ارتدادية البناء العقلي العربي تفتح على أسئلة الحضارة

ظهر الإسلام في بيئة متفتحة على العالم الخارجي، بما كان من تبادل تجاري تنقل بمقتضاه قوافل الجزيرة العربية منتجاتها إلى البلدان المجاورة، وتعود إليها بخيرات تلك الحواضر ضمن حركة عكسية. ومنذ أواخر المنتصف الأول للقرن الأول للهجرة أخذت بيئة المجتمع الإسلامي في التغيّر بفعل الأجناس المختلفة التي دخلت الإسلام، وهي تحمل معها ألوانا من حضارتها الأصلية وطرائق تفكيرها وأساليب جدلها الديني، والتحم كل ذلك في البداية بقصور لغوي حملهم على جهل ما للعربية من مستويات في التعبير، فأفضى الأمر إلى سوء فهم مقاصد القرآن ومعاني آياته والاقتصار على التعامل مع النص القرآني بما ترسموه من آراء، فحدث بذلك خلاف في الأقوال والأفكار، الأمر الذي دفع الصفوة من المسلمين إلى العمل على تعديل المفهوم، فتسلحوا بالجدل وإعمال النظر العقلي، عملا بما دعت إليه آيات كثيرة من نصوص الكتاب المنزل على أفصح العرب، في الحث على طلب العلم والنظر والتأمل والتفكير في خلق السموات والأرض، وأنظمة الكواكب والأجرام العلوية، واختلاف الليل والنهار وتغير الرياح وعجائب البحار، ومعجزة خلق الإنسان وتطوره وتميزه بالعقل والإدراك، وتفضيله على سائر الكائنات وتسخير الجماد والنبات والحيوان لخدمته في ما ينفعه ويرقى بشؤونه في سائر مناحي الحياة المادية الطبيعية والثقافية الأدبية، عدا ما ورد في هذا الكتاب من حوادث التاريخ وأخبار الأمم البائدة والباقية. هكذا ترتبط بداية التفكير الفلسفي عند العرب بظهور القرآن، ومن ثمة فلا يمكن فهم الفلسفة الإسلامية من دون الفهم القرآني للإسلام، نظرا لارتباط الخطاب الفلسفي برسالة الإسلام وتأثره بها، وتظهر إسلامية الفلسفة العربية في الظروف التي مهدت لها، وفي المشاكل’التي عالجتها وفي غاياتها وأهدافها، وهي إسلامية بما جمعه الإسلام في باقتها من شتى الحضارات ومختلف التعاليم.
وقد مكن انتشار لغة القرآن بين الشعوب التي شملتها الفتوحات الإسلامية من اختلاط سكان البلاد الأصليين بالعرب الفاتحين ودخول العناصر اليهودية والمزدكية والمانوية والمسيحية في صلب التفكير الإسلامي، وكان لبعضها اطلاع مهم على الفلسفة اليونانية، خاصة النصارى منهم، ففي هذا الجو الفكري والسياسي نشأت الفرق، وتصادمت، وتكونت المذاهب الفقهية وظهرت الترجمات عن اليونانية والفارسية والهندية، لتثري الثقافة العربية الإسلامية ومكونها الداخلي، وأثّرت هذه الروافد الفكرية إلى حد كبير في بنية الفكر العربي الإسلامي نظريا وعمليا، شكلا ومضمونا، ومن جهة التكوين والتحصيل، وإن لم يتقبل مجمل ما ورد فيها من جهة المنحى الغالب على قواعد التكوين وقواعد التحويل، ولكنها مع ذلك ساهمت في توجيهه صوب وجهة في الفهم جديدة لم يألفها من قبل.
بــدا حينئذ مفهوم العلم في البيئة الثقافية العربية الإسلامية في طورها الأول مفهوما مطلقا وواسعا لتعدد مصادره وأصول تحصيله وتداخل مسالكه، إذ تأسست رؤى المعرفة منذ التئامها في القرنين الهجريين الأولين، على الأقل، على فصل واع بين مركزيتين ثقافيتين، مركزية ثقافية عربية إسلامية قامت على العلوم الشرعية، الغايات منها والأدوات المساعدة عليها ومركزية ثقافية أعجمية، هيلينستية’المنحى اطلع عليها العرب منتظمة أو قابلة للانتظام، إلى حد قد يعسر معه أن يحدد الدارس أي عنصر ثقافي من عناصرها. وإنّ في ذلك ترسيما للفهم القائم على أنه من شيمة الفلسفة، بما هي وعي نظري بالعالم أن تهاجر من موطنها الأصلي بسبب حاجة الوعي المجتمعي في أمة ما إلى الفلسفة، لكن هجرتها لا تنفي إطلاقا خصوصية امتلاكها أو توظيفها، الذي يحدد خصوصية انتقال المعارف والمناهج الفلسفية هو طريقة وعي المشكلات التي تظهر لدى هذه الأمة أو تلك، بل يمكن القول من جهة المنحى الغالب على تاريخ الفكر الفلسفي، ان انتقال الفلسفة من حضارة إلى أخرى يعتبر مقدمة في كثير من الأحيان لصياغة وعي فلسفي ذاتي قد يختلف عن الأصل، استجابة للمشكلات المتعينة في هذا الوسط الحضاري أو ذاك.
هــذا وقد اقترن بلوغ علم الكلام مستوى معينا من العقلانية والتجريد في أوائل القرن الثاني للهجرة مع بروز مزيد من الحركات المناوئة للعقيدة الإسلامية، ذلك أن الواقع الذي ساعد على الرقي في سلم التجريد هو ذاته الواقع الذي أفرز مزيدا من التيارات’ذات النزعات الفكرية المختلفة والمناوئة عن عمد أو عن غير عمد للعقيدة القرآنية.
إنها حينئذ مرحلة أولى تردّدت فيها الفلسفة الإسلامية منذ استقلالها النسبي (مرحلة الكندي القرن الثالث هجري) بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية، واضطرت للاعتراف بكلتا الحقيقتين، مع محاولتها نفي التعارض بينهما بالتوفيق بين الحكمة والشريعة – الوحي والعقل، وهو ما وضع الحدّ الفارق بين مرحلة علم الكلام المعتزلي، ومرحلة وجود فلسفة عربيـة إسلامـية مستـقلّـة، ويظهـر ذلـك جليا مـع الكندي، الذي ظل محافظا على ارتباطه الوجداني بالمسلمات اللاهوتية مقربا بين الدين والفلسفة، ومؤسسا لمشروع توفيقي سوف تكتمل محدّداته شكلا ومضمونا مع خلفه أبي نصر الفارابي.
بدا حينئذ أنّ واقع التحدّي بالنسبة للفكر الإسلامي في تلك الفترة يتمركز في مدى عقلانية هذا الفكر ومدى مسايرته للمطامح الإنسانية المتغيّرة، مما يعكس الطابع العقلاني الذي أخذ يتشكل في تلك المرحلة من تاريخ المسلمين ويطبع واقعهم الثقافي. ومن ثمّ فإن التقاء الفلسفة بالدين كان لا بدّ أن يتمّ’ نظرا لظهور قصور في المنهج عند المتكلمين الذين لم تتح لهم الحرية الكاملة في استخدام أسلوب التبرير العقلي لأركان العقيدة وقضايا’ الدين، فاتخذ هذا الالتقاء صورة التوفيق بين النقل والعقل والتعايش الذي لا مفرّ منه بين طروحات العقل واستدلالاته المنطقية، ومسلمات الوحي والعقيدة القويمة، أو بين ‘صحيح المنقول’ ‘وصريح المعقول’، لأنّ تماسك الأفكار العلمية والفلسفية والدينية كان كذلك من مطالب البيئة الثقافية العربية الإسلامية المزدوجة البنية الذهنية، من طريق الجمع بين مركزيتين ثقافيتين- مركزية ثقافية عربية اسلامية قائمة على العلوم العربية أو الشرعية أو النقلية برافديها: العلوم السياسية والعلوم المساعدة، ومركزية ثقافية موروثة عن ثقافات سابقة وموسومة بالعلوم الأعجمية أو العقلية أو الحكمية أو بعلوم الأوائل.
يستوجب منّا الحديث عن تأصيل الفكر العقلاني في البيئة الثقافية العربية الإسلامية الإلمام بالشروط الموضوعية التي أنشأته، ويبدو أنّ الاجتهاد بالرأي في الأحكام الشرعية هو أوّل ما ثبت من النظر العقلي عند المسلمين، وقد نما وترعرع في رعاية القرآن وبسبب من الدين. ونشأت منه المذاهب الفقهية وأينع في جنباته علم فلسفي هو علم ‘أصول الفقه’ من جهة استنباط الأحكام بالنظر والتدليل، الذي لا يدّخر جهدا قياسيا أو استدلاليا أو برهانيا، وفي مثل هذه البيئة ظهر التصوف وكل ذلك قبل أن يتأثر الفهم بالفلسفة اليونانية، ويتوجّـه النظــــــرالعقلي عند المسلمين إلى البحث في ما وراء الطبيعة، الفيزيقيا والميتافيزيقيـا، وفي الإلهيات والطبيعيات والمنطقيّات والرياضيات. ليتوافق حينئذ علم الكلام حينما بلغ نضجه في مرحلته الاعتزالية مع الفكر الفلسفي’من جهة فسحه للعقل مجالات التفكير وتحصيل المعرفة حتى في ما وراء الطبيعة.
ولمّا’كانت المعرفة جماع تبادل في الأدوار وحصيلة خبرات فكرية وعلمية وتقنية تسعى مجتمعة إلى تحقيق بقاء الجماعة، وضمان وجودها، فإنّ هذا الفهم الغالب على الأذهان أدّى إلى إنتاج بيئة ثقافية عربية إسلامية تبحث عن غايات العلم ومقاصدها، وعلى أساس ذلك تميّز بين مستويات العلم وتراتب مصادره ومراجعه طلبا للملاءمة بين مطالب العلم ومطالب أخلاق العلم، ومهما كانت خصوصية التاريخ الإسلامي، فإنّـه لا يمكن أن يشذّ عن قوانين التطور العامة، ولا يمكن أن يكون الفكر العربي الفلسفي وغير الفلسفي قد نشأ ونما وتطوّر بمعزل عن نشوء وتطوّر المجتمع العربي الإسلامي، فهناك حقيقة تاريخية لا يجادل فيها أحد، وهي أنّ المجتمع العربي قد بلغ أوج تقدّمه في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وأنّه كانت هناك قوى اجتماعية معيّنة هي التي قادت هذا التقدّم.
ولئن نجحت الفلسفة الغربية المعاصرة في استقطاب، وتطويع الاهتمام الفلسفي من خارجها لأجندتها، فإنّـها لم تبرهن كثيرا على تعدّد في ‘ ‘المصادر المعرفية والحضارية، ومسايرة لتطوّر الإنسانية نحو التعبير أكثر فأكثر عن الهويات الفكرية الجماعية المتعددة، بما في ذلك الإسلامية. والمفكر العربي مدعو اليوم الى اقتحام العلم العقلي للكشف عن مخبآته وغرائبه فيسمح لفكره بأن يتخلص من ‘الفردية’ موطن’النرجسية، ومن الاطلاقية مجرى المزالق الفكرية، ليتصف بـ’الجماعية’ وليطرح الأفكار ويتبادلها ويكون محلا للحوار بأن يتفاعل ‘مع المجتمع لينتج فكرا جديدا، وهو نزوع تيسّره كثيرا وحدة تجارب الجماعات البشرية دينيا وتاريخيا وسياسيا، كما هو الشأن في دار الإسلام قديما، وإن اختلفت تركيبة فئاتها الاجتماعية وتنوعت مطالبها وتعدّدت رؤاها وتفاوتت عناصر المجانسة والمغايرة بينها. وإنّــه لمطلب حضاري من صميم المشاغل الفكرية المعاصرة يستمدّ مشروعيته ومعقوليته من مدى جدواه في تنظيم التفكير في أصول الممارسة المعرفية الثقافية ومصادرها وفي تأسيس مقوّمات الفهم وأدواته ومن مدى اسهامه في التئام مكوّنات البيئة الثقافية العربية الإسلامية برؤاها المعرفية والثقافية المختلفة حاضرا ومستقبلا. ‘
باحث في الحضارة – تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية