ينفتح حازم القرطاجني في تعريفه للشعر على مدونة النقاد القدماء والفلاسفة، ممن تناولوا مفهوم الشعر وطبيعته، مرتكزا على عنصري الوزن والمحاكاة، في فهمه للقول الشعري ووظيفته. لكن الوزن وحده لا يكفي- في نظره- لإقامة الشعرية، إلا إذا توافرت معه، وبحافزٍ منه، مُقدمات الأثر الشعري، ولاسيما التناسب.
التناسب شرط الإيقاع
ينتج التناسب عن الوزن، وعن العناصر المتقابلة في الأصوات اللغوية المفردة والتراكيب المبنية على نسق مُطرد، وبالتالي يؤثر في تنظيم البناء اللغوي للشعر، مثلما يشد المتلقي إليه. ومن خلال التناسب، صوتيا وتركيبيا، ينشأ الإيقاع مُصاحَبا بإلذاذٍ وتعجيبٍ مُحركين لنفس السامع، وكلما كان هناك تنوعٌ في تشكيل الوزن والتباعد بين العناصر المتماثلة كان ذلك أخف على النفس وأبلغ أثرا فيها، و»استجدادا لنشاط السمع بالنقلة من حال إلى حال».
هذا هو السبب في إلحاح حازم في (المنهاج) على التناسب في تصوره للوزن والإيقاع، بدءا من الحروف التي إذا حسنت حسنت الفصول، وإذا كان كل فصلٍ متناسبا في ذاته فينبغي أن يكون متناسبا مع غيره؛ فيرى أن تكون «متناسبة المسموعات والمفهومات حسنة الاطراد غير متخاذلة النسج غير متميز بعضه من بعض». وهكذا، تتدرج الفصول ويعقب ثانيها أولها كما لو كُنا، بالفعل، نصعد أدراج القصيدة ونشتبك بسداها ولحمتها، وكأنها عِقْدٌ مُتصل.
يتسع مفهوم البناء عند حازم ليشمل جميع مستويات القصيدة الصوتية والتركيبية والدلالية، وذلك يظهر من خلال بحثه في قواعد الصناعة النظمية، وفق تصورٍ للنظم يتجاوز معاني النحو المحصورة في حدود الجملة كما عند الجرجاني، إلى مجال أوسع يستوعب مفهوم الشعر بوصفه تَخْييلا. في تحليله لقصيدة المتنبي التي مطلعها:
أغالبُ فيكَ الشوْقَ، والشوْقُ أَغْلبُ وأعْجبُ مِنْ ذا الهَجْر، والوَصْلُ أَعْجَبُ
يستدعي حازم قوانين الموسيقى لما تتطلبه القصيدة بوصفها عمارة إيقاعية، من أطوار البداية والوسط والنهاية، أو القرار والتنمية والمحط، ومن تدرج النغمات وترتيبها، وما يحدث عبرها من انتقالات وطفرات متنوعة. التناسب شرط الإيقاع، وهو يعني الوحدة ضمن التنوع من خلال المظاهر التي يتجلى فيها: تناسب الألفاظ في الأصوات، والتناسب بين الكلمات والعبارات، وتناسب العبارات مع بعضها، والتناسب بين الدلالات في التركيب، سواء كان بين الألفاظ بعضها مع بعض، أو العبارات والجمل، ثم التناسب بالصور مع بعضها بعضا؛ ومن نتاج هذه التجليات، يسعى الشاعر لإنهاض النفوس «حسب إيقاع الحيل الشعرية».
يظهر أن تصوره لعلم العروض مبني على أساس التناسب، العددي والهندسي؛ ولهذا، تتخلل كتابه نظراتٌ من علم الموسيقى ومفاهيمها، مثل حديثه عن القطر والركن والمقدار والزمان والأقدام. وعليه، يُفرق بين العروض كقالب نظري ثابت، والوزن بوصفه «زمان» المقادير المتساوية، الذي يلحقه التغيير تبعا لتجربة الإيقاع المعبر عنه في القصيدة، وإن كان مفهوم الإيقاع يدل عليه بأحد لوازمه (المقدار، الزمان، الأرجل).
وفي هذا السياق، نفهم مُسْتدركه في جملة من مبادئ العروض بفروعه الصغرى والكبرى معا، من منظور استراتيجية مخالفة لتصورات الخليل بن أحمد وتلامذته. فقد وجه تحليله للعروض، على أنه معرفةٌ بـ«مجاري الأوزان وأبنيتها» و«بما وقع في أوزان الشعر من ضروب التركيبات المتلائمة، وأنواع الترتيبات المُناسبة» و«بمقادير تناسب الأوزان وما يسوغ فيها من التغايير» منفتحا على علم البلاغة، الذي وجد أن العروضيين ظلوا «فقراء» إليه لـ«تصحيح أصول صناعتهم» فقاده الأمر إلى الوقوف على فهم المبدأ الذي يتحكم في آليات التشكيل الوزني – الإيقاعي وضروب تركيباته المتنوعة، على نحو من ذلك الوضع المتناسب الذي يحدث التعجيب والإلذاذ والولع به، قياسا إلى الوجوه التي حسّنت موقع الكلام الموزون من النفس. يقول: «وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف وتناسب وليس يوجد أصلا في ضروب التركيبات والوضع الذي للحركات والسكنات والأجزاء المؤتلفة من ذلك أفضلُ مما وضعته العرب من الأوزان». ويُقر بأن نظام الوزن في الشعر العربي يجري على وضع متناسبٍ، يظهر في ترتيب شطري البيت ونهايتيه، العروض والضرب، وما يوحي به الفراغ بينهما من مراعاة الزمان الجاري بعدد الحركات والسكنات، وقدرها المتساوي. يغدو الوزن عنده، بهذا المعنى، رديفا للإيقاع. وكلما كان الاعتماد على السواكن وحفظ نظام الوزن بانبثاثها أثناء مُتحركاته بشكل مناسب، لا نشاز أو اختلال فيه، طاب الكلام واعتدل، وبالتالي اشتد ولع النفس به وتعجبها منه.
ومن جهة أخرى، أعاد بناء الدوائر العروضية على تقدير التجزئة المناسبة لها، وأعاد تسمية وحدات البيت الشعري، وأضاف إلى الخماسي والسباعي جزءا آخر هو التساعي (مُسْتَفْعِلاتُنْ) الذي نتج عن معرفة جهات التناسب في تأليف بعض المسموعات إلى بعض وترتيبها. كما خالف الخليل بن أحمد، في تركيب أو تجزئة جملة من البحور الشعرية كالمقتضب، والسريع، والمنسرح، معللا ذلك بأن البحور يجب أن تتركب أجزاؤها بـ«تناسب».
من العلاقة بين مسموع القول ومفهوم القول، إلى العلاقة بين الرؤية والسمع في تأليف المتناسبات، يظهر لنا العمل الجاد الذي بذله حازم من جمعه بين علمي العروض والبلاغة حتى عصره، بيد أنَه تفكيره لم يكن منشغلا بالمحتمل النظري للكتابة، فالمعيار المنطقي الذي كان ثبته يقوم على الأسس التالية: ما ثبت، وما شك في ثباته؛ وما لم يثبت بالوضع والاستعمال.
شرط المعنى
يُلح حازم على ضرورة التناسب في بناء العلاقة بين الصوت والمعنى، أو «المسموع من القول» و«المفهوم من القول» انطلاقا من أحوال النفس ومن مبدأ التناسب في تأليف الأقدار الوزنية. فمن جهة القافية، يوجب «ألا يوقع فيها إلا ما يكون له موقع من النفس حسب الغرض» وهو ما جعله يستحسن أن تكون القافية غير مفتقرة إلى ما بعدها ولا مفتقرٌ ما بعدها إليها، وبالتالي ذم التضمين الذي يقل القبح فيه أو يكثر حسب شدة الافتقار، أو ضعفه. وقد قاده ذلك إلى الكشف عن أحوال الطرق الجارية لبناء القافية في مذاهب الشعراء، فرأى أن المختار منها عندهم هو ما كان من «بناء البيت بأسره على القافية، إذا لم يحتج فيه إلى مناسبة متقدم، أو إذا احتيج وتيسر وجه المناسبة». والطريف أنه يربط بناء القافية بمدى ارتباطه بالمعنى وتطلبه إياه بما يتأتى له من حسن النظْم. وليس عيبا أن يُلتجأ إلى «حيل» لطيفة لبناء القافية، شأن ذلك من يبني صدور الأبيات على أعجازها على وضْعٍ يليق بما تَقدمه ويناسبه، أو يبني أواخر الأبيات على أوائلها.
ومن جهة الغرض الشعري، يقابل كل شكل من أشكال الانتظام الوزني بصفة من الصفات المعنوية: البساطة والسباطة والطلاوة؛ أي يربط بين الأوزان الشعرية وجماع الأغراض بكيفية عامة لا تخلو من تأويلٍ خبره من صناعة الشعر وتذوقه له، فيسمي معاني ومدلولات بعينها لأوزان معينة، مُطْلقا مجموعة من الأوصاف المتعددة على بحور الشعر المختلفة: «فالعروض الطويل تجد فيه أبدا بهاء وقوة، وتجد للبسيط سباطة وطلاوة، وتجد للكامل جزالة وحسن اطراد، وللخفيف جزالة ورشاقة، وللمتقارب سباطة وسهولة، وللمديد رقة ولينا مع رشاقة، وللرمل لينا وسهولة. ولما في المديد والرمل من اللين كان أليق بالرثاء وما جرى مجراه بغير ذلك من أغراض الشعر، وقد أشرنا إلى حال ما بقي من الأوزان». لكن، في المقابل، أي تأويل يمكن أن يأخذه مثل هذا الكلام في قصيدة متعددة الأغراض جرت على وزن وقافية موحدين: تأويل مضاد. فنحن لسنا أمام نمط واحد من نظم الفصل مناسبا للغرض، بل أمام أنماط متفاعلة ومتعارضة. قد يكون حازم انتبه للأمر وهو يُؤْثر أن تكون القصائد متصلة الغرض ومنفصلة العبارة، وأن تكون فصولها معتدلة المقادير؛ بل كان يحذر – من وجهة نظرٍ منطقية – أن يجمع الشاعر بين غرضين متضادين، مثل الحمد والذم أو الإبكاء والإطراب. لكن هذا التصور ذا الطابع المعياري في الربط بين البحر الشعري والغرض، أو المعنى، يحاول أن ينقذه في ضوء شرط التأثيرية النفساني الذي وضعه لسد الفجوات عند الانتقال بين أغراض القصيدة.
شعر/ نثر
لا يتناول حازم زوج شعر/ نثر، لكنه يعمل على التمييز بين الشعر والخطابة من داخل القوانين التي استنها، ويتحدث عن الأقاويل الخطابية التي ترِد في الشعر، أكثر مما يتحدث عن الخطابة باعتبارها خطابة؛ إذ يكشف عما تتقوم به صنعتا الشعر والخطابة من التخييل والإقناع، ويُعرف أنحاء النظر في كلتا الصنعتين، من جهة ما تقومت به، وما به تعتبر أحوال المعاني في جميع ذلك، ومن حيث ما تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها، لأن ما يُميز بينهما هو الشكل لا المادة. لا يجري الحديث، هنا، عن المُخيل من الكلام، بمعزل عن الوسائل المُخيلة التي تجعل من الشعر شعرا ومن الخطابة خطابة، ومن جملتها التناسب كشرط أو دال أكبر على الإيقاع. تتقومُ المحاكاة بدوال لفظية ووزنية وتقفوية وأسلوبية، وهي ليست في رأيه مُجرد مسموعات أو مُحسنات صوتية، إنها تحيل إحالة طبيعة على المعاني التي لها صلة بالإنساني، ولا يمكن البحث عنها باللغة النثرية والاعتباطية الدلالة. حين يُقال إن الشعر يُوصل معنى لا يوصله النثر، فهذا يدل على أن المعنى في الشعري شبيه بـ«البلور» وإذا حاولنا ترجمته فإننا نُقدمه في عبارة مستقبحة، ولا يحدث منها الإيقاع الذي يتجلى في الاهتزاز وتحريك النفس.
لا يمكن تأويل هذا الرأي بمنأى عن استراتيجية حازم في تصور التخييل؛ فهو يجعله، بالنظر إلى مُتعلقاته، نوعين: تخيل المقول فيه بالقول، وتخيل أشياء في المقول فيه من جهة ألفاظه ومعانيه ونظمه وأسلوبه. فإذا كان الأول يجري مجرى تخطيط الصور وتشكيلها، فإن النوع الثاني- بما يشتملُ عليه من التخييلات الثواني – يجري مجرى النقوش في الصور والتوشية في الأثواب والتفصيل في فرائد العقود وأحجارها، وهو المعول عليه في أن يشعرن الكلام وفي أن يبهج النفس ويهزها. وذلك ما نفهمه أكثر في ضوء القاعدة التي يصوغها حازم عن المحاكاة؛ وهي: «يجب في محاكاة أجزاء الشيء أن تُرتب في الكلام، حسبما وُجدت عليه في الشيء، لأن المحاكاة بالمسموعات تجري من السمع مجرى المحاكاة بالمتلونات من البصر». إدماج الرؤية في السمع أتاح لحازم، استنادا إلى مبدأ التناسب، أن يُعيد بناء العلاقة بين الصوت والمعنى بصريح العبارة، وبين الإيقاع والدلالة ضِمْنا. فالأثر النفسي الذي يحدث الأقاويل الشعرية المخيلة يكون في السمع، ومن جهة النظام المحفوظ أيضا، وإلا لما سُميت تلك الأقاويل شعرا حتى وهي موزونة؛ وعليه «التأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع، ما ائتلف من غير المتناسبات والمتماثلات فغير مستحلى ولا مستطاب. يجب أن يقال في ما ائتلف على ذلك النحو الشعر، إن كان له نظامٌ محفوظٌ لأننا نشترط في نظام الشعر أن يكون مُستطابا».
من العلاقة بين مسموع القول ومفهوم القول، إلى العلاقة بين الرؤية والسمع في تأليف المتناسبات، يظهر لنا العمل الجاد الذي بذله حازم من جمعه بين علمي العروض والبلاغة حتى عصره، بيد أنَه تفكيره لم يكن منشغلا بالمحتمل النظري للكتابة، فالمعيار المنطقي الذي كان ثبته يقوم على الأسس التالية: ما ثبت، وما شك في ثباته؛ وما لم يثبت بالوضع والاستعمال. ومن هنا، فقد تأثرت الصفات الإيقاعية بما تنطوي عليه من تناسب وتلاؤم وانسجام، بـ«معيارية» حازم، وأتت محددة في مجالات لا تخرج عن مفهوم التشابه أو التضاد، وهذا ما شكل بالفعل عائقا دون التعمق في بلورة فكرة الإيقاع البلاغي، وبالتالي منعه من تصور حركته المتكاملة داخل النص.
كاتب مغربي