دمشق-«القدس العربي»: بعد فشل كل اتفاقيات التسويات المتلاحقة بين النظام السوري وأهالي درعا جنوب سوريا، بالرغم من كل ما تضمنته هذه الاتفاقيات من بنود تنص على تسليم السلاح لاستعادة مصادر القوّة والسلطة على المحافظة، يتضح بشكل واضح فشل النظام السوري في السيطرة على درعا جنوب البلاد، من خلال نجاح مقاتلي المعارضة السابقين، وبقايا تشكيلاتهم، في استهداف النظام وتعزيزاته وإلحاق الأضرار المادية والبشرية به.
وحرصاً منه على عدم الانزلاق إلى المواجهات العسكرية، التي قد ينتج عنها اضطرابات وفوضى في الجنوب السوري، غير مرغوب بها بالنسبة لدول الجوار، بدأ النظام السوري مؤخراً نهجاً جديداً في استخدام أحدث التقنيات التي سخرها لتتبع المعارضين له قبل اعتقالهم أو اغتيالهم، فضلاً عن استخدامها في تجارة وتهريب المخدرات.
المتحدث باسم شبكة “تجمع أحرار حوران” أيمن أبو نقطة تحدث لـ “القدس العربي” عن آلية استخدام النظام السوري لطيران الدرون وغيره، في عمليات تهريب المخدرات واغتيال المعارضين له من بقايا فصائل المعارضة العاملة في الجنوب.
معسكرات تدريب
وقال المتحدث باسم الشبكة: وثق أهالي درعا استخدام نوعين من الطيران الميسر في محافظة درعا، أحدهما طيران “درون” والآخر من نوع “كواد كبتر” يتم التعديل عليه في الفرقة الخامسة من قبل مهندسين سوريين ولبنانين، حيث “استخدمت هذه الأنواع من الطيران المسير في عمليات استهداف منازل مطلوبين في طفس والمنطقة الغربية، فضلاً عن استخدامه في عمليات تهريب وتجارة المخدرات”. وقال أبو نقطة لـ “القدس العربي”: إن قوات النظام تدرب المقاتلين على استخدام الطيران المسير في معسكرات خاصة بالتدريب في مدينة إزرع بريف درعا، حيث يخضع لهذا النوع من التدريبات الميليشيات التابعة للفرقة الرابعة وحزب الله اللبناني.
عمليات التهريب
ومنذ مقتل مهرب المخدرات مرعي الرمثان، في الثامن من مايو / أيار الماضي، بغارة جوية أردنية، وانخفاض مستوى عمليات التهريب، بدأ النظام باستخدام طائرات الدرون على نطاق أوسع، ومن مناطق مختلفة على الحدود السورية الأردنية والتي يبلغ طولها نحو 375 كم. وخلال حزيران/يونيو الفائت، تمكنت السلطات الأردنية المختصة عسكرياً وأمنياً من إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة، كانت قد عبرت الحدود من سوريا، اثنتان كانتا محملتين بحبوب الكبتاغون، والثالثة محملة بقطع لبعض الأسلحة، وسبق ذلك في شهر فبراير/ شباط الماضي حيث أسقط الجيش الأردني طائرة محملة بالقنابل اليدوية.
وقال المصدر، إن عمليات التهريب لم تتوقف، منذ عملية التسوية في الجنوب السوري نهاية تموز 2018، حيث بدأ النظام حينها باستخدام الطيران المسير في عمليات تهريب أنواع مختلفة من المخدرات للأردن، وعلى رأسها مادتا الكوائين والكريستال مرتفعتا الثمن، إضافة لتهريب بعض الأسلحة الخفيفة والذخيرة، فيما شهدت الآونة الأخيرة استخدام المسيرات في عمليات التهريب من محافظتي السويداء ودرعا.
ووفقاً للمتحدث، فإن المهربين يلجأون لهذه المسيرات بسبب صغر حجمها، وسهولة التحكم بها وعدم حاجتها لدورات طويلة لتعلم كيفية استخدامها، إضافة إلى ثمنها المنخفض والذي لا يتجاوز الـ 1000 دولار للطائرة القادرة على حمل السلاح أو مخدرات بكمية يصل وزنها إلى نحو 15 كغ.
مسيرات إيرانية
وعمد النظام السوري مؤخرا إلى الطيران الميسر في عملياته الأمنية في محافظة درعا، وبشكل خاص في مدينة طفس، وبلدة اليادودة، ففي مطلع الشهر الجاري استهدفت مسيرة إيرانية الصنع منازل أحد المطلوبين في بلدة اليادودة في ريف درعا الغربي، دون وقوع خسائر بشرية. وفي العاشر من الشهر الجاري، استهدفت مسيرة تابعة للنظام أيضًا منزل محمد بديوي الزعبي، شقيق القيادي السابق في فصائل المعارضة، خلدون بديوي الزعبي، الذي قُتل في عملية اغتيال بتاريخ 25 آب من العام الماضي 2022، في منطقة المفطرة بين بلدة اليادودة وضاحية مدينة درعا، بدون وقوع خسائر بشرية.
المصدر قال إن إيران نقلت العديد من الطائرات المسيرة ذات الاستخدام المزدوج، بالمراقبة والقصف إلى محافظة درعا، ودربت ضباطاً وعناصر من قوات النظام السوري، لتكون السلاح الجديد للنظام في المحافظة.
ويشير المتحدث إلى خطورة هذه الطائرات التي تكمن في قدرتها على استهداف المنازل بدقة، واستهداف الأشخاص خلال تنقلهم بالمركبات أو الدراجات النارية، مبينا أن صوتها منخفض نسبيا، وهذا يعني عدم معرفة وجودها في المنطقة المستهدفة إلا قبيل تنفيذ الاستهداف. لافتاً إلى أن الفرقة الخامسة تجري تعديلات على بعض الطائرات المسيّرة، وذلك من قبل مهندسين وضباط يتبعون للنظام السوري وحزب الله اللبناني. وحول تحديد الأهداف على الأرض، قال الحوراني: هناك طريقتان يلجأ إليهما النظام، الأولى عبر خرائط الـ “جي بي أس” من خلال العملاء الموزعين في المدن والبلدات، والثانية من خلال الأسلوب القديم برمي شرائح إلكترونية في النقاط المستهدفة.
الخطر الأكبر
ومنذ العام 2018 اعتمد النظام السوري بشكل واسع النطاق على مجموعات محلية، سبق أن كانت ضمن فصائل المعارضة وانتسبت لاحقا للأمن العسكري والمخابرات الجوية، في تنفيذ عمليات المداهمة والاعتقال والقتل.
ففي العملية العسكرية الأخيرة التي شنها النظام على مدينة طفس، اعتمد بشكل كبير على مجموعة الأمن العسكري التي يقودها القيادي السابق في المعارضة، مصطفى المسالمة (الكسم)، إضافة لمجموعات أخرى، والتي نفذت عمليات تدمير ممنهج لعدد من المنازل في السهول الجنوبية لمدينة طفس، وعلى رأسها منزل القيادي السابق خلدون بديوي الزعبي.
كما تشير بعض المعلومات إلى أن هذه المجموعات والخلايا التابعة لها، تعمل على تحديد الأهداف بالنسبة للطائرات المسيرة، إضافة إلى عمليات رصد ومراقبة المعارضين ثم اغتيالهم، وقد تم توثيق العديد من عمليات الاغتيال، والاعتقال التي نفذتها مجموعات الكسم واللحام وأبو زريق خلال الفترة الماضية. وقال المتحدث: لا يبدو أن الأوضاع في محافظة درعا تسير نحو الاستقرار كما يصور النظام وإعلامه ومسؤولوه في المحافظة، فمن المؤكد أن هناك تياراً هو المسيطر في المحافظة على ارتباط وثيق بإيران وميليشياتها لا يرغب بالهدوء في الجنوب السوري.
وسجل مكتب توثيق الانتهاكات خلال شهر حزيران مقتل 38 شخصاً في محافظة درعا، بينهم سيدتان وطفل. وفي التفاصيل، وثق المكتب مقتل شخصين مدنيّين بإطلاق نار بعد تعرضهما للخطف، كما قتل شخص واحد بإطلاق نار من حاجز يتبع للواء الثامن استهدف سيارته بعد أن رفض التوقف شرقي درعا. في حين سجّل المكتب مقتل شابّة بإطلاق نار، وطفل بقنبلة يدوية، إثر عمليّتي اغتيال متفرّقة في محافظة درعا، كان المستهدف في تلك العمليات أقارب لهم.
وأحصى مكتب توثيق الانتهاكات الشهر الفائت، 31 عملية ومحاولة اغتيال، أسفرت عن مقتل 30 شخصاً، وإصابة 12 آخرين بجروح متفاوتة، ونجاة 4 من محاولات الاغتيال. وبحسب المكتب فإنّ معظم عمليات ومحاولات الاغتيال التي تم توثيقها في شهر حزيران جرت بواسطة “إطلاق النار” بأسلحة رشاشة روسية من نوع “كلاشنكوف”، باستثناء عمليتين بـ “عبوة ناسفة”، وعمليتين بـ” قنبلة يدوية”.
ووثق خلال شهر حزيران اعتقال 29 شخصاً من قبل قوات النظام، مشيرًا إلى أنّ أعداد المعتقلين في المحافظة تعتبر أكبر من الرقم الموثق لدى المكتب، نظراً لامتناع العديد من أهالي المعتقلين عن الإدلاء بمعلومات عن أبنائهم لتخوّفات أمنيّة وذلك بسبب القبضة الأمنية التي تُحكمها الأجهزة الأمنية التابعة للنظام في المحافظة. كما وثق المكتب خلال شهر حزيران 8 حالات اختطاف في محافظة درعا بينهم طفلان، وأفرج عن 6 أشخاص منهم خلال الشهر ذاته، وقتل شخصان بعد تعرضهما للخطف.