■ تقطع الرواية المعاصرة خطوات كبيرة نحو الخروج من الحكاية إلى عوالم الميتاقص، التي تتضخم وتتعزز من عمل إلى آخر. فالإضراب عن رواية الحكاية
والاتجاه نحو حكاية الرواية، بما تتضمنه من تفاصيل يبوح بها الكاتب، من تخييل وتفسير وإغراء، ونشر وتوزيع، وردود أفعال ومواقف نقدية، أصبح مادة تكتسح مساحات مهمة. ويبدو أن هذا الخطاب الميتالغوي قد خرج عن دوره الإغرائي والشارح والواصف لعملية الكتابة ومشاغلها، والمتمركز، حوّل الرواية إلى عملية القراءة وتوقع قارئ مناسب أو اختياره، فالقارئ أصبح ركنا من أركان هذا الخطاب الواصف. هذا هو الانطباع الذي تتركه رواية «صبريانا» للتونسية فضيلة المسعي- القادمة إلى الرواية من عالم الشعر، وهي تطرح روايتها الثانية بعد رواية «معسكر الحب» التي تغري بالوقوف عند عوالم خطابها الواصف، فهي رواية ينشطر السرد فيها بين الميتالغوي والحكائي، ويغلب عليها سرد نرجسي يتابع حكيها ويضيء أغوارها، ويكشف ما فيه من تناوب وتحول وتعليق الساردتين على بعضهما، ويحوّل الرواية ذاتها إلى عوالم الخيال، فيصور الاحتفاء بها وتوقيعها وغير ذلك من الجوانب.
«تململت المرأة الرسم في مكانها، حتى كادت تسقط اللوحة: صبريانا لن أبه للأتيكيت الاجتماعي سأقاطعك وأواصل سرد القصة، لأنك لا تحسنين فن القص، لكن لا بأس نحن نشترك في تفصيل وحيثيات القصة… أنا المرأة الرسم، أحمل سر القصة في كتاب بين يدي، بطلة الرواية صبريانا القادمة من حلم راوية الخزرجي».
بمثل هذا المقطع يصبح السرد حوارا بين ساردتين، وتناوبا وتعليقا من كل واحدة منهما على الأخرى، فيتداخل سرد الأحداث بخطاب شارح للرواية… وكثيرا ما يترك هذا الخطاب الواصف لعملية السرد والحكي والكتابة، ويتمدد نحو القارئ، فالكاتبة تستحضر قارئها، وهو ما تطالعنا به الكاتبة منذ الصفحات الأولى. فتحت عنوان مشاكسة وقبل بداية فصول الرواية، وقبل التقديم النقدي، تتجه الكاتبة إلى القارئ لترافقه في عملية القراءة. «عذرا أيها القارئ الكريم سأحول وجهتك لزمن وجيز قبل قراءة الرواية، ما رأيك؟ الطقس جميل هنا تفضل هذا فنجانك… فقط إغفر لي لأني سأمارس معك تقنية المحو في الكتابة، سأقفز إلى ردهات ذاكرتك سأفرش أوراقي لتتراقص حروفي وكلماتي». يبدو القارئ في مرتبة الصديق:
«جميل جدا أن نحلم لكن الأهم أن نركب كبسولة الزمن، ونحلم أحلام أبطال أحلامنا هذا هو الأجمل، الحياة يا صديقي حلم كبير».
وتقدم له الكاتبة في هذه الردهات الأولى مفاتيح الرواية، وتصفها له بإيجاز «كل حلم يعيش بعض سابقه، وبعض لاحقه تماما كحلقات السلسال الذهبي، التي حدثتك عنها، كل سلسال مكون من ثلاث مساحات صغيرة.. مساحة من الحلقة التي سبقتها ومساحة من الحلقة التي تليها، ومساحة المساحتين لها وحدها، تلك هي الإضافة الذاتية في حلقات الحلم، هذه هي رواية صبريانا».
وتبدو الكاتبة في هذا المجال متوجهة إلى قارئ متخيل، ولعلها تصور عملية القراءة، فالقارئ بصدد تناول قهوة، وهي تخاطبه في نهاية هذا النص «هل استمتعت بفنجان القهوة؟».
هذا الخطاب الواصف الذي يتشكل حول القارئ يتدعم في المتن بصورة القارئ الذي يقرأ الرواية وببعض النقاشات والحوارات بين الشخصيات، حول مضمون الرواية وأساليبها، وغير ذلك من المسائل. فالقارئ داخل الرواية هو شخصية ناقدة تتابع الكتابة.. بهذا الانشطار بين التخييلي والميتالغوي ازدحمت رواية «صبريانا» وتشكلت لتروي في النهاية حكاية مفعمة بالتاريخ وألم العصر… فهي في وجهها الآخر، رواية حب للعراق وتعاطف مع محنته، فإليه ترحل أشواق الكاتبة، وفي يومياته تعوض مخيلة الكاتبة، لتنحت هذه الشخصية النسائية التي يعتقلها الاحتلال الأمريكي، وهي في طريق العودة من المقبرة، حيث يرقد حبيبها بتهمة التعاون مع المقاومة.
تتعرض إلى التعذيب، ولكنها تكتشف علاقة ما بالمجند الأمريكي الذي كلف بتعذيبها، فهو ابنها الذي لم تحمل به. هو نتيجة لبويضتها المجمدة منذ سنين في أحد المراكز الصحية… فتكون الرواية في هذا الجانب كتابة للعراق ولمحنته جراء الاحتلال الأمريكي، وما تلاه من حروب ومواجهات، هي كتابة للعراق الحزين وما فعله به الاحتلال: «اختفى جمال النهرين كما اختفى الصيادون، واختفت أهازيجهم، واختفى السمك، واختفى في ركامه ورماده ودمائه ودموعه، وطني الحبيب».
إن فضيلة مسعي تمارس في هذه الرواية كتابة المرايا، وهي تقدم نموذجا آخر لالتفات الرواية العربية إلى كيانها وإلى قارئها. وهي تقدم في الحقيقة تجربة روائية ثرية تنفتح على أسئلة عديدة.
٭ كاتب تونسي