تتضاعف أوضاع النازحين في كافة مناطق قطاع غزة، سوءا بعد الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية الأساسية داخل الأسواق الشعبية المنتشرة على أبواب مراكز النزوح، والصدمة الأكبر أن أسعار السلع تضاعفت 10 مرات للعديد من المنتجات الغذائية، ويجد النازحون صعوبة في الحصول على تلك المواد نتيجة شح المساعدات المقدمة، إلى جانب عدم توفر بضائع داخل المحلات التجارية، نتيجة إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر التجارية مع قطاع غزة، مع اندلاع شرارة الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وتزداد معاناة النازحين مع غياب أي دور حكومي فعال في مناطق شمال قطاع غزة للحد من حالة الاستغلال التي يقوم بها التجار، بينما هناك دور محدود للحكومة في مناطق جنوب قطاع غزة لملاحقة التجار الذين يستغلون حاجة النازحين خاصة ممن قدموا من مختلف مناطق مدينة غزة، والعمل على رفع أسعارها لكسب المال، لكن هذا الواقع الصعب دفع بالكثير من المواطنين خاصة الذين يتضورون جوعاً، إلى مهاجمة شاحنات المواد الغذائية التي تعبر من الجانب المصري كمساعدات للنازحين، لكن هذه المحاولات المتكررة للهجوم عليها من قبل مئات الشبان، يعيق من تسهيل وصول المساعدات إلى العائلات النازحة، والتي هي بحاجة ماسة لاستمرارية التزود بالطرود الغذائية.
وينتشر الجوع بين الغزيين بشكل كبير مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة للشهر الثالث على التوالي، وتعمد الاحتلال استهداف المدنيين وتعميق معاناتهم الإنسانية. حيث قال المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين فيليب لازاريني، إن النظام المدني ينهار في قطاع غزة، والنازحون يموتون جوعاً بسبب البرد الشديد وصعوبة وصول المساعدات إلى كل عائلة نازحة، نتيجة الهجمات اليائسة على شاحنات المساعدات الإنسانية.
وأوضاع المواطنين من نازحي غزة غاية في الصعوبة، خاصة من نزحوا من المدينة إلى جنوب القطاع، وتركوا ما قاموا بتخزينه منذ بداية الحرب من مواد تموينية نتيجة الاجتياح البري وإجبار السكان على النزوح جنوباً، وما يزيد من معاناتهم إغلاق البنوك في قطاع غزة أبوابها منذ بداية الحرب، عدا عن استهداف الاحتلال الإسرائيلي البنوك التابعة لحماس في غزة، وصعوبة تلقي الموظفين سواء من حكومة حماس أو السلطة في غزة مستحقاتهم المالية الشهرية بانتظام، وهذا ما زاد من تذمر المواطنين الذين باتوا عاجزين عن تلبية حاجاتهم الأساسية، خاصة في ظل حالة الغلاء الفاحش في الأسعار.
ومن أبرز المواد الغذائية الأساسية التي تشهد أسعارها ارتفاعاً حاداً، الطحين حيث وصل سعر الكيس الواحد وزن 25 كيلو غراما إلى 600 شيكل، بعدما كان سعر الكيس في الوضع الطبيعي 30 شيكلا، يضاف إلى ذلك غلاء أسعار الرز الذي وصل الكيلو إلى 80 شيكلا بدلاً من 9 شواكل، أما أسعار زيت الطعام فوصل سعر اللتر إلى 22 شيكلاً بدلاً من 7 شواكل، كما أن القهوة التي يزداد اقبال المواطنين على شربها ارتفعت أسعارها بشكل كبير، ووصل سعر الكيلو إلى 120 شيكلا بدلاً من 40 شيكلا، عدا عن ارتفاع أسعار الخميرة وملح الطعام والسكر والعديد من المواد الأخرى.
مجاعة حقيقية بين النازحين
في أحاديث منفصلة لـ«القدس العربي» عبر عدد من المواطنين في محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، عن امتعاضهم الشديد من حالة الغلاء الفاحش في أسعار المواد التموينية، وانتظار المؤسسات الإغاثية تزويدهم بها من أجل سد رمق جوعهم، في ظل تفشي مجاعة حقيقية بين النازحين في كافة مناطق القطاع، نتيجة الحصار الخانق ومنع الاحتلال تدفق إدخال المساعدات الغذائية وربط ذلك بالتطورات السياسية والميدانية.
المواطن فهد النحال يشتكي من ارتفاع أسعار المواد التموينية داخل الأسواق بشكل عام في مناطق جنوب القطاع، وغياب الرقابة الحكومية عن ضبط الأسعار من خلال القيام بجولات ميدانية، ومعاقبة التجار الذين يستغلون عوز النازحين من مدينة غزة، إلى جانب حماية قوافل المساعدات من الاعتداء عليها، وما يؤثر على شح تدفق المساعدات بشكل كاف ومستمر للنازحين داخل مراكز الإيواء.
ويشير النحال إلى أنه أجبر على شراء كيس من الطحين بسعر 350 شيكلاً من أحد التجار، على اعتبار أن تواجد الطحين ينقذ عائلته من خطر الموت جوعاً، بعدما انتظر أسابيع على تسليم الأونروا الدقيق، لكن لم يجد انتظاره نفعاً، نتيجة مماطلة الأونروا في التوزيع، مع تزايد الخوف من الهجوم على المستودعات وسرقة الطحين من قبل بعض الشبان.
وأضاف أن غلاء الأسعار يزداد يوماً تلو الآخر مع توسيع الاحتلال عملياته العسكرية في جنوب قطاع غزة، وانتقال الكثير من التجار والباعة إلى مدينة رفح، واستغلال بقية الباعة والتجار حاجة المواطنين في رفع أسعار المواد الغذائية، لاسيما المعلبات التي يزداد الإقبال عليها كمصدر أساسي في ظل غياب اللحوم الطازجة من الأسواق، والعديد من أصناف الخضروات اللازمة في إعداد الطعام.
أما المواطن يوسف جرس، فقد بات غاضباً من الارتفاع الكبير في أسعار حليب الأطفال، إذ لم يتمكن من شراء الحليب الذي زاد سعره أضعافاً، والخوف يزداد من تدهور الوضع الصحي لطفله الذي لم يتجاوز عمره الأربعة أشهر ويعتمد على الحليب الاصطناعي.
ولفت في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن هناك استغلالا من قبل أصحاب بعض المحال التجارية الخاصة ببيع الملابس الشتوية، ويجد النازحون صعوبة في شراء الملابس لارتفاع أسعارها، وهذا زاد مع المعاناة في ظل التقلبات الشوية والطقس البارد، وعدم توفر أغطية لمئات النازحين، حتى أن مراكز النزوح المجهزة بقطع من القماش والنايلون غير مؤهلة للعيش، ولا تحمي المواطنين من برد الشتاء.
وبين أن التجار لا يوجد لديهم مبرر لرفع أسعار المواد الغذائية بهذا الشكل، خاصة وأنهم يقومون بشراء المواد الغذائية بكافة أصنافها من المواطنين بأسعار منخفضة، والذين يستلمونها بدورهم من المؤسسات الإغاثية التي تقدم الدعم للنازحين، وبالتالي يتعمد التجار بيعها بأضعاف دون مراعاة لظروف النازحين الإنسانية، التي تزداد سوءاً مع استمرار الحرب وغياب مصادر الدخل بالنسبة لشريحة الموظفين.
إغلاق كافة
معابر غزة التجارية
وفي تعقيب له على حالة الغلاء الفاحش في أسعار العديد من المواد التموينية، يقول التاجر أبو أحمد «إن الغلاء في بعض الأسعار ناتج عن عدة عوامل رئيسية ومنها، توقف الاحتلال إدخال المواد الغذائية بكافة أصنافها بعد إغلاق كافة المعابر التجارية في غزة، بالإضافة إلى أن غالبية البضائع نقوم بشرائها بأسعار مرتفعة من الشبان الذين يقومون بعمليات سطو على المخازن وشاحنات المساعدات، عدا عن تكلفة النقل المرتفعة جداً للبضائع في ظل عدم توفر السولار الخاص بتشغيل المركبات».
وأوضح في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن التجار يخاطرون بحياتهم خلال التنقل لشراء البضائع، وعرضها في الأسواق التي تعمل تحت أزيز الطائرات والقصف المتواصل والعشوائي للمدفعية الإسرائيلية، لذلك «نحاول كتجار رفع بعض الأسعار بدلاً عن المخاطرة التي نتعرض لها وهذا يغضب المواطن المستهلك، ولكن الأوضاع المتوترة تفرض علينا العمل في ظروف مغايرة عن الواقع الطبيعي».
ولفت إلى أنه في حال كانت السلع الغذائية متوفرة بشكل كافي للمواطنين والنازحين، فإن أسعارها تنخفض ولو قليلاً، وهذا الانخفاض يأتي نتيجة ضعف الإقبال على الشراء، وبالتالي «نضطر كتجار لخفض الأسعار لتسويقها، والخشية من فقدانها من جراء القصف العشوائي للمستودعات، أو الإجبار على النزوح إلى مناطق أخرى».