واسيني الأعرج
واسيني الأعرج
الأمراض الهيكلية القاسية التي مست الاتحادات العربية، لم تستثن الاتحادات المغاربية. فقد أصابتها في الصميم، وجعلت أدوارها تتضاءل، قبل أن تنفجر داخلياً وتفقد فاعليتها. وتتحول إلى مِزق يقينية، كل منها يتغنى بصلاحية خياراته.
وبدا واضحاً أن عصراً نضالياً تبنته الاتحادات المغاربية، قد انتهى، وحل محله زمن آخر يكاد يكون بلا قضية ولا هدف يُذكر، إلا المصلحة الخاصة.
في الجزائر تتجسد هذه الحالة بامتياز. مؤسسو الاتحاد في 1963، مباشرة بعد الاستقلال، كانوا من كبار كتاب الجزائر، مالك حداد، مولود معمري، مفدي زكرياء، جون سيناك، وغيرهم، سرعان ما دفِعوا إلى مغادرة الاتحاد الذي بنوه بشكل يصبح فضاءً حراً، وصوتاً متفرداً. بعد أن تبنّتْ السلطة الوطنية، في بداية تكوّنها، خيار جرّ الاتحاد في ركبها بوصفه منظمة جماهيرية وكأنها لا خصوصية لها. فلم تخف السلطة عدم رضاها الذي تجلى في السنوات الأولى من الاستقلال في الدفع بالعشرات إلى المنافي والعزلة والموت البطيء، وحتى القتل، إذا صحّت الافتراضات، حالة جون سيناك في السبعينيات، في ظروف غامضة. وضُمّ الاتحاد ليصبح تابعاً للحزب. لدرجة أن طبقت فيه واحدة من أسوأ المواد الحزبية. المادة 120 التي أجهزت على أي فعل نقابي حرّ. باسم هذه المادة، أغلقت أبواب القيادة في وجه كل من لم يكن حزبياً ليتحول الاتحاد في ظرف وجيز إلى خلية سياسية تابعة للحزب الأم، جبهة التحرير.
رداً على احتجاجات بعض الكتاب، قال الأمين العام لحزب جبهة التحرير محمد الشريف مساعدية: نحن هنا. نفعل ما نريد ما دمنا في السلطة، لكم أن تفعلوا ما تشاؤون يوم تصلون إليها. وانتهى الاتحاد كفعل ثقافي حر. في التسعينيات، انفصل الاتحاد لأول مرة منذ تأسيسه، عن الحزب، بعد مؤتمر تيبازا. انتفاضة 5 أكتوبر 88 المغدورة، وفرت مناخ الخروج من الحاضنة الحزبية. فقد جاءت بحرية الصحافة، والتنظيمات السياسية، ولكنها في الوقت نفسه صنعت سرير الإسلاميين الذين كانوا وراء عشرات الاغتيالات لمثقفين وكتاب كبار كان أغلبهم أعضاء في الاتحاد نفسه، الهادي فليسي، الطاهر جاووت، عبد القادر علولة، يوسف سبتي، جمال زعيتر، بختي بن عودة، وغيرهم. وأكلت المنافي والحياة السرية الكثيرين. وضع سمح لسدنة النظام بأن ينشئوا اتحاداً آخر عاد بسرعة إلى بيت الطاعة. لكن هذه المرة ليس إلى حزب جبهة التحرير التي كانت وقتها في حالة تحلل وتفكك، ولكن لمنتجها الذي خرج من صلب أخطائها التاريخية: التجمع الوطني الديمقراطي RND، ويصبح الاتحاد من جديد مهجوراً من أهم مثقفيه، قبل أن يُفقَّر، إذ لم يعد يهمّ حتى السلطة نفسها.
اتحاد كتاب المغرب لم يخرج عن هذا التأزم السياسي والبنيوي. لأسباب تاريخية يمكن تفهمها في زمانها. فقد كان على الطرف النقيض من النظام، فقيراً، لكن كبيراً في دفاعه عن المثقفين المعتقلين في السبعينيات والثمانينيات. من الناحية السياسية، ظل حزب الاتحاد الاشتراكي هو المهيمن على قيادته، مع تمثيلات رمزية لألوان الطيف السياسي المغربي. أدى ذلك مع الزمن إلى نشوء ردة فعل انتهت بالكثير من الكتاب إلى الانفصال وإنشاء رابطة وضعت الاستقلال الثقافي رهاناً لها، على الأقل من حيث بيانها التأسيسي. قبل أن تتعقد الصراعات وتتأزم أكثر وتخرج إلى العلن كل التناقضات البنيوية والهيكلية التي لغمت الاتحاد من داخله. أدى ذلك إلى صراع داخلي واضح، وعجز حقيقي في الاتحاد، انتهى إلى إقالة أو استقالة، رئيسه يوم السبت 24 -10-2009. المحصلة هي تحجيم موقعه في المشهد الثقافي المغربي بتشتيت الكتاب، ودفعهم إما إلى الانسحاب أو الصمت، وإما إلى الدخول في حرب البيانات، والبيانات المضادة، في ظل مناخ مأزوم لا ينفصل عن التحولات العربية عموما.
اتحاد كتاب تونس، باستثناء فترة الـتأسيس، ظل يدور في دواليب السلطة. كثيراً ما اشترك في اضطهاد المثقفين أنفسهم، ولم يخرج من هذه الدائرة إلا قبيل الثورة بقليل، بعد يأس كبير من إصلاحه. انعقد المؤتمر التأسيسي الأول (4 تموز/يوليو 2010) لنقابة كتاب تونس بإشراف من الاتحاد الجهوي للشغل، والنقابة العامة للثقافة والإعلام، أسفرت النتائج عن فوز تشكيلة نقابية من الكتاب راهنت على الدفاع عن المثقف، على الرغم من محاولات عديدة من أطراف في الاتحاد الرسمي، أو أطراف سياسية أخرى لتعطيل انعقاد المؤتمر. ليصبح الاتحاد مجرد قوقعة فارغة، ويغيب نهائياً من المشهد الثقافي التونسي.
اتحاد الكتاب الليبيين بدأت تغيراته قبل زمن طويل، لكنه ظل في دائرة إرادة القائد. لم يحدث مطلقاً في تاريخ اتحادات الكتاب العربية، ما حدث في رابطة الكتاب والأدباء الليبيين من استيلاء بوليسي، من قبل أمانة مؤتمر الشعب العام، على الرابطة وتشميعها وتغيير لائحتها الداخلية بحيث تمت إضافة شروط مجحفة لا علاقة لها بالنشاط الذي يُفترض أن يمارسه أعضاء هذه الرابطة. القرار رقم 59 الذي صدر من أمانة مؤتمر الشعب العام، بتاريخ 14/6/2004 والتعميم المرفق به، نصّ على أن الكاتب أو الأديب الذي يريد عضوية في الرابطة، ملزم بتقديم شهادة براءة من أية جناية سياسية، وملزم أيضاً بتوقيع تعهد بالالتزام بفكر النظرية العالمية الثالثة؟ أصبح فجأة الكتاب والأدباء كافة الذين دخلوا إلى السجن بسبب آرائهم، مبعدين عن عضوية هذه الرابطة التي يفترض أن تكون تنظيماً نقابياً يدافع عن حقوق الكتاب والأدباء على اختلاف توجهاتهم، وليس جهازاً في خدمة النظام.
نحن إذن أمام اتحادات نمت في داخلها ثورات صامتة في داخلها فجرتها في النهاية، لكنها لم تغير شيئاً فيها، لأن جوهر المرض، في البنية الهيكلية، القادرة على استنساخ النماذج الميتة والمتواطئة. هناك بؤس هيكلي عميق يحتاج إلى تدمير والتفكير في بنى بديلة مرنة، قادرة على استرجاع قيمة الفعل الثقافي الحر.