غزة ـ «القدس العربي»: لم يول الفلسطينيون سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، والفصائلي على اختلاف آرائهم، اهتماما كبيرا بالانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي عقدت مطلع الشهر الجاري، للمرة الخامسة خلال أربعة أعوام، ولم يفاجئوا كذلك من صعود أحزاب اليمين المتطرف، ليقينهم بأن الأحزاب المتنافسة على تشكيل الحكومة المقبلة، سواء اليمين واليمين المتطرف، أو الوسط واليسار، لن تأتي بأي جديد لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا يتماشى مع القانون الدولي، ويضمن حقوق الفلسطينيين، والمهجرين والذين يعانون من ويلات الهجمات الاستيطانية وتلك التي ينفذها جيش الاحتلال، والتي ترتقي لمستوى «جرائم الحرب».
وبعيدا عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فقد اهتم الشارع الفلسطيني أكثر، خاصة على المستوى التنظيمي والشعبي، في متابعة أحداث الميدان الملتهبة في شمال الضفة وفي مناطق الجنوب، والتي أوصلت عبر المقاومة المسلحة، رسائل عدة لإسرائيل، ركزت على أن الصمت على جرائم الجيش والمستوطنين لم يعد مقبولا، وأن التهرب من إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه، لن يقود إلا لمزيد من المواجهة.
ويأتي ذلك لتيقن الفلسطينيين، أن حكومات إسرائيل التي تعاقبت منذ التوقيع على «اتفاق أوسلو» للسلام، في العام 1993 بما فيها الحكومات اليسارية، ومن ثم اليمينية، وتلك التي اشتركت فيها أحزاب اليمين واليسار والوسط، لم تنه الاحتلال المفروض على مناطق 67 كما أنها لم تتوقف عن سياسات القتل والإعدام الميداني، ومصادرة الأراضي لصالح الاستيطان، وفرض الوقائع على الأرض في القدس المحتلة، لتغيير معالمها الأصلية، وكذلك شن الحروب وفرض الحصار على قطاع غزة.
ويعلم الفلسطينيون جيدا أن التركيبة المقبلة لحكومة الائتلاف في تل أبيب، لن تكون بعيدة في جوهرها عن تلك السابقة، خاصة وأن الأحزاب الرئيسية المتنافسة، لم تخف برامجها الانتخابية أمام جمهورها المتطرف، حرصها على الاستمرار في سياسة التوسع الاستيطاني، وتمرير مشاريع جديدة، ونهب أكثر لأراضي الفلسطينيين، والاستمرار في نهج «القبضة الحديدية» في التعامل مع الفلسطينيين.
وفي دلالة على هذا الأمر، قام قادة الأحزاب الرئيسية في الحكومة الانتقالية الحالية، وهما يائير لابيد رئيس الحكومة، ووزير جيشه بيني غانتس، بالإعلان عن استمرار نهج التعامل العسكري مع الفلسطينيين، وطبقوا ذلك عمليا في الأيام الأخيرة، بهدف كسب ود جمهور المستوطنين، من خلال شن عمليات عسكرية دامية ضد العديد من مناطق الضفة، وفرض الحصار عليها، وكذلك المصادقة على توسعة المستوطنات وإقرار مشاريع جديدة، وهو أمر تعهد به غانتس لقادة المستوطنين مؤخرا، علاوة على استمرار نهج التعامل العسكري مع غزة، وإن كانت جبهتها الميدانية هادئة في هذا الوقت.
وفي دلالة على أن موقف لابيد وغانتس، لم يختلف عن سابقهم بنيامين نتنياهو، لم يقبل رئيس الحكومة الانتقالية منذ ان كان وزيرا للخارجية عقد أي لقاءات سياسية مع الفلسطينيين، وتحديدا مع الرئيس محمود عباس، رغم الكثير من التدخلات الدولية، كما أنه لم يعمل على تحقيق «حل الدولتين» أو يقبل بإطلاق مفاوضات ترتكز للقرارات الدولية، رغم زعمه الموافقة على هذا الحل، بما يعني أن أقواله تخالف أفعاله على الأرض.
وجاء ذلك في وقت وضع فيه قادة أحزاب اليمين مثل «الليكود» بقيادة بنيامين نتنياهو، و«الصهيونية الدينية» وهو حزب يميني متطرف، برئاسة بتسلئيل سموتريتش، وحزب «عظمة يهودية» المتطرف بقيادة ايتمار بن غفير، الفلسطينيين شاخصا لرمي سهامهم، من أجل الحصول على أعلى الأصوات والمقاعد في «الكنيست» فتعهدوا بتوسيع الاستيطان، وعدم السماح للفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة.
أثر الفاشية على الفلسطينيين
ولذلك يرى الفلسطينيون في الحكومتين الإسرائيليتين المتوقع تشكيلهما، إما من اليمين واليمين المتطرف الأقرب لها، أو من الوسط واليسار، وجهان لعملة واحدة، في نكرانها حقوق الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة، وبأي وجود فلسطيني رسمي في القدس المحتلة، علاوة عن اشتراكهم في السياسات الاحتلالية القائمة على القمع والقتل، وهو ما ظهر في خطابات قادة هذه الأحزاب أثناء الدعاية الانتخابية، ما يؤكد أن التغيير الإسرائيلي في الحكومات والخاص بالملف الفلسطيني، يكون فقط تغيير وجوه لا تغيير سياسات.
وفي دلالة على أن سياسات الحكومات الإسرائيلية لا تتغير في النهج المتبع مع الفلسطينيين، بل أنها تتجه دوما صوب المعاملة الأسوأ، كانت لجنة التحقيق الدولية المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أشارت في تقرير قدمته قبل أيام للجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى وجود استنتاجات تؤكد أن سياسة إسرائيل تقوم على أساس «ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية» بحق الفلسطينيين، وأكدت أيضا أن الاحتلال «غير قانوني».
وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية قال معلقا على الانتخابات الإسرائيلية إن هذه الانتخابات لن تأتي بشريك للسلام، مطالبا دول العالم أن تطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم أن يقف ويعلن أنه جاهز لإنهاء الاحتلال، وأنه جاهز لإنهاء الصراع، وأن يعلن التزامه بحل الدولتين على أساس الشرعية الدولية، لافتا إلى أن الفرق بين الأحزاب الإسرائيلية كما الفرق بين الببسي كولا والكوكاكولا، وأكد أن صعود الأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة في الانتخابات الإسرائيلية كان «نتيجة طبيعية لتنامي مظاهر التطرف والعنصرية في المجتمع الإسرائيلي، والتي يعاني منها شعبنا منذ سنوات؛ تقتيلا، واعتقالا، وتغولا استيطانيا، واستباحة للمدن والقرى والبلدات، وإطلاق العنان للمستوطنين وجنود الاحتلال لارتكاب جرائمهم».
وأكد أنه لم تكن هناك أي أوهام فلسطينية بإمكانية أن تفرز صناديق الاقتراع في الانتخابات الإسرائيلية شريكا للسلام «في ضوء ما يعانيه الشعب الفلسطيني، من سياسات وممارسات عدوانية، لا تقيم وزنا للقرارات والقوانين الدولية».
وبدوره قال المتحدث باسم حركة فتح منذر الحايك، «إن توجُه المجتمع الإسرائيلي باتجاه التطرف، واختيار الأحزاب اليمينية الإرهابية لن يحقق الأمن والاستقرار» وأكد أن جميع الحكومات اليمينية السابقة «فشلت في تغيير الوعي الفلسطيني ومحاولات تقديم الرشاوي الاقتصادية، الأمن والاستقرار يتحققان بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والانسحاب من الأراضي المحتلة».
أما حركة حماس فعلقت على الانتخابات على لسان الناطق باسمها حازم قاسم، الذي أكد أن الانتخابات جرت بين أحزاب اليمين الصهيوني المتطرف والأكثر تطرفاً، وقال إنها «تجمع على استمرار العدوان على شعبنا» مؤكدا أن التعويل على نتائج الانتخابات يعد «غباء سياسيا» وقال إن الشعب الفلسطيني سيواصل نضاله المشروع ضد الاحتلال في كل الأحوال، وأضاف «المقاومة هي القادرة على دفع الاحتلال للتراجع وصولاً لدحره عن كامل أرضنا الفلسطينية».
من جهته قال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش إن صعود تيار اليمين المتطرف في انتخابات الكنيست، «عبر بوضوح عن انزياح المجتمع الصهيوني نحو التطرف والعنصرية، في رسالة واضحة لكل اللاهثين والواهمين خلف سراب التسوية» مؤكدا أن دولة الاحتلال لا تؤمن بالتسوية «إلا بمقدار ما تحققه من مصالح لها ولمستوطنيها وللأمن القومي الصهيوني».
أما الجبهة الشعبيّة فاعتبرت أن نتائج الانتخابات الأولية لـ «الكنيست» لا تحمل جديدًا، وقالت إنها تعد «تعبيرا جليا عن الخريطة السياسيّة الحزبيّة فيه، وتعكس التوجهات اليمينيّة والفاشيّة للمجتمع الصهيوني العنصري» وأكدت أنه لا فرق بين معسكري اليمين المتصارعين في ضوء تشابه برامجهما ومواقفهما وخصوصًا من القضية الفلسطينيّة، وأضافت «لكن صعود الأكثر عنصرية من المتطرفين والفاشيين وتقدّمهم في هذه الانتخابات، وتغلغلهم في مؤسسات صنع القرار السياسي الإسرائيلي يوجّه صفعة قوية للمراهنين على أي حلولٍ سلميةٍ مع الكيان الصهيوني المتطرّف».
فيما قال مصطفى البرغوثي الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، إن «صعود الفاشية» كان أخطر ما أفرزته الانتخابات الإسرائيلية والتي أظهرت أن المنظومة الحاكمة في إسرائيل «انتقلت من العنصرية المتطرفة إلى العنصرية الإجرامية» وأشار إلى أن حصول «الأحزاب الفاشية» الذي يقودها بن غفير وسموتريتش على المركز الثالث وزيادة أصواتهم بنسبة 150 في المئة «يعني أن المستعمرين المستوطنين في الضفة الغربية أصبحوا قوة حاسمة في الانتخابات الإسرائيلية، وهم يقررون السياسات الإسرائيلية، بما في ذلك طموحات بن غفير للتطهير العرقي ضد الفلسطينيين وضم الضفة الغربية».
وأعطت تصريحات المسؤولين الفلسطينيين، إشارة تؤكد استمرار العمل السياسي والميداني للتصدي للاحتلال، وإنذارها في ذات الوقت من مغبة الاستمرار في نهج الاستيطان والقتل، والذي يدمر آمال وأحلام الفلسطينيين بإقامة الدولة المستقلة.
والجدير ذكره أن إسرائيل اعتادت على أن تكون في الانتخابات البرلمانية السابقة، التي أجريت خلال السنوات الأربع الأخيرة، (الانتخابات الحالية هي الخامسة خلال أقل من أربع سنوات) أن تكون الأحداث الساخنة على جبهة غزة، حيث كانت هناك فعاليات «مسيرات العودة» وما تخللها من تصعيد ميداني عسكري، كان يدوم لأيام، ترد فيها المقاومة الفلسطينية على الغارات الإسرائيلية باستهداف مستوطنات غلاف غزة، فيما جاءت هذه الانتخابات وقد انتقلت الأحداث الساخنة إلى الضفة الغربية، في تأكيد فلسطيني جديد على رفض سياسات الاحتلال القائمة على التوسع الاستيطاني والقتل والتدمير.