عمان ـ «القدس العربي»: «جبران المهاجر العربي، الحائر البسيط الطموح والذكي، المدافع عن نفسه»، المحاور الاساسية التي اعتمدها نديم صوالحة في النسخة الثانية من مسرحية «استراحة على متن الريح»، التي انطلقت مساء امس باللغة العربية في العاصمة الاردنية عمان، وستستمر حتى العاشر من الشهر الجاري في المركز الثقافي الملكي.
تنطلق المسرحية باللغة العربية، بعد ان انتهت عروض النسخة الأولى باللغة الإنكليزية في لندن وليفربول والعديد من المدن الأوروبية، اضافة الى قطر ودبي وأبو ظبي وعُمان وعمّان.
في حديثه لـ«القدس العربي»، اوضح كاتب ومخرج المسرحية نديم صوالحة، انه يرغب بإلقاء الضوء على حياة الغربة القسرية التي عانى منها جبران في امريكا، خاصة ان صوالحة قرر الاغتراب اختياريا في بريطانيا مبينا: «قرأت الكثير من الكتب عن حياة جبران ووجدت ان الضغوطات التي عانى منها قبل 100 عام ما زلنا نعاني منها نحن ابناء المهجر، خاصة الفنانين من الكتاب والرسامين والموسيقيين. كما انني أحببت أن أعرّف العالم إلى مفكر عربي ذي بعد إنساني وعالمي، ما زالت ابداعاته تترك الاثر الكبير فينا».
وأضاف: «عناصر كثيرة اكتشفتها خلال البحث عن حياة جبران دفعتني لتسليط الضوء على جزء من حياته الذي تجاهله الإعلام، ومنها نيته عمل تمثال للرئيس الامريكي تيدي روزفلت عام 1912، الذي تعرف إليه عن طريق اخته الى جانب مواجهاته مع العرب والأمريكيين. ولم املك وسيلة لنقلها الى العالم إلا من خلال ما اجيد وهو المسرح».
أما بخصوص النسخة الاولى التي صدرت باللغة الانكليزية، فلاقت رواجا كبيرا في الدول الغربية والعربية لإقبال الناس على معرفة من هو جبران وما هي خفايا حياته، وبالتالي قرر صوالحة اعادة تقديمها باللغة العربية، لكن من خلال ابراز جبران الانسان «الرجل» لا الكاتب او الفنان. يقول صوالحة:» للكاتب جبران صورة راسخة في اذهان الناس، هو الشخص المتدين والبريء، ومن هنا اردت ان انزع عنه هذه الصفات واعرض لحياته من منظور واقعي أكبر، انسانا قويا وضعيفا، غنيا وفقيرا، صورة تقترب من جبران الحقيقي».
كتابة المسرحيات، حسب صوالحة، مهنة تجلب «وجع الرأس»، مبينا انها تحمل في طياتها الكثير من الصعوبات والمشاكل، خاصة في الشخصيات التي تظهر فجأة وتؤثر سلبيا على مجرى الاحداث، ولا بد من استئصالها واستبدالها بأخرى. وتمنى صوالحة ان تتنقل المسرحية بعد عروضها في عمان الى باقي الدول العربية وبالأخص الخليجية، لما فيها من مسارح عريقة وكبيرة تضاهي الاوروبية والأمريكية.
ضمت المسرحية نخبة من الممثلين المسرحيين وهم، نادرة عمران، مارك ناجي، نها سمارة، غاندي صابر، ناصر أبو باشا، سميرة الأسير، ومنذر خليل مصطفى. ومن انتاج علي مطر.
ركزت المسرحية التي استمرت لمدة ساعة ونصف الساعة على معاناة الادباء العرب في المهجر، التي ظهرت من خلال معاناة جبران في نشر كتابه «النبي» الذي يُعَدّ جسراً ثقافياً بين الشرق والغرب، وفلسفته في بناء المجتمعات الخالية من الكراهية والتعصب، وإشاعة السلام والمحبة بين البشر. كما عرض العمل المسرحي لهواجس وأمزجة وثقافة جبران، من خلال الشخصيات التي أثرت في حياته وتكوين شخصيته، وأهمها اخته ميريانا، وماري هسكل، التي ساهمت في تعريفه الى الشخصيات المهمة في بوسطن ونشر كتابه «النبي» وتولت تغطية كافة مصاريفه، وعشيقته ميشلين، وجاره رجل الاعمال. في الوقت الذي غابت فيه شخصية مي زيادة، التي كانت تشكل جزءا مهما من حياة جبران، عبر مراسلاتهم وقصة حبهم العذرية.
جبران عاش حياته مترددا، مليئا بالمخاوف والاحباطات، لا يتخذ القرارات إلا ما ندر، وذلك ما كان جليا في مجريات العرض، حيث ان ميريانا، كانت تلومه على فشله واعتكافه في المنزل، بدلا من الدفاع عن كتاباته والتعرف على الاخرين من اجل نشرها. بينما قررت عشيقته ميشلين الابتعاد عنه بعد ان رفض الزواج بها ولم يعترف بطفله منها، ليلاقي مصيره الاخير بعد صراعه مع مرض السل على رصيف احد القطارات بين يدي هسكل، حيث كانت امنيته الاخيرة ان يعود الى وطنه لبنان محملا في قفص خشبي ويستقبله رئيس البلاد وثلة من العسكريين.
قدمت المسرحية جبران الذي ساهم في تغيير نظرة المجتمع الى قيمة الفنان، فأشعرنا بقدرة شخصيته وفنه ان الانسان رجل عبقري مستقل ولا يدين بالولاء الا لما تمليه عليه موهبته، حيث بدأ حياته ثائرا غاضبا على الجميع، يطالب بهدم الماضي وبناء عالم جديد، وعبر عن ذلك من خلال كتابه «ارواح متمردة»، ولكن بعد ذلك اوصلته تجربته في الحياة الى كتاب «النبي» فأصبحت فلسفته اقرب الى الايمان العميق بالمحبة الشاملة وقدرتها على شفاء الانسان من امراضه.
آية الخوالدة