احتجاجات’الشعوب’تغير’خارطة’العالم

حجم الخط
0

جرت ولا زالت تحدث إحتجاجات شعبية في بلدان العرب وغيرها (تركيا، أوكرانيا، فنزويلا)، وتشابهت في مطالباتها، رغم بعض الإختلافات في حجمها ودور القوى المشاركة فيها. فلماذا هذه الإحتجاجات المتزامنة، رغم عدم وجود رابط مباشر بينها ؟ وهل سيكون الإحتجاج الشعبي هو سمة عامة وغالبة للعصر الحالي، لإحداث التغيير المنشود ؟ وكيف نفسر أن بعض الدول ‘محصنة’ من حدوث إحتجاجات شعبية؟
بدأت الإحتجاجات العربية بعد إهانة التونسي البوعزيزي وإحراقه نفسه؛ وهو ما تولد عنه بعدها في أكثر من بلد، ما أصطلح على تسميته الربيع العربي. وبغض النظر عن تسمية ذلك بثورة أو إنتفاضة أو حراك؛ فإن من المهم النظر إليه كنوع جديد من أساليب التغيير الجماهيري ـ رغم أن الحراك الجماهيري إستخدم ولا زال وسيستخدم في تحقيق مطالبات لهذه الجماهير ـ وإسماع صوتها والصراخ بصوت مسموع للمحافظة على كرامتها. ففي الدول الديمقراطية، كان التعبير الإحتجاجي الواسع، أحد أشكال التحركات الجماهيرية، وهو ما كنا نشاهده في دول عدة كأمريكا (بعد حربي فيتنام والعراق) ودول أوروبية وغيرها، بينما كان من الصعب خروج مثل هكذا تحركات في البلدان العربية ـ مثلاً ـ نتيجة للقمع الذي تلاقيه تحركات كهذه. وبالتالي كسرت الجماهير حاجز الصمت والخوف، وخرجت كرد لكرامتها أولاً وقبل كل شيئ. وتزامن الإحتجاجات عالمياً فمرده إلى العوامل الآتية : الأول هو أجواء الربيع العربي وإمتداداته إقليمياً وعالمياً، وثانيهما هو ثورة الإتصالات العالمية وما تقدمه من تشجيع متبادل بين كل الشعوب (وهذا يفسر كيف تقوم النظم السياسية بتضييق على أنشطة الإنترنت المختلفة)، وثالثهما الضجر الذي أصاب الجماهير من مختلف الأحزاب، وبالتالي تحاول الشعوب ‘ التحرر’ من تقييدات كافة الأحزاب (وهذا يفسر أن الكثير من التحركات الشعبية يقودها شباب، لا إنتماءات حزبية لهم أو أنهم حديثو الإنتماء الحزبي)، ورابعهما الفشل للقيادات التقليدية من كبار السن في قيادة مختلف الأحزاب (وهنا نلاحظ القيادات الشابة في مختلف التحركات الشعبية عالمياً)، وخامسهما محاولة التغيير لأجل التغيير، وخاصة عندما يتولى زمام الحكم حزب لفترة طويلة، حتى لو كانت فترة الحكم ذهبية مقارنة مع سابقتها (حزب العدالة والتنمية في تركيا، حزب تشافيز في فنزويلا) ؛ أو التغيير للزعيم في نفس هذه الحالة هذه (التململ لترشح بوتفليقة لولاية رابعة في الجزائر).
إن تحقيق إنجازات لهذه التحركات، سيجعل منها سمة لكل الشعوب على المستوى العالمي، وستزداد وتيرتها أكثر؛ ولكن إن تم إجهاض بعض تلك التجارب، فسيكون الحنين للماضي هو الطريق الأسلم؛ ومع كل ذلك فلن يعود الدولاب للوراء عند نفس المستوى.
نلاحظ في هذا السياق أن بعض الدول إستفادت من كثرة التغيرات السياسية، في الخارطة الحزبية، أو من تحديد نظام الرئاسة لولايتين فقط، او من نظام مختلط (صلاحيات الرئيس وصلاحيات رئيس وزراء). ففي الولايات المتحدة يتبادل الحكم حزبان رئيسيان، لا يختلفان جوهرياً في بناء النظام الرأسمالي، ولكن هذا التبادل في أغلب فترات الرئاسة، أعطى قطبين قوة دفع كقطبي المغناطيس، كذلك لا يحتفظ الرئيس بأكثر من ولايتين رئاسيتين. في دول أخرى تجد عشرات الأحزاب السياسية والتي لا يستطيع حزب لوحده تشكيل النظام الحاكم، وهو ما يساعد في التخفيف من بروز التحركات الشعبية المنظمة (إسرائيل، كثير من الدول الغربية). كذلك أن وجود برلمانات حقيقية ومنتخبة من قبل أوسع تجمعات جماهيرية، في الدول المتقدمة يساعد بشكل دائم على مراجعة تشريعات وقوانين تلك البلدان؛ لتحاول قطع الطـــــريق عن حدوث إحتجاجات واسعة، فالبرلمان الحقيقي هو باروميتر صادق في قياس مزاج ورد فعل الجماهير، إزاء القضايا المختلفة، خاصة تلك التي لا تهدد الدولة أو مستقبل الشعب.
لقد بقيت الكثير من الدول بمعزل عن تحركات كبيرة أو متواصلة، وهذا يعود لعوامل معقدة، قد يكون من أبرزها: عدم نضوج الوضع الشعبي العام، تداخلات قضايا عدة في نفس البلد، لا زالت بعض الدول تعيش حالة ما قبل الدولة المدنية ؛ فتجد العشائرية والقبلية والمذهبية وغيرها، وهذا يسهم بعدم توافق جماهيري حيال قضية محددة، يرتكز عليها تحركها المزمع.
عبدالله ابو مازن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية