الكلام تقليدي في الأصل نعيده حتى نألفه وقد ونكرهه ونَمُجُّه فنلفظه، ونحن نتلفّظ به وقد نفكّر في تجديده لكنّه تجديد عجيب لأنّه لا سبيل إلى إدراكه إلاّ بإعادة تدوير اللغة القديمة. ليس متاحا لنا أن نتصرّف في هندسة اللغة التركيبية، إلا في حدود ما تسمح به قوانين اللغة التي يعسر كسرها من غير أن يتعرَّض منتهكها إلى عقاب. فما تعاقبنا به اللغة أنّها تجعلنا لا نقدر على التواصل مع الآخر، الذي نحاوره لأنّ ذهنه بُرْمِجَ على تشفير أصناف من التراكيب معلومة، فإن غادرناها وتكلمنا بغيرها نزل حاجب بين قولنا وذهنه، وتعطّل فهم الكلام.
هناك شيء يسمّيه اللغويون الجبريّة اللغويّة، يعني أنّنا مجبرون منذ الخلق الأوّل على أن نحذو حذو أجداد أجدادنا في لغتهم التي ابتدعوها لنا وحفظناها جيلا عن جيل، سماعا وإنجازا وتواضعنا على ما استعملوه، لأنّه ليس لنا من بديل إلى التفاهم من غير أن نواضعهم ونصالحهم على ما اصطلحوا عليه.
اللغة لا تخيرك بين أن تستعمل لأداة الكتابة في العربية عبارة (قلم) أو عبارة أخرى إلاّ إذا اختارتها هي لك على سبيل الترادف والترف اللغوي؛ لكن ليس لك أن تختار بين (قلم) وعبارة تبتدعها أنت من عندك. نحن نخترع الأسماء والأفعال حين نحتاجها؛ أمّا الحروف فلا اختراع فيها. الحروف وبعض الأفعال أو الأسماء تنتمي إلى قائمة مغلقة، فلا يمكن لك أن تضيف إليها شيئا؛ قد تنقص القائمة على سبيل الهجر والترك، ولكن لا تضاف إلى القائمة المغلقة عبارة جديدة فهي في قمقم مغلّق.
نحن نخترع الأسماء ونخترع الأفعال حين نكون في حاجة إليها. وأنا أقصد بالاختراع أن تأتي بكلمة لم تكن موجودة أصلا، ثمّ توضع في سياق تداولي جديد لأوّل مرّة. لكن أن نستعير كلمة قديمة لمسمّى جديد فذلك لا دخل له في باب اختراع الألفاظ، هو ضرب من توسعة التسميات لتشمل مسمّيات جديدة، لم تكن من قبل. اختراع المعاني يكون داخل الأنساق اللغوية بواسطة توليفة جديدة من العبارات المركب بعضها مع بعض؛ أي أنّنا نستخدم المواد اللغوية الصوتية والاشتقاقية والتركيبية، وحتى الدلالية القديمة لكي نخترع المعاني غير المألوفة التي ليس اختراعها ترفا بقدر ما يكون حاجة تعبيرية ماسّة لأنّ المتكلم يصف بها رؤية أخرى للكون. ليس متاحا لأيّ كان أن ينظر من زوايا مختلفة للكون ذلك متاح لمن استطاع أن يفتح كوّة كانت مغلقة، أو غير مرئية ليطلّ باللغة منها على الكون.
هناك رأيان في كيفية اختراع المعاني: الأول إدراكي يرى أنّ الإنسان يقول ما يدركه، أو يتمثّله، سواء أكان تمثله له مألوفا أم جديدا؛ والثاني وهو رأي براغماتي نفعي يقارن بين الحاجات الفعلية لاختراع المعاني ومدى استجابة اللغة لها. ولنتطرق إلى الرأي الثاني الذي يرى أنّ ابتداع الأفكار لا يكون إلاّ لحاجة هي التي تستوجب من الناس تحشيد الأدوات اللغوية لها؛ وأفضل مثال ههنا هو الحاجات الفكرية والعلمية، التي هي في الأصل معان جديدة تحتاج أشكالا لغوية معينة للتعبير عنها. لا ينظر التاريخ الرسمي للأفكار، إلا إلى تلك التي أفادت البشرية؛ هي التي يحتفون بها دون غيرها من الأفكار، التي تولد كل يوم في الكلام اليومي. العلوم الصحيحة والأفكار الفلسفية والإبداع الأدبي، هي عادات الأفكار التي تحظى بالعناية وتترك الأفكار اليومية الجديدة.
لكنك وأنت في سوق السمك أو الخضار يمكن أن تسمع البائع مبدعا خارجا عن الأنساق المألوفة في إشهار بضاعته. فمن الممكن أن ينادي السمك بدلا من أن ينادي شاريه ومن الممكن أن يقرن بين السمكة والمرأة، في وصف يتوسّل به إلى إمالة أفئدة السامعين والتأثير فيهم. الأفكار الجديدة هي ضرب من الالتفاف على المعنى القديم والالتفات إلى معنى جديد، وبدلا من أن تنادي الحيّ الشاري يمكن أن تناديه، ولكن من بوابة نداء السمك موضوع البيع. موضوع البيع يصبح هو الرسالة بعناصرها جميعا. يضيق مجال الخطاب ليتّسع إعمال الفكر لدى المشتري من جهة أخرى هي الإغراء والغواية المضمّنة. ولو فرضنا أنّ بائعا للسمك ينادي من أجل بيع سمك الذئب (يسمى أيضا في تونس حلّوف بحر: خنزير البحر) ويريد أن يلعب على الاسمين ليقول مثلا بالتونسية: (يا ذيب يا عجيب أنت حلوف لكنك حلال) في هذا الإطار تبتدع المعاني بواسطة التركيب بين تسميتين قد تكون إحداهما أكثر تداولا من الأخرى، وفيها نوع من الاستفادة من الثقافة الدينية المتواترة، وليست المختصة وفيها ضرب من عجائبية الأحوال: كيف يكون لحما وهو سمك، وحراما وهو حلال.
سنبقى في عالم الحيوان لنرى أنّ ابتداع المعاني أمر يومي ونابع من الثقافة العامية نفسها، بل هو أمر شائع. لنعد إلى الذئب وإلى بعض تسمياته اليوم بـ(نسل الملوك) والحقيقة أنّه من فصيلة الكلبيات التي منها الكلاب. هذا الابتداع في الفكرة والذي يمكن أن نجده في بعض صفحات التواصل الاجتماعي نابع من البحث في سلوكات الذئب عن الأخلاقيات التي ترتفع به إلى مراتب الفصائل العليا، أو الملكيّة من بينها مثلا القول إنّه كان عصيّا على التدجين مثل الكلب، الذي دجّن وبات أهليا وأنّه يكتفي بزوجة واحدة وأنّه لا يأكل أباه أو أمه، ولا زواج محارم.
غير أنّ من المعاني المبتدعة في الفرنسية عبارة تنفي عن الذئب هذه التسميات، وذلك قولهم بالفرنسية C’est là que le loup mange sa mère (هناك أكل الذئب أمّه) وهي مثل يعني عند الفرنسيين المكان البعيد النائي، وعادة ما يكون في تجويف الغابة نائيا متنائيا أظلم ومخيفا. تخلق الثقافات المعاني المختلفة للحيوان الواحد ظنّا منها أنّها حقائقها أو اعتبارا منها أنّ لها سلوكات تقاس على سلوك البشر. لكن ليس في العبارة الفرنسية تجديد في الشكل، فالمعنى مألوف لكنّ الجدة فيه هو في نسبة فعل الافتراس إلى الذئب، غير أنّه افتراس من نوع خاص لأنّه افتراس آثم. إنّ خلع الإثم والرذيلة أو الخلق الحسن والفضيلة على الحيوان هو من المعاني المبتدعة، التي لا تحتاج في اللغة بناء رمزيا لغويا مثل ذلك الذي تحتاجه الرياضيات، أو المنطق حين تهرب من الكلمات العادية والتراكيب المألوفة لتبحث من داخل اللغة، أو من خارجها عن رموز تصنع لغتها المُصَوْرَنَة. على النقيض من ذلك يصنع الكلام العادي رمزه من اللغة ومن داخلها، ولكنّه يجعل العبارات المألوفة مرتبطة برموز ذهنية مشفّرة لا تعرفها إلاّ إذا عرفت مفاتيح الثقافة التي أنتجت تلكم المعاني الجديدة.
من الذئب الملكي إلى الفيلسوف الملكي، وهي عبارة لقب بها بعض الكتاب الفيلسوف توماس هوبز المشهور بعبارته «الإنسان ذئب للإنسان». لم يعتمد هوبز الفكرة الاستعارية، مثلما اعتمدها المثل الفرنسي أعلاه، في سياق ضيق، بل اعتمدها في سياق فكري مداره أنّ الإنسان أناني بطبعه وتحكمه الغريزة الحيوانية، وأنّه لا يمكن أن يتخلص من طبعه المتوحش، إلا بواسطة سلطة سياسية فردانية مستبدة، لكنّها قادرة على أن تهذّب الطبع البشري، وتخلق لديه الحريّة التي لا تكون على حساب الآخرين، حرية تحترم الأمن والسلام.
في هذا السياق من التفكير نشأت المعاني الفلسفية التي كانت في أصلها تأملات ماورائية أو طبيعية، تريد أن تخلق أفكارا جديدة جدّتها في طابعها التأملي، الذي لا يخلو منه تفكير بشري غير أنّه لا يمثل بما هو هنيهات من التفكير شيئا مفيدا.
هناك صنف ثالث من مبدعي الأفكار، هم الفنانون والشعراء يرون ما لا يراه غيرهم وقد يعتقد البسطاء من الناس أنّهم يتكلمون بما لا يفهم ويعيشون ما لا يقال وأنّه من الأفضل لهم أن يسيروا بين الناس ويعيشوا ما يعيشون غير أنّ الإبداع الفني هو رؤى للكون قد تكون مفارقة أو مختلفة تتطلب إبداعا جديدا للمعاني ليس الطريف فيها أنها إبداعات، بل الطريف فيها أنها تقال بلغة مفارقة لليومي، أو هكذا أوهمنا نقاد الفن ذات مرة وما زالوا يوهموننا به.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية.