميس المقبل.
وأوضحت في بيان أن الخميس سيكون دعائيا للدعوة للعصيان المدني والإضراب العام.
ودعت الثوار في ميدان الاعتصام بالخرطوم والمدن الأخرى، القيام بالتوعية والدعاية وسط المواطنين من خلال المخاطبات والمنشورات للاضراب والعصيان المدني (دون تحديد موعد له).
ويأتي لجوء قوى التغيير للاضراب للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة للمدنيين مع تعثر التفاوض بين الجانبين.
ففي الوقت الذي استعد فيه السودانيون للاحتفال بنهاية التفاوض بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير التي قادت حراك الشارع وأسقطت نظام البشير، تعرض المعتصمون في ميدان الجيش لإطلاق نار على مدى يومين متتاليين ما أدى لسقوط سبعة قتلى وأكثر من مئتي مصاب، وتم تعليق المفاوضات لثلاثة أيام تنتهي اليوم الأحد.
الجميع تبرأوا من إطلاق الرصاص، وأشاروا لوجود طرف ثالث لم يتم تحديده بدقة حتى الآن، على الرغم من تكوين لجنة تحقيق في الأحداث. وظهر رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان في تلفزيون السودان بلهجة صارمة، متحدثا عن الاستفزاز المباشر والإساءة البالغة للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع مشيرا إلى أن قوات الدعم السريع “ولدت من رحم هذا الجيش العظيم ولعبت دوراً مهماً ومؤثراً في أمن البلاد حرباً وسلماً وانحازت لثورة الشعب ولعبت دوراً مؤثراً في انتصار الثورة وحمايتها” وأضاف أن قوات الدعم السريع “يلعب قادتها دوراً سياسياً واقتصادياً هاماً وضرورياً وتقوم بأدوار متعاظمة في سبيل استباب الأمن والاستقرار”.
وألمح لوجود طرف ثالث في الأحداث حينما أشار إلى: “تسلل عناصر مسلحة داخل مكان الاعتصام وحوله والامتدادات الجديدة وجامعة الخرطوم (البركس) وكبري النيل الأزرق وشارع النيل واستهدفوا القوات المسلحة والدعم السريع والمواطنين وإزهاق أرواح عدد من شباب السودان”.
الاتهام المباشر تم توجيهه من قبل المصابين في الأحداث لقوات الدعم السريع التي يشغل قائدها وظيفة نائب رئيس المجلس العسكري، وسارعت القوات لاتهام جهات أخرى “أزعجتها النتائج الإيجابية التي توصل إليها فريق التفاوض بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير”. ووصفت في بيان لها هذه الجهات التي لم تسمها صراحة، بأنها تعمل بكل قواها لإجهاض الاتفاق وعدم خروج البلاد من أزمتها.
وأضاف البيان أن مجموعات مسلحة تسللت الإثنين إلى ساحة الاعتصام وأطلقت النار على المعتصمين، وأحدثت فوضى في مناطق أخرى قريبة من الساحة، إضافة لتحرشها بقوات الدعم والقوات المسلحة والمواطنين. وفي مخاطبة لجنوده، كرر قائد الدعم السريع محمد حمدان دلقو، اتهامه لجهات أخرى بإطلاق النار على المعتصمين من أعلى كبري النيل الأزرق.
ودعت قوات الدعم السريع المواطنين للانتباه لهذه المجموعات “التي تسعى للنيل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، وتؤكد مرة أخرى أن هذه المجموعات تعمل جاهدة على افشال تحقيق أهداف الثورة، وتسعى للإيقاع بين المعتصمين وقوات الدعم السريع التي تقوم بدورها القومي كاملاً للحفاظ على مكتسبات الثورة”.
وجددت قوى الحرية والتغيير ثقتها بالجيش الذي احتمت به من بطش فلول النظام السابق وقالت في بيان: “شعبنا العزيز، إن الأمن والدفاع عن المواطنين والوطن هو واجب كل جندي شريف، وإيماننا بذلك هو ما حملنا لموكب السادس من أبريل الذي تحوَّل لاعتصام مهيب شهد بسلميته وانضباط الثوار خلال تواجدهم فيه، العدو قبل الحبيب”.
وطالبت “بإجراء التحقيقات العاجلة حول المجزرة الدموية التي وقعت مساء الاثنين 13 ايار/مايو الجاري والتي ارتقى إثرها شهداء أعزاء من الثوار ومن قواتنا المسلحة الباسلة، ففي تلك التهمة يكمن ظلم عظيم لكل مكونات الشعب السوداني وفيهم الضباط والجنود الذين ما فتئوا يحرصون على صيانة الثورة من الانسياق للعنف والعنف المضاد، فالسلمية كسب زرعنا بذرته وننتظر حصاده معاً ونحميه من غدر الغادرين بعزم وإباء وإصرار وصبر”.
وأكدت قوى الحرية حرصها على التمسك بما توصلت له من اتفاق مع المجلس العسكري، مشيرة إلى أن هذا الاتفاق يجعل الحكمة هي ضالتهم في التعامل مع المستجدات في الساحة السياسية، مضيفة أن ذلك لا يمنعها من رد الاتهامات في أي وقت ومن أي شخص، وهي تقصد هنا الاتهام بانتفاء سلمية الثورة والذي اعتبرته “طعنا في وطنية الشرفاء من بنات الوطن وأبنائه الذين كظموا الغيظ وكتموا الغضب في خضم سيل الدماء من صدور رفاقهم بفعل الرصاص”.
وأضافت أن “السلمية لم تعد شعاراً تردده الحلوق بل أصبح طوق نجاة للشعوب المستضعفة من عسف الحكام المستبدين، وتحوَّل لسلاح نموذجي يهزم أعظم الترسانات ويهز عروش الطغاة” وأكدت عدم وجود أي تبرير لفتح النيران على صدور المواطنين العُزَّل وزادت: “لا يمكن أن يكون التعامل مع الثوار السلميين – في أقصى حالات التفلت – هو ضربهم بالرصاص الحي وقتلهم، ولذلك نريد للقانون الذي يلوح في الخُطب أن يصبح تطبيقاً عملياً فوق الجميع”.
ويرى الخبير الأمني الفريق عبد الرحمن حسن عمر، أن الحكمة بين قادة قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، هي التي قادت لهذا النصر العظيم وإسقاط نظام البشير الذي حكم البلاد ثلاثين عاما، مشيرا إلى أن النظام السابق كان محاطا بشبكة مجموعات أمنية عديدة.
ويقول عبد الرحمن لـ”للقدس العربي” إن “الشباب الذين قاموا بالثورة، حاولوا تأمين أنفسهم بالمتاريس وبالتفتيش الدقيق، حتى تكتمل كل ملامح الثورة لكن كانت تنقصهم الخبرة الأمنية في مثل هذه الحالات خاصة في مواجهة دولة عميقة لديها مكونات أمنية متجذرة ومستترة”.
وأضاف أن للنظام السابق أجسام تدير العملية الأمنية وتقوم بأعمال مضادة واختراق أمني لحماية رموز وأفراد نظام البشير الذين كانوا يديرون البلاد وفقا لمصالحهم الخاصة عبر محاصصة جهوية: “لذلك من الطبيعي أن تكون لهذه الجهات مصالح في زعزعة النظام الجديد، خاصة بعد التقارب الكبير بين قوى الحرية والمجلس العسكري واقتراب الوصول لاتفاق كامل”. وأشار المصدر لوجود جهات مهدت لهذه الأحداث عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال التحريض وزعزعة الثقة بين شريكي التغيير.
ويتوقع عبد الرحمن حدوث اعتداءات متكررة تهدف لزعزعة الأمن والاستقرار حتى بعد تكوين الحكومة الجديدة وذهاب المعتصمين لبيوتهم، وطالب بضرورة إحداث تغييرات واسعة في قادة الأجهزة الأمنية، بإسناد هذه الأجهزة لضباط مؤمنين بالتغيير الذي حدث حتى يتمكنوا من حماية النظام الجديد.
وأوضح المحلل السياسي محمد أحمد شقيلة لـ”القدس العربي” أن الحديث عن الجهة التي أطلقت الرصاص لن يكون منطقيا، طالما أن هناك لجنة تحقيق تعمل في هذا الاتجاه. ويرجع شقيلة إطلاق الرصاص لما سماها الثورة المضادة ولمن يقومون بتحريض الثوار على استفزاز العسكريين على حد تعبيره.
ورغم حديثه عن انتظار لجنة التحقيق، لكن المصدر يقول إن الشواهد تبرئ قوات الجيش والدعم السريع من حادثتي إطلاق النار ويميل إلى فرضية وجود طرف ثالث في الموضوع، مستشهدا بانحياز القوتين للشعب وحمايته من البطش في آخر أيام نظام البشير.
ويقول إن تمدد الثوار خارج نطاق منطقة الاعتصام الأول في السادس من نيسان/ابريل الماضي لم يكن له ما يبرره، مشيرا إلى أن توسيع دائرة وجودهم وتشتتهم، تجعل حمايتهم صعبة من قبل قوات الجيش والقوات الأمنية الأخرى.
ويرى أن تعليق المفاوضات لمدة ثلاثة أيام يعتبر فرصة لإعادة تقييم الموقف بين الطرفين وإعادة الاعتبار للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع التي يرى أنها تعرضت لاستفزازات كبيرة من بعض المعتصمين، وخطابات متطرفة خاصة من قبل المعتصمين في المنصات المواجهة لمباني القوات المسلحة على حد قوله، وطالب المصدر بضرورة احترام الشريكين لبعضهما حتى تتجاوز البلاد هذه الأزمة.