بعدما تناقصت أعداد الإصابات بوباء كورونا، وبعد موجات المهاجرين المتتالية في بحر لا قرار له، وموجات الغلاء، التي أفقدت المتسوق توازنه وأفلست جيبه، تبعث مرة أخرى حوادث السير المروعة وحوادث قتل الأرحام مجددا، حكايات جديدة تنسينا الحكايات السابقة، أو تلهينا عن سابقاتها، هكذا يتشكل روتين القسوة في الضمائر ويدخلها في دوامة لا تنتهي إلا بانتهاء الموجات العنيفة المتتالية، وتبقى الدوامة تكبر، حتى يطل علينا موسم من مواسم الفرح، أو تلك المواسم التي نريد أن نفرح بها ومن خلالها، ومع هذا لا بد من أن يحدث توتر في طريقنا نحو ذلك الفرح النسبي، هكذا تتشنج الفرحة وتتغير ملامحها، فيما يثار في كل مرة من نقاشات حول الاحتفال بالمولد النبوي، الذي يفرح به الصغار قبل الكبار وفيه يعرفون ويكتشفون من خلاله سيرة الرسول الأعظم وحكاية هجرته، مع احتفالات لا تضر أحدا، بل يصر الجميع على أن ينكدوا فرحتنا، لأن الفرح يحتاج لأن ندخل البهجة على النفوس بـ»النفقة» على الأهل والجيران والأرحام، لكن الأسعار المرتفعة تحرم الكثير من التمتع بالطقوس المعتادة، والتشدد الكبير في الفتاوى تنغص اكتمال الفرح الملون بالشموع والحناء والأكل الطيب في ذكرى مولد خير الورى، بعنوان «جدل ودجل حول حكم الاحتفال بالمولد النبوي» ينقلنا كاتب المقال محمد بوالروايح على جريدة «الشروق» إلى مناقشة موضوع الاحتفال بالمولد باعتبار أنه لا توجد «مسألة تنازع فيها المسلمون كمسألة الاحتفال بالمولد النبوي فبعضهم يراه «بدعة منكرة» وحجته في ذلك ما يقرأه في «فتاوى ابن تيمية» أو فتاوى ابن باز وابن عثيمين، وغاية ما في جعبتهم للرد على مخالفيهم أن هذا الاحتفال لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون ولا القرون الثلاثة المفضلة، فكيف يكون مشروعا اليوم؟
ويسرد صاحب المقال أدلة هؤلاء القائلين أن الاحتفال بالمولد بدعة بأحاديث نبوية، ويرى الكاتب أن هؤلاء «يخلطون بين أعمال العادة وأعمال العبادة» ويضيف «نحن في مسائل العبادة مأمورون بالاتباع ليس لنا في ذلك اختيار، فلم تكن هناك حاجة للاحتفال في مولد النبي في القرون الثلاثة الأولى وهو بين صحابته، ولا يمكن الاحتفال به من طرف التابعين الذين كانوا قريبين من زمن النبوة، إلى أن وصل صاحب المقال إلى القول: «هل كان الشيخ عبد الحميد بن باديس مما قرأنا عنه في كتاب «مجالس التذكير من كلام البشير النذير» مبتدعا حينما قال بمناسبة حلول شهر الأنوار ومولد سيد الأنام: «بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى اسم الجزائر الراسخة في إسلامها، المتمسكة بأمجاد قوميتها وتاريخها أفتتح الذكرى الأولى بعد الأربعمئة والألف من ذكريات مولد نبي الإنسانية ورسول الرحمة سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لسنا وحدنا في هذا الموقف الشريف لإحياء هذه الذكرى العظيمة، بل يشاركنا فيها نحو خمسمئة مليون من البشر في أقطار المعمورة كلهم تخفق أفئدتهم فرحا وسرورا وتخضع أرواحهم إجلالا وتعظيما لمولد سيد العالمين»؟
بدا واضحا موقف جمعية العلماء المسلمين من الاحتفال، من خلال رمز آخر من مؤسسيها وهو البشير الإبراهيمي، الذي قال، كما جاء في المقال: «إحياء ذكرى المولد النبوي احياء لمعاني النبوة، وتذكير بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من هدى، وما كان عليه من كمالات نفسية، فعلى المتكلمين في هذه الذكرى أن يذكروا المسلمين بما كان عليه نبيهم من خلق عظيم، إلى أن يقول: «لهذه الناحية نجيز إقامة هذه الاحتفالات، ونعدها مواسم تربية ودروس هداية، والقائلون ببدعيتها إنما تمثلوها في الناحية الميتة من قصص المولد الشائعة؟ كما جاء في المقال ما فصله العلامة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي، من أحكام الاحتفال بالمولد، الذي أعطى له ثلاث صور» فمن اعتقده عيدا كعيدي الفطر والأضحى فقد ابتدع، ومن اتخذه ذكرى للنبي باعتباره نعمة من نعم الله وشكر هذه النعمة بالأعمال الصالحة، فهذا مأذون ومطلوب، ومن اتخذه لإظهار بعض الأمور المباحات كإظهار الملابس الجديدة والمطاعم، ونحو ذلك فهذا في الأصل من الأمور الجائزة، لأنه ليس مما يدخل حيز البدع، فالبدع لا تدخل في العادات ولا في اللباس». يختم الكاتب مقاله بتضايقه من أدعياء السنة «الذين يحرمون ربطة العنق، لأنها من لباس الكفار، لكنهم لا يحرمون أحذية «ريبوك» وروائح «شانل»! ضقنا ذرعا بمن يحرمون الصور على إطلاقها وعندهم آخر ماركات الموبيلات المزودة بأكثر من كاميرا رقمية، فهل يتخذونها للزينة؟ أم أنها من الأمور التي اقتضتها الضرورة؟ فما تفسير هذا التناقض في المواقف والتذبذب في الأحكام»؟
براءة ترنيمة يسوع
تلقفت مواقع التواصل الاجتماعي خبر إقالة مدير الإذاعة الجهوية في قسنطينة، السيد مراد بوكرزازة بتذمر كبير، لا سيما وأن السبب من وراء تلك الإقالة، حسب ما نشر هو بث أغنية فيروز عيّد الليل» الذي قيل إنها تمجد المسيحية، وكما جاء في جريدة «النهار» (التي ينتقدها الكثير من المثقفين وغير المثقفين وينعتونها بشتى النعوت، والتي كانت المصدر الذي نقل الخبر) فإن المدير العام للإذاعة الوطنية، السيد محمد بغالي «أنهى مهام كل من مدير إذاعة قسنطينة «سيرتا» مراد بوكرزازة، ومقدمة برنامج «أغاني الزمن الجميل» عن العمل، مع إحالة كل من مخرج الحصة والتقني العامل على الحصة على المجلس التأديبي، على خلفية بث أغنية للفنانة اللبنانية «فيروز» تمجد خلالها الديانة المسيحية، ومن التعليقات الغاضبة والمستاءة من هذا القرار، تعليق الإذاعية القديرة فاطمة ولد خصال، التي كتبت على صفحتها على «فيسبوك» مخاطبة المدير العام للإذاعة الوطنية: «يا سيدي مدير عام الإذاعة الوطنية اشتغلت بالإذاعة طيلة أربع وثلاثين سنة ولم يوقف أي مدير أو أي مذيع بسبب بث أغنية إلا إذا كانت هذه الأخيرة فيها ما يمس القيم والسيادة الوطنية والأمن والتحريض على العنف، أما أغنية دينية فالإسلام يعترف بكل الديانات السماوية وفي الجزائر هناك مسيحيون تبث لهم في كل الأعياد المسيحية برامج خاصة بهم على أمواج القناة الثالثة، اعتقد أن الخضوع لمثل هذه الاحتجاجات هو إجحاف في حق المستمع وعشاق فيروز كثر، وفي زمن مضى كانوا يستمتعون بهذه الأغنية بالذات ولم يربطوها بدين أو بأشياء أخرى، الجزائر الجديدة عليها أن تكون منفتحة أكثر وإلا سنغرق في كأس ماء، الإذاعة ملك الملايين وليست ملك مجموعة يا سيدي هكذا تعلمنا، لسنا في حاجة إلى محامي كي يعلمنا أصول ومبادئ العمل الإذاعي، عليه أن يدين من يريد أن يسرق منا الوطن».
أما الأستاذ عبد الكريم يانينة، فكتب على صفحته: «ألمانيا تسمح للمسلمين ببث الآذان بمكبر الصوت أيام الجمعة، ومدير الإذاعة الوطنية في الجزائر يقيل مدير إذاعة قسنطينة الروائي والمبدع مراد بوكرزازة لأن التقني أذاع على الثانية صباحا مقطوعة موسيقية لفيروز»ز
أما الكاتب والروائي واسيني لعرج فدون قائلا: «أي جهل هذا؟ الانحدار وصل إلى قاع القاع؟ هل هذه الجزائر الجديدة التي أصبحت تخاف من ظلها؟
لقد تم انهاء مهام الكاتب الروائي المعروف مراد بوكرزازة على رأس الاذاعة الجهوية بسبب بث أغنية / ترنيمة مسيحية» يبدو أن ردة الفعل من هؤلاء وغيرهم فيها بعض التسرع إذا ما أخذنا بعين الاعتبار توضيح وبيان الإذاعة الوطنية الذي تداولته منصات التواصل الاجتماعي والصحف الجزائرية، ومما جاء في البيان، استغراب «إدارة المؤسسة العمومية للإذاعة المسموعة الحملة المشبوهة والمغرضة التي تطالها، والتي تهدف إلى تشويه سمعتها كوسيلة إعلامية عمومية ووطنية عريقة ومحترمة» وتعتبر أن هذه الحملة جاءت نتيجة الجهل التام بحيثيات القضية من جهة ونتيجة «الميل المتسرع إلى الاختزالات غير المهنية عند البعض» لذلك جاء في البيان التوضيحات التالية:
أولا: إن السيد مراد بوكزازة، لم يتم بأي حال من الأحوال إنهاء علاقة عمله مع الإذاعة، بل فقط إعفاؤه من مهامه كمدير لإذاعة قسنطينة، وهو في عطلة طلب الاستفادة منها شأنه شأن أي عامل في الإذاعة، ويبقى صحافيا محترما يمارس مهامه بكل احترام، ويحتفظ بكل حقوقه.
ثانيا: إن إنهاء مهام السيد مراد بوكرزازة كمدير لإذاعة قسنطينة جاء تبعا لتقرير أعده جهاز التدقيق ومراقبة التسيير في المؤسسة بعد زيارة تفتيش لهذه المحطة تمت يوم 27 سبتمبر/أيلول 2021 والذي سجلت فيه اختلالات وأخطاء كبيرة في تسيير شؤون المحطة، وهو التقرير الذي ستترتب عنه موضوعيا اجراءات قانونية أخرى تحتفظ مصالح المؤسسة بحقها في عدم الإفصاح عنها، وأن المعني قد اطلع على سبب إعفائه من المنصب عن طريق مسؤوله المباشر، السيد مدير تنسيقية الإذاعات الجهوية.
ثالثا: تكذب إدارة المؤسسة العمومية للإذاعة المسموعة قطعا أي علاقة لإعفاء مدير المحطة ببث أغنية لأسطورة الطرب العربي فيروز، التي تكن لها الإذاعة الوطنية كل الإحترام والتقدير كواحدة من ايقونات الأغنية العربية والعالمية، وتتشرف الإذاعة الجزائرية بكونها من بين الاذاعات العربية الأكثر برمجة لأغاني المبدعة فيروز تقديرا لإبداعاتها واحتراما لمواقفها المشرفة الداعمة لقضايا الأمة العادلة. رابعا استغرب البيان الكم الهائل من الأكاذيب الذي أحيط بالموضوع المفبرك المتعلق بإقالة أربعة من عمال المحطة، مع أنهم ما زالوا يمارسون عملهم بشكل عادي ولم يتعرض أحدهم لا إلى الإقالة او إلى شكل آخر من العقوبات. والتوضيح الخامس تستنكر فيه المؤسسة الوطنية بشدة محاولات بائسة ويائسة التي هدفت إلى تشويه صورتها أمام الرأي العام العالمي وخاصة عند إخواننا المسيحيين بالدعاء كذبا وبهتانا بأن الأذاعة الجزائرية لها موقف معادي للمسيحية». وجدير بالذكر أن الكثير من ملفات الفساد التي عششت في مؤسسات كثيرة تابعة لقطاعات مختلفة كالثقافة والإتصال وغيرها، قامت بكشفها الخبرات القضائية، هي السبب في كشف المتورطين في فساد ضرب أطنابه في بعض المؤسسات، والتي بدأت تظهر خباياها علنا في وسائل الإعلام المختلفة.
كاتبة من الجزائر