ما يميّز هذا العرضَ أنّه أتى إهداءً لفوكين، واحتفاءً بجهوده الرائدة في تصميم العرض الأول لهذا الباليه، بلمسةٍ من المصمِّم الفرنسيّ جان-كريستوف مايو، الذي تميّز برؤيته الحداثيّة، وإقدامه على إعادة تصميم أعمالٍ كثيرةٍ معروفةٍ عالميّا بأسلوبٍ جديدٍ، ويقتضي هذا الأمرُ خاصيّتيْن سيتميّز بهما هذا العرضُ عن غيره: أولاهما، ضرورة استحضار روح فوكين، وبصمته الفنّيّة تعبيرا عن مدى العرفان لجهوده. والثانية، ضرورة إضفاء أبعادٍ جديدةٍ، تثري العملَ، وتعمّق معانيه، وتعصمه من أنْ يكون مجرّد تكرارٍ، واجترارٍ للنسخ السابقة.
يرتكز هذا العرضُ أيضا على متوالية كورساكوف، ويراعي ترتيبَ حركاتها، ما يوحي بنوعٍ من التماهي بين القالب الموسيقيّ الخارجيّ، وما سيتلبّسه من عُقدٍ، نتلمّس أولاها من خلال المقطع الأوّل، الذي لا تبدو من خلاله أجواءُ الحريم وحميميّاتُه الغامضة، بل نرى «كبير الخصيان» يغطّ في نومٍ عميقٍ، وينتبه مذعورا، فلا يرى أمامه سوى مجموعة العبيد/العشّاق، يفصلهم عنه ستارٌ شفيفٌ، يرى من خلاله بوضوحٍ حيويّتَهم الدافقة، وشبابهم الفائر، فيقف لحظاتٍ محدّقا فيهم بذعرٍ، مقارنا من دون أن يشعر بين رجولتهم المكتملة ورجولته المبتورة؛ بين أجسادهم الكاملة وجسده المنقوص، ولا يلبث أن يَرفع ذلك الستارَ، فتبدو الصورة واضحةً: نرى ستّة عبيدٍ وسيمين بثيابٍ زهريّةٍ لامعةٍ، وأغطية رأسٍ مزركشةٍ، يشبهون في هيئتهم هيئة العبيد برؤية فوكين وتصميمه، ومعهم ستّةٌ آخرون، يضاهونهم حيويّةً وشبابا، ولكنْ ثيابُهم بلونٍ بنّيٍّ قاتمٍ، وليس على رؤوسهم أيّة أغطيةٍ، ما يمنحهم مظهرا حديثا، يبدون معه انعكاسا لنظرائهم، وتجلّيا مرآتيّا معاصِرا لهم، وهو ما يرصد أول ميزة فنّيّة تطبع هذا العرض؛ ميزة الازدواج، والجمع بين الوجه القديم، والوجه العصريّ. ونتعرّف بعيْد لحظاتٍ على محظيّات فوكين أيضا من زيّهنّ الزهريّ المنسجم مع زيّ العبيد الأصليّين، ومحظيّات الزمن الراهن من خلال زيّهنّ البنيّ القاتم، المنسجم مع زيّ العبيد المعاصرين.
يندمجون معا في رقصات جماعيّةٍ، تختزل حكايات حبٍّ، وغرامٍ طويلةٍ بينهم، وطوال هذا الوقت يكتفي كبيرُ الخصيان بمراقبتهم بألمٍ، ولا يلبث حين يستشعر خطوات سيّديْ المكان؛ شهريار وأخيه شاه زمان، أن ينقضّ مسرعا، ويطرد العبيد بعيدا، ويخرّ ساجدا في انتظار دخول السلطانيْن، تصحبهما «زبيدة» التي تتثنّى بثقةٍ ودلالٍ.
وهنا أسجّل بعضَ الملاحظات، أهمّها: ذلك التغيير المفصليّ في الحبكة؛ فمنذ البداية كان العبيد بوجههم القديم والمعاصِر داخلَ فضاء الحريم ومجاله، وبعدها لحق بهم العنصر المؤنّث، لم تكن ثمّة موانعُ تحول دون اللقاء، ولا كانت هناك حاجة إلى محاولة خداع الحارس، ورشوته، وهو الذي لا يوحي مظهرُه بحبِّ الجواهر أو الولع بها، فلم يكن يضع أيّة حليةٍ على جسده، عكس نظيره برؤية «فوكين» الذي كانت الجواهرُ والحلي نقطة ضعفه الكبيرة، ومن جهةٍ ثانيةٍ، لا نرى أيَّ ديكورٍ يوحي بروح الشرق؛ لا نرى سوى أرضيّةٍ حمراء متوهّجة، وجدارٍ مظلمٍ، تتدرّج ألوانُه بعد ذلك بين الأحمر، والأزرق، والبنفسجيّ، والرماديّ، يتوسّطه بابان ينغلقان، أو يُواربان، أو ينفتحان على مصراعيْهما، حسب طبيعة الموقف، ومقتضياته الدراميّة؛ فمثلا يأتي انفتاحهما إشارةً إلى الجسارة العالية، التي يمتلكها الآثمون، حيث لم يحاولوا التكتّم على مغامراتهم، فلم يفكّروا في إيصاد الأبواب اتّقاء مباغَتةٍ غير متوقَّعةٍ من سيّد المكان، كما سيحدث لاحقا، ويأتي أيضا ليؤكّد الازدواجيّة والانشطار المرآتيّ الذي دمغ هويّات الشخوص وكينوناتهم العميقة، فكأنّما يختصّ أحدُ الشقّيْن المنفرجيْن بشخوص «فوكين» الأصليّين، ويختصّ الثاني بشخوص «مايو» المعاصرين، فضلا عمّا يستدعيه البابُ الموارَب عادةً، وفي مجال العلاقات الإنسانيّة من هشاشة الروابط، وتهلهلها؛ فتسمح الفرجة المتّسعة أو الضيّقة بوصل حبل الودّ أو بتره حسبما يقرّره الظرفُ أو المزاج.
وقد أتى مزاج «زبيدة» وهواها متّجها نحو العبيد الوسيمين، مكتملي الذكورة والشباب، فيما يقبع هناك بعيدا ذكَرٌ آخر، وحيدٌ ومهمَلٌ ـ كبير الخصيان ـ يراقب العشّاقَ بألمٍ، وذلٍّ، يتقدّم نحوهم قليلا، ثمّ يتأخّر، يتوارى، ثمّ يظهر، موحيا بهذا بمدى الصراع الذي يتملّك نفسَه، ويستولي على روحه المشتّتة بين أصواتٍ كثيرةٍ متناقضةٍ تعتريها؛ صوت «الواجب» أو صوت المهمّة المكلَّف بها من أسياد القصر؛ مراقبة النساء، والإبلاغ عن أيِّ سلوكٍ شائنٍ يقمن به أو يفكّرن فيه، وصوت الطبيعة الإنسانيّة المقموعة فيه، وهو يرى العشّاق في قمّة سعادتهم؛ يقتطفون المتعَ والمسرّات التي حُرِم منها، وصوت التشفّي المضمَر فيمَنْ كان وراء محنته وبؤسه، ممّا سيبدو بوضوحٍ من خلال اشتراكه لاحقا في رقصة العشّاق الجماعيّة، التي تمثّل ذروة اِلتحامهم ونشوتهم، ومرحه البادي حينها، من خلال تبسّمه، وقفزه، وحركاته السريعة الجذلة، وصوت آخر خفيّ، يلوح على استحياءٍ، هو صوت عاطفته المكبوتة، وعشقه المكتوم لزبيدة ـ بوجهها المعاصِر ـ يبدو هذا جليّا من خلال ضعفه أمامها، وعدم قدرته على تحدِّيها أو ردعها، في الوقت الذي تخشاه فيه نظيراتُها، وتمتثلن سريعا لأوامره، وسيتذكّر المشاهِد طويلا تحديقَها المتحدّي فيه، حين حاول منعها من التمادي في تهوّرها، وعدم قدرته على مواجهتها، فإحنائه رأسَه بذلٍّ، وانسحابه بانكسارٍ، يراقبها وهي تنهل الملذّات بين ذراعيْ عبدها الذهبيّ.
في أثناء ذلك، ترتفع الكاميرا إلى أعلى؛ إلى شرفتيْن متقابلتيْن أعلى واجهة المسرح، نرى في إحداهما «شهريار» ونرى في الثانية أخاه، وقد صُعِقا لما رأياه من فسقٍ وعربدةٍ، فينزلان مسرعيْن، لعقاب المذنبين، ونلاحظ هنا نقطة افتراقٍ جوهريّةٍ مع العرضيْن السابقيْن، ومع المرجع الأدبيّ، فقد بدا «شاه زمان» جاهلا تماما بسلوك زوجة أخيه ومحظيّاته، كما حُذفت تفصيلة التظاهر بالخروج إلى الصيد، واستُغني عن الجنود المرافقين، ما يكرِّس النزوعَ نحو التركيز في الحبكة والأداء، ممّا بدا أيضا من خلال الديكور المتقشِف.
ينزل سيِّدا المكان إذن لحظة الانسجام المتفجّرة هذه، فيُذعَر الآثمون، ويجمدون في مكانهم، غير مجترئين على الحركة، أو الفرار، أو حتّى محاولات الاستعطاف كما في العروض السابقة، عدا «زبيدة» التي ما تزال منفردةً بأحد عبديْها في مقدّمة المسرح، غير مدركةٍ خطورة الوضع، لتُفاجأ بعيْد لحظاتٍ بزوجها وأخيه يسحبان عشيقَها بعنفٍ، ليثبّته «شاه زمان» بذراعيْه القويّيْن، وينقضّ «شهريار» على عنقه نحرا، بأسلوبٍ إيمائيٍّ، يهوي على إثره الآخرون، ويسقطون تباعا، في موتٍ رمزيٍّ يأتي بديلا عمّا شاهدناه في العروض السابقة من مذابح دامية.
وعند هذا الحدِّ، تنفرج الفسحة الضيّقة بين البابيْن، اللذيْن يُشرعان الآن على مصراعيْهما، ونرى خلفهما فضاءً أزرق ممتدّا، أشبه ما يكون بسماءٍ غائمةٍ متجهِّمة، ويلوح «كبير الخصيان» متعثّرا في خطواته، حزينا أشدَّ الحزن، يرفع كفّيْه إلى السماء، ويبتهل إليها ألّا تُسفك مزيدٌ من الدماء، ولا أدري هل هو قلِقٌ على نفسه، وعلى ما ينتظره من عِقابٍ جزاء صمته وتستّره على ما حدث، أم أنّه قلِقٌ على محبوبته «الجاحدة» التي طالما حماها، وتكتّم على زلّاتها؟
يبدو الاحتمال الأول بعيدا، فلم تمتدّ يدُ أيٍّ من سيّديْ القصر بسوءٍ إلى هذا الحارس المجروحة أمانتُه، ولا يبدو أنّ أمرَه يعنيهما، وقد عُبِّر بصَريّا عن هذا بشساعة المسافة الفاصلة بينه وبينهما، ما يرصد نقطة اختلافٍ جديدةٍ تفصله عن نظيره في نسخ العرض السابقة، الذي كان واحدا من الذين هووا صرعى بسيف «شاه زمان» الساخط. وما دام الأمرُ كذلك، فلنوجِّهْ أنظارَنا نحو الطرف الثاني؛ الزوجة الخاطئة، التي لم تعدْ تبالي كما يبدو بخصميْها، فتناستْ وجودَهما، وشرعت تعانق جثّة عشيقها المذبوح، ولم تلبث حين زحف العشيقُ الثاني قريبا منها أن أخذت تعانقه أيضا، ولم يتردّدْ «شهريار» و«شاه زمان» حينها في توجيه ضربةٍ إيمائيّةٍ حاسمةٍ بسيفٍ متخيّلٍ، يخترق أحشاءَ العشيق وينفذ عبرها إلى أحشاء «زبيدة» التي سرعان ما تسحب خنجرا متخيَّلا من بطنها، وتهوي صريعةً، قريبا من زوجها المفجوع، الذي يجهش بالبكاء، ليحمل مصرعُها بهذا الشكل كثيرا من التأويلات، ويبدو أكثر تعقيدا ممّا هو عليه حسب رؤية «فوكين»؛ فهي هنا مقتولةٌ بيديْ الأخويْن، ولم يكن سيفُهما ليصيبها لولا إصرارُها على الالتحام بجسد عشيقها؛ تقاسمه الإدانة، وتصرّ على استقبال الموت إلى جانبه، بعد أن اقتسمت معه المسرّات صافيةً قبيْل دقائق. وهي أيضا فاعِلةٌ، ومتحدِّيةٌ، ومصرَّةٌ على تخيُّر موتها بنفسها، فتأتي حركة سحب الخنجر إيماءً إلى انتحارها، وكأنّ الطعنتيْن الأولييْن بساعديْ هذيْن الرجليْن الشديديْن غير كافيتيْن لقتلها؛ إنّهما أضعف من أنْ يتمكّنا من إزهاق روحها، وسلبها حياتَها، التي لا أحد جديرٌ باقتطافها سواها!