الناصرة ـ «القدس العربي»: افتتحت فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية ومؤسسة عبد المحسن القطان المعرض الفني «من غرفة الأرشيف»، الذي سيستمر حتى الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2019 في مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، وذلك ضمن احتفالية فرقة الفنون بالذكرى الأربعين لتأسيسها. وقدمت فرقة الفنون الشعبية أكثر من 1000 عرض في البلاد والعالم، وأنتجت 12 عملا فنيا راقصا، بالإضافة إلى عشرات اللوحات. كما لها مساهمات كبيرة في تطوير الفنون الأدائية في فلسطين، جامعة بين الأصالة والحداثة، مقدمة الكثير في الحفاظ على الهوية الثقافية الفلسطينية وتطويرها، وتعزيز روح الانتماء والإبداع والعمل الجماعي. كان أول ظهور لها في مهرجان الدبكة في جامعة بيرزيت عام 1979. من أبرز عروضها: لوحات فولكلورية، وادي النفاح 1984، مشعل وأفراح فلسطينية وغيرها.
شارك في افتتاح المعرض العشرات من جمهور وأهالي وأعضاء فرقة الفنون ومؤسسة عبد المحسن القطان. وفي شجاعة لافتة كشفت هذه الفرقة الفلسطينية الرائدة أوراقها الداخلية والعشرات من محاضر اجتماعاتها. في لائحة داخلية، تعرّف الفرقة ذاتها بأنها فرقة فنية غنائية راقصة تستلهم التراث الفني الإنساني عموما والتراث الفلسطيني، خصوصا في بناء عمل فني معبر عن الضمير الشعبي يساهم في عملية التغيير. ويستدل من تابع تجربة هذه الفرقة أنها صدف وتوفقت في تحويل أقوالها لأفعال بمشاريع فنية جميلة وكاوية للوعي. وبعض هذا الأرشيف التاريخي للفرقة يرد بخط اليد، منها ما يتحدث حتى عن العقوبات المستحقة للمخالفات التي يرتكبها عضو في الفرقة، تصل لحد إسقاط عضويته. وفي وثيقة أخرى من قبل عشرين سنة عرضت في المعرض تقييمات لعروض الفرقة في مهرجان جرش، ترد بروح نقدية مهنية صادقة مع استخلاص دروس لمهرجان مقبل في بير زيت.

في الافتتاحية أكدت فداء توما المديرة العامة لمؤسسة عبد المحسن القطان، أهمية المعرض والشراكة مع فرقة الفنون، معبرة عن شكرها للفرقة التي فتحت أرشيفها لأول مرة منذ تأسيسها، كفرصة خصّت بها مؤسسة عبد المحسن القطان. وأضافت: إن هذا المعرض، هو جزء من سلسلة المعارض التي تنظمها القطان سنوياً، للمساهمة مع المؤسسات الثقافية الأخرى في تشكيل أرضية معرفية بديلة، تساهم في صقل هويتنا ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. بدوره، أكد جمال حداد رئيس مجلس إدارة فرقة الفنون على جوهر الشراكة، مضيفاً أن قرار نقل الأرشيف لم يكن قراراً سهلاً، خاصة أن الأرشيف يقدم للجمهور العام للمرة الأولى، مشيرا إلى إن العديد من أعضاء الفرقة أنفسهم لم يتعرضوا لهذا الأرشيف من قبل، ولذا هي تجربة جديدة لفرقة الفنون. مستذكراً في كلمته عضو الفرقة الذي تم اعتقاله خلال مرحلة الإعداد للمعرض حافظ عمر. وقال يزيد عناني قيِّم المعرض؛ مدير البرنامج العام في مؤسسة عبد المحسن القطان، إن فكرة المعرض تعتبر سابقة؛ فليس من السهل أن يعطي طرفٌ طرفاً آخر سوى الوصي على الأرشيف، حق وضع هذه المادة الأرشيفية في ترتيب مختلف، والحق في إعادة بنائه وإعادة إنتاجه، من خلال عملية الاصطفاء والتمثيل الفني، أو السماح للتكنولوجيا بإعادة موضعة الأرشيف وتمثّلاته المادية، والحق في الافتراض والفرض. يشار إلى أن فكرة هذا المعرض بدأت كعملية مقارنة لفحص سياسات الجسد في فلسطين، من خلال تاريخ فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، وانتهى المطاف في خوض عملية استكشاف مطولة ومتعمقة لأرشيف الفنون من عام 1979 حتى اليوم، شملت نسبة كبيرة من أعضاء الفرقة القدامى والجدد؛ خبراتهم وقصصهم، إضافة إلى البحث في تكوين مواد أرشيف الفرقة، والفكر الذي نمى وتشكل ضمن مجتمع محتل ومعتقل ومشرد. ويستدل من معروضات المعرض الفريد أن التنقيب اشتمل في هذا الأرشيف على فتح قضايا قديمة، وفي بعض الأحيان مؤلمة، تكشف الغطاء عن بعض الفترات الصعبة في تاريخ الفرقة، من خلال الروايات الشفهية، الفردية والجماعية، كذلك، غدت هذه العملية فرصة للتأمل الجماعي، من خلال أرشيف الفرقة، في التغيرات القيمية والسياسية للمجتمع الفلسطيني. ويهدف المعرض إلى فتح أرشيف فرقة الفنون، والتركيز على تاريخ اشتباك الفرقة وأفرادها في المشهد الثقافي والمجتمعي والسياسي الفلسطيني.
قامت فرقة الفنون الشعبية بنقل الأرشيف من الغرفتين الصغيرتين في مبنى جمعية أصدقاء المجتمع في البيرة، لعرض غالبيته في مؤسسة عبد المحسن القطَّان في رام الله وتجسدت أهمية ذلك في كون الأغلبية الساحقة من المشاركين في الافتتاح من الشباب.
من غرفة الأرشيف
وقبيل افتتاح المعرض، اكد رئيس مجلس إدارة فرقة الفنون جمال حداد لـ»القدس العربي» أن هذه المساحة بأكملها، كل ما يحيط بنا هنا، هي مجموعة لا متناهية، لا نهايات لها ولا حدود، بحر حيوي لا ينضب من الذكريات. كما قال إنه في هذه المجموعة من أرشيف فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، يلفحنا هبوب أنفاس تاريخها برمته وتابع «هذه مجموعة مليئة بالنجوم المتلألئة، والتأملات، وشذرات من ثقافتنا. أغراض تصرخ بحياة سابقة، محفورة في داخلها. قد تتشكل في فيديو، أو بحر من الصور والوثائق، أو أغراض استخدمها شخص ما في يوم ما». وحقا ينهض ماضٍ ضخم من وراء المنحوتات والتجهيزات، كل الملابس، الجوائز، الرسائل، والنصوص المكتوبة بخط اليد التي لم تستخدم بعد المرة الأولى، لم تفقد شكلها ولم تندثر بعد تخزينها.
في خطوة لافتة، قامت فرقة الفنون الشعبية بنقل الأرشيف من الغرفتين الصغيرتين في مبنى جمعية أصدقاء المجتمع في البيرة، لعرض غالبيته في مؤسسة عبد المحسن القطَّان في رام الله وتجسدت أهمية ذلك في كون الأغلبية الساحقة من المشاركين في الافتتاح من الشباب. وفي ذلك سابقة، أن يعطي طرفٌ طرفاً آخر سوى الوصي على الأرشيف، حق وضع هذه المادة الأرشيفية في ترتيب مختلف، الحق في إعادة بنائه وإعادة إنتاجه، وسلطة إعادة التفسير وهيكلة الأرشيف، من خلال عملية الاصطفاء والتمثيل الفني، أو السماح للتكنولوجيا بإعادة موضعة الأرشيف وتمثّلاته المادية، الحق في الافتراض والفرض.
وبعكس السياسة يؤكد مثل هذا المعرض المهم، أن الثقافة فعلا تبقى حصنا وخط الدفاع الأول والأخير عن الكينونة الفلسطينية، وعن الأمل بغد أفضل في زمن يتحالف فيه الأصدقاء مع الأعداء لتصفية قضية فلسطين الوطنية. وعن بداية هذا المعرض الثقافي الملهم توضح المديرة العامة للقطان فداء توما لـ»القدس العربي» أنه قبلَ أشهرٍ عدة، زارنا عددٌ من أعضاءِ فرقةِ الفنونِ الشعبيةِ الفلسطينية، لنقاشِ فكرةِ معرضٍ من أرشيفِ الفرقة، يتم القيامُ بهِ بالشراكةِ مع المؤسسة. وتابعت «كان الشرطُ حينَهَا، ومن قيِّم المعرض يزيد عناني، هو فتحُ الأرشيفِ بدونَ قيودٍ وبدونَ تدخلٍ من أجلِ إعطاءِ المساحةِ لأيِّ تأويلاتٍ أو تفسيراتٍ قد تنتج. كانت الفكرةُ حينَهَا تطويعَ أرشيفِ «الفنون» للتعرفِ على سياساتِ الجسدِ في فلسطين. وافقت الفرقةُ بدونَ تردد، ولأوّلِ مرةٍ في تاريخِهَا، فتحتْ بابَ غرفةِ أرشيفِهَا بكلِّ تِرحابٍ لمؤسسةٍ من الخارج، للبحثِ والتنقيبِ والعرض». مشيرة الى أن ما نتجَ، لم يكنْ بحثاً في سياسات الجسد، بل شراكةٌ جميلة، واقعيةٌ وحقيقية، بين مؤسستينِ تحتفيانِ بسنواتِ من العمل (أربعون لـ»الفنون» وعشرون لـ»القطان»)، ومعرضاً يُعطي فرصةً للتأملِ في التغيراتِ القيميةِ والسياسيةِ للمجتمعِ الفلسطيني، كانت «الفنونُ» في طليعةِ المعبرينَ عنه.
ردا على سؤال توضح توما أن هذا المعرضُ يأتي لفتحِ أرشيفِ فرقةِ الفنونِ الشعبية، متمثلاً في مشاهدَ بصريةٍ لا تخلو من مؤشراتِ الأمل، رغمَ واقعِ الحياةِ المريرِ تحتَ الاحتلال. وتضيف « على مدارِ أربعينَ عاماً، قدَّمتْ فرقةُ الفنونِ لوحاتٍ فنيةً كان من شأنها أنْ أعادتْ الاعتبارَ للتراثِ الفلسطينيِّ بالتجديدِ والابتكارِ مع الحفاظِ على الأصالة». كما أشارت إلى أن الفرقة قدمت روايةً فلسطينيةً ببعدٍ آخر، عبّر عن الالتصاقِ بالأرضِ والتوقِ إليها، فوحَّدتنا جميعاً ضمنَ سياقٍ تراثيٍ فنيٍ أصبحَ مغناةَ الفلسطينيِّ أينما وُجِد.