قُدسُنا: لم انتظر كي يبرد الصلصال فأغرز فيه اصابعي، فنحن منذ لثغنا بالابجدية تورطت اصابعنا بالنار، لهذا لم يكن الاسهام بمختلف صيغه في ‘القدس العربي’ مجرد مصادفة، او بحثا عن مصدر رزق اضافي، لأن ‘القدس العربي’ ذات امتياز يتجاوز المهنية الى دور تنويري وسباحة عسيرة ضد تيار تجاري في زمن لم يسلم فيه الضمير من البورصة ولم تعد الكتابة فيه غير وسيلة تكسّب مادي او سياسي او طمعا بشهرة مجّانية .
قُدسُنا ليست مجرد منبر مهاجر او صحيفة طرقنا بابها بعد أن اضاءت وسطعت، فزملائي وأنا بدأنا معها وفي غمرة انهماكها في تعبيد طريق وعر لا يسلكه الا من يغامر بالطلاق البائن بينونة كبرى للذرائعية السياسية والنفاق الثقافي .
لهذا كان الارتباط عضويا مع اصدقاء تحملوا اوزار مجازفاتنا، ان عدد الساعات التي التقيت بها الصديق عبد الباري خلال ربع قرن قد يكون قليلا وعابرا بمقياس التقاويم التقليدية، لكنه بمقياس آخر أتاح لنا الاقتراب حتى سماع صوت التنفس لأن الهواجس والشجون اكثر من مجرد قاسم مشترك، انها مرجعية وايقاع واشواق واحيانا ندم .
قدسنا لا تقبل التفكيك لأنها ذات سياق عضوي حميم، ولا اتصور انني ارسل مقالة للقدس دون ان يكون صديقي امجد ناصر متلقيها الأول وناقدها الأول .
ان ما جمعنا صبحي ورشاد والياس وعزت وغيرهم من الأعزاء في بيت واحد صغير لكنه حميم ويتسع لألف صديق هو قدسنا، التي رعت اختلاف مُقتَرباتنا بل غذّته لصالح بانوراما صحفية جاذبة وليست طاردة، حيث الاختلاف إن حدث في مثل هذه الحالات هو ائتلاف اخلاقي ومهنّي .
لم اكن طيلة اكثر من عقدين اعرف اية تفاصيل عن طبيعة الادارة والملكية لـ’القدس العربي’، فهذا آخر ما يخطر بالبال عندما تكون الجريدة بيتا، ومن فيها يكدحون معا على السطح فيما ينعم الضيوف بالدفء بعيدا عن المطر والعواصف والصقيع اللندني .
هذه مناسبة قد لا تكون الأولى للاعتراف بأن ما وجدناه في قدسنا من سقف يطاول السماء اتاح لنا أن نطلق الزفير الى أقصاه، وان لا ترتعش اصابعنا وهي تفاضل بين المسموح به والمسكوت عنه .
لقد اصدرت كتابين حتى الان من مقالات ‘القدس العربي’ وبفضلها، لهذا كانت ولا تزال في الصميم من مشروعي الثقافي لا كشاهد نفي بل كشاهد اثبات ايضا فيما يتعلق بدورها وسهر من كابدوا دفاعا عن بقائها وهي التي عاشت ربع قرن رغما عن الظروف كلها وليس بفضلها .
‘ ‘ ‘
مِصْرُنا
كان اسم سورية ذات عروبة غابرة الاقليم الجنوبي للجمهورية العربية المتحدة، رغم ان تلك الوحدة لم تدم وأصبحت مجرد جملة معترضة في كتاب الرّماد الذي اعاد مؤلفوه انتاج سايكس بيكو بأسماء منحوتة من صلب الأبجدية.
ولكي لا اذهب بعيدا، هل غادر سليمان الحلبي الذاكرة الوطنية في مصر وحمل حقائبه عائدا الى حلب وأوصى ذريته بالاعتذار للجنرال كليبر، وهل كان جول جمال الذي فجّر جسده بطوربيد بحري في حرب السويس مستشرقا او مهرّبا او تاجر شنطة !
كان الشوام المهاجرون الى مصر فرارا من عسس العثمنة او بحثا عن مجال حيوي لاطروحاتهم التنويرية شرايين تدفقت في الصحافة والمسرح والمشاريع النهضوية ، الكواكبي المقتول، ورشيد رضا، والاخوان تقلا، وجورجي زيدان واميل زيدان ويعقوب صنّوع وأبو خليل القباني وفاطمة اليوسف وجورج أبيض وسائر السلالة، وجدوا في مصر الرافعة التي تعينهم على النهوض والتحديث، لآن مصر كانت جاذبة وذات ديناميات قادرة على الامتصاص والهضم والتمثل، فالعائلة الألبانية بدءا من محمد علي باني الدولة ومحدّث الجيش تمصّرت، ومن أبرز الشعراء الشعبيين في مصر مهاجرون من الشام وتونس، تمصّروا ايضا، ولم يعد ممكنا اعادة التفاحة المهضومة الى الشجرة التي كانت تتدلى من غصنها، فما الذي جرى لمصر ؟ وتجاوز ما كتبه الدكتور جلال امين في كتابه ‘ ما الذي حدث للمصريين ؟ ‘ بحيث يصبح الجاذب طاردا، ويصاب المعافى القادر على التمثل بسوء الهضم ؟ من كان يتصور ان يسمع باللهجة المصرية عبارات من طراز يستحق الفلسطينيون كل ما جرى لهم، وشكرا لإسرائيل التي الحقت بهم كل ذلك؟ ثم تأدية التحية شبه العسكرية على شاشة فضائية، هذا ما شاهدناه من مذيع يصلح لكل العصور وكأنه مجرد امتداد تكنولوجي للميكروفون .
وحين سمعت شاعرة عربية من الشام تناشد المثقفين في مصر كي يوقفوا هذا السيل المجنون من الشتائم والادانات ضد السوريين الذين تحولوا في عصر العقوق الى مهاجرين بلا انصار، تذكرت على الفور ذلك المساء الحزين الذي عشته في القاهرة اثناء الحرب الكروية المسعورة بين مصر والجزائر، بحيث لم تشفع توأمة الدم والذاكرة والمصير، وكتب ادباء وصحافيون مقالات ساخرة من اعتبارنا كعرب لمصر الشقيقة الكبرى !
وذات يوم طالب الراحل انيس منصور الفلسطينيين بالهجرة الى كوكب آخر، لكنهم لم يهاجروا وانتهى الامر الى ان مصر بقيت أصلب واكثر تماسكا في عافيتها القومية. رحمك الله يا دكتور جمال حمدان، فعبقرية الزمان والمكان لم تدفن مــعك، وأطال الله في عمرك يا هيكــل لأنك بقيت على وفائك للاطلالة الاسيوية على مصر من دمشق .
اما من يطالبون بحذف كلمة عربية من اسم مصر بحيث تبقى جمهورية مصر فقط، فالتاريخ لا يعبأ بهم وكذلك الجغرافيا والنيل لم يغير مجراه، كما ان القلعة الأيوبية لم ترحل، فالعقائد والقوميات ليست قبّعات او طرابيش تخلع وترتدى في المواسم .
وستبقى مصر التي نحب ونتذكر ونشتاق نداهة اليتيم المحفوفة بحفيف العذارى الخالدات بجوامعها وجامعاتها التي لولاها لما كنا نستطيع كتابة ما نكتب .
ومصر بملايينها التسعين ونُخبها وذاكرتها القومية لا تقبل الاختزال، ولا ينوب عنها من اصابهم فيروس الانكفاء فظنوا ان مصر قد استقالت من دورها كي تتفرغ لشجونها المحلية فقط، لأن رغيف الضرورة لم يكـن ذات يــوم من تاريخها البديل لوردة الحرية، ونحن نعرف منذ طـــفولتـــنا دببة قتلت اصحابها لأنها حذفت المسافة بين الحب والحُمْق !