ربما أتفق مع الذين يتجنبون البحث والكتابة عن الطفولة في العراق لعدم قدرة الشعور الإنساني المرهف على تحمل الفظائع والآلآم، والواقع لا يتسع للمزيد من النحيب والرثاء.. كيف يمكن لكاتب أن يصور «سوداوية» المشاهد، ويتعمق في السرد بدون أن ينزف قلمه حزنا على خطوط أوراقه؟ وهل يوهم نفسه باللامبالاة؟
هذه التساؤلات تسللت إلي حين طالعت «رماح الملائكة» الرواية التي صدرت مطلع هذا العام.
استجوبت الرواية أرواح الطفولة، التي غادرت بسبب مرض السرطان، وكذلك الذين اغتيلت أجسادهم عن طريق السيارات المفخخة، وسجلت الرواية أمنياتهم الضائعة، ورافق فصول الرواية جو مشحون بالغيوم، وغزارة أمطار، وأسراب طيور، وسفر مؤجل إلى الجنوب، وأحلام متوالية، وأسماء لم تحملها الصدفة.. حمل غلاف الرواية صورة ظننتها ليسوع المصلوب، أو طائر من عالم آخر امتزج مع إنسان مغادر.. «رماح الملائكة» لمؤلفها العراقي إبراهيم حسين الجابري، حصاد أحاسيس ومشاعر، وتوثيق لاستجوابات حرة صادرة من أعماق النفس، وعزف لموسيقى الطفولة دائمة الأحلام… لقد نجح الكاتب في اختيار أبطال روايته… الطفل (مليك) ذو الأربع سنوات، الذي رحل متأثراً بمرض السرطان، ووالدته (جنان) التي لحقت به سريعاً من شدة الصدمة، ووالده (سلام) الذي قدر له المضي في الحياة ليكون شاهداً على رحلتين، وابنة خالته (آتية)، وهي الأخرى مضت قبلهم باربعين يوماً..
وأسراب من الأطفال المسافرين. (مليك) على متن طائرة، عائداً إلى بغداد من رحلة علاج كانت آخر محاولة من أجل البقاء على قيد الحياة .. وعيناه تبحث عن ما وراء الغيوم، وأسراب طيور آتية نحوه..
تردد صدى ناقوس وصية الطبيب يقرع في أعماق (جنان) «أمنحيه حضنا دافئا ليعيش أيامه، وهو آمن بوجودك، ابتسمي له كلما يفتح عينيه، ابتسمي بوجهه حتى وهو نائم. ولا أريد أن أحسب لك أيامه بدقة، من يدري، قد يكون قلبه شجاعا ويقهر ضعفه، مع أنها قضية مستحيلة. مشاعري كلها معه ومعك سيدتي». بين الغيوم، وعلى مقربة من أسراب الطيور يغادر (مليك).
كوابيس التفجيرات والسيارات المفخخة والفوضى.. طوعتها الرواية عبر مشاهد وتقارير تلفزيونية صورت حال بغداد وضحايا العنف، خصوصا الأطفال. في الحل «روح مليك تبعثُ لكَ سلاما وأشواقا، وقبلة دافئة، رأيتُه يطير مثل فراشة بين النجوم! بجناحين أبيضين، ووجه لا أثر لصفرة السرطان فيه». ومرة أخرى يطلب الملاك «سافر إلى اهلك، إلى الماء الطاهر».
السماء صافية تبدو كبحر أزرق يسبح في أعاليه سربٌ طويلٌ من طيور، يتألق سوادها فاحما، تثير ضجيجا صاخبا جعلنا نحن المارة، نرفع رؤوسنا لنتعقب تمايله المتجه صوب الجنوب.
وفي استجواب آخر: «أنا وأرواح أصحابي هذه التي تراها، وغيرها الكثير، في مهمة كبيرة، لا تنتهي إلا في اللحظة الموعودة، نحقق فيها بعض أمنياتنا الضائعات، التي شاءات الحوادث والأقدار ألا نُحققها ونحن أحياء».
يصف الجابري في لحظة سطوع شديد أرواح الملائكة «طائرين بأجنحة فضية، وفي أيديهم ما يشبه الرماح.. ويصورها بأنها «حامية مثل حمم البراكين المنصهرة». أعتقد أن تلك الرماح ليست ناقمة، وهي تحاول رسم خرائط السلام من بعد رجمها لكوابيس الفوضى.. أستعير من أسنة الرماح لأكتب عن لحظة منحوته في ذاكرتي: أستذكر من رحلتي الاستثنائية إلى البصرة أقصى مدن الجنوب العراقي، التي قدر لها للأسف أن تكون في صدارة قائمة المدن التي يعاني مواطنوها من أمراض السرطان، وخصوصاً الأطفال، ومن محطات تلك الرحلة زيارتي لمنزل الشاعر بدر شاكر السياب في قرية (جيكور)، وقد تسللت آهات وآلام السياب إلى أعماقي، وأسمعتني جدران بيته العتيق نصاً من قصيدة «غريب على الخليج»
بالأمس، حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق..
وكنت دورة أسطوانة
هي دورة الأفلاك من عمري
تكور لي زمانه
في لحظتين من الزمان، وإن تكن فقدت مكانه
هي وجه أمي في الظلامِ
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ من الدروب
أوجاع السياب دفعــــت بقاربي الصغير إلى مستشفى أمراض السرطان الخاص بالأطفال..
الملائكة في حالة هدوء، ويتبادلون في ما بينهم الابتسامات ونظرات المحبة، ولغة الصمت الصادقة، كأنها بلسم من بعد كل جرعة مؤلمة.. يتلألأ نقاء الطفولة بمشاركة الأطفال لبعضهم في كل شيء.. كم كنت مخطئاً حين ظننت أن الحياة تنتهي عند أعتاب بوابة ذلك المبنى الذي تغادرة أرواح الملائكة.
٭ كاتب عراقي