ثمة اضطراب بين النسبة والتناسب في معدلات الإنتاج الدرامي المصري، والواقع الفعلي لحجم المشاهدة الكلية للمُسلسلات، التي تضاعفت أعدادها بشكل غير متوقع، رغم وجود مخاوف كورونا وتأثيراتها السلبية، فالمُتابع لمؤشرات المشاهدة سيكتشف أن المُنتج الفني هذا العام فائض عن الحاجة، وأن نسب المشاهدة المذكورة في مواقع التواصل الاجتماعي وهمية، وغير صحيحة، فأمام الكم الهائل من العناوين والموضوعات والقصص والشخصيات والأبطال، لا يمكن لأي إنسان مهما بلغت درجة اهتمامه وتفرغه، أن يُلم بكل الأحداث والتفاصيل في الأعمال التي تُعرض كلها في الفترة ما بين الإفطار والسحور، حيث يتطلب هذا الأمر البقاء أمام الشاشة لأكثر من 24 ساعة متواصلة بلا أي فعل آخر غير المشاهدة.
ولأن تحقيق ذلك من المُستحيلات فإن المُشاهد لا يسعه إلا المرور العابر والطواف العاجل على بعض الأعمال اللافتة، أو التوقف لبضع دقائق أمام ما يصادفه أثناء تجوله في القنوات بالريموت كنترول، ولهذا فالمؤكد أن نسب المشاهدة مشكوك في دقتها، والحديث عن تفوق مسلسل ما عن الآخر مجرد لغو، لأنه خارج القياسات الصحيحة لمُعدلات المشاهدة الفعلية. ويمكن القول إن الدعاية المُكثفة للعمل الفني، وتوقيت عرضه وارتباط البعض من الجمهور بنجوم معينين من الأبطال، هي في واقع الحال عوامل ومعطيات تساعد كثيراً على زيادة نسب الإقبال، وتؤدي إلى صعودها من دون أن يمثل ذلك نجاحاً حقيقياً لأي مسلسل، ولا يعني أنه الأفضل على الإطلاق.
ولو اعتمدنا هذه القاعدة فعلينا أن نسلم بأن برامج المقالب والكوميديا الغثة، لأنصاف النجوم من مطربي المهرجانات، هي الأهم والأفضل وهو بالقطع افتراض غير منطقي، لأن رواد المتاحف وجمهور الأوبرا وعشاق الفن الكلاسيكي الرفيع، أقل بكثير من رواد الملاهي والمقاهي والسيرك القومي وحدائق الحيوان، فالكثرة ليست مقياساً للجودة. والمؤشرات السريعة في الخريطة الدرامية الرمضانية، تُنبئ بذلك فمسلسل يحيى الفخراني «نجيب زاهي زركش» وهو مسلسل نوعي تقوم فكرته على التفاعل الإنساني، ويبذل فيه البطل جهداً مُضنياً في التمثيل والإجادة والإقناع، يأتي من حيث المشاهدة في مرتبة متأخرة نسبياً عن مسلسلات الأكشن والحركة والقتل والثأر، وتجارة الآثار والمخدرات، وهناك نماذج واضحة لهذا التفاوت تتمثل في التأثير الجماهيري البالغ لأعمال مثل «نسل الأغراب» لأحمد السقا وأمير كرارة، أو «موسى» لمحمد رمضان وسمية الخشاب وعبير صبري، أو «ضل راجل» لياسر جلال، أو «النمر» لمحمد عادل إمام، وكلها دلالات على وجود خلل في معايير الاستقبال والتذوق، ودوافع الاهتمام بمتابعة هذه النوعيات الدرامية على وجه الخصوص، والتركيز عليها من جانب المنتجين والمخرجين، ناهيك من بعض الاستثناءات ذات القيمة الحقيقية والمصروف عليها بسخاء، لتخرج بالشكل المُبهر، ويتم تسويقها بسهولة في كل أنحاء الوطن العربي وخارجة، لاسيما أن من بينها ما هو مُترجم للغة الإنكليزية كالجزء الثاني من مسلسل «الاختيار» بطولة كريم عبد العزيز وأحمد مكي وإياد نصار وضياء عبد الخالق وأحمد حلاوة والراحل هادي الجيار، فالمسلسل يطرح قضية الجماعات التكفيرية والإرهابية، ودواعي العنف والعنف المُضاد في الصراع الدامي بين الجماعات المذكورة وقوات مكافحة الإرهاب، الذي راح ضحيته مئات الشباب من الطرفين خلال السنوات القليلة الماضية، ولا شك في أن عناية المؤسسات الرسمية بهذا المسلسل وتوفيرها الإمكانيات الفنية والمادية له كافة، قد أسهمت في خروجه بالمستوى الإبداعي اللائق، فضلاً عن طبيعة الموضوع وسخونة الأحداث.
يُثبت هشام سليم كبطل ثان للمسلسل جدارة في التقمص والتأني والتفاعل الطبيعي مع شخصية ضابط المخابرات المُحنك، والتعامل معها باحترافية مهنية، كأنه ضابط حقيقي فائق التدريب والالتزام والإتقان.
وكذلك تأتي عوامل الجذب الفنية والموضوعية في مسلسل «هجمة مرتدة» لأحمد عز وهند صبري، لتؤكد على أهمية الموضوع وصدق الحالة الواقعية، كشروط أساسية لأي نجاح، فالمسلسل يعتمد على وقائع وصور بطولية لجهاز المخابرات المصرية، ويجدد القراءة في التفاصيل التاريخية المجهولة لدى معظم الناس، وهو ما يمثل عودة لهذه النوعية من الدراما المهمة، التي اختفت فترة طويلة من الشاشة الصغيرة، منذ تاريخ إنتاج مُسلسل «رأفت الهجان» لمحمود عبد العزيز ومسلسل «دموع في عيون وقحة» لعادل إمام و«التعلب» لنور الشريف و«الحفار» و«السقوط في بئر سبع» لسعيد صالح وإسعاد يونس وما شابه.
وبالعودة لمسلسل «هجمة مرتدة» نلاحظ الأهمية والعناية ذاتها، في صياغة الأحداث وتتابعها، وبراعة التصوير الخارجي في أماكن موحية بالجو المخابراتي، وحساسية المعلومات المتوافرة وصعوبة الحصول عليها، بالإضافة إلى الغموض المحيط بالشخصيات والأحداث، والحوار المُقتضب الدال على السرية المتناهية في التخاطب والتحرك، وسرعة الانتقال من مكان لمكانن وغيرها من إمارات التميز في الكتابة والإخراج والأداء التمثيلي للأبطال الرئيسيين والثانويين.
ويبرز من بين عناصر التشويق والإثارة، الموسيقى التصويرية والمونتاج والإضاءة والديكور، كما يُثبت هشام سليم كبطل ثان للمسلسل جدارة في التقمص والتأني والتفاعل الطبيعي مع شخصية ضابط المخابرات المُحنك، والتعامل معها باحترافية مهنية، كأنه ضابط حقيقي فائق التدريب والالتزام والإتقان، ولم يقل كمال أبو رية كفاءة عن نظيرة هشام سليم، فهو الممثل المُحترف ذو الأداء الرصين والطابع الهادئ في التفكير والتأمل. وكذلك صلاح عبد الله وماجدة زكي كعنصرين داعمين متميزين، فضلاً عن بقية الوجوه الجديدة من الصاعدين الواعدين الفائزين بالفرصة الأكبر في الماراثون الرمضاني الصعب.
كاتب مصري