دمشق – «القدس العربي» : يعيش أهالي مدن وقرى إدلب في الأرياف الغربية والجنوبية أياماً دامية، وموجة نزوح ضخمة إلى العراء، على إثر تناوب الطائرات الحربية والمروحية على قصف تلك المناطق وعلى رأسها مدينة جسر الشغور وما أسفر عن ذلك من قتلى وجرحى بينهم أطفال، إذ تتواصل العمليات العسكرية لليوم الرابع على التوالي، حيث شنت قوات النظام السوري مدعومة بالقوات الروسية هجوماً عنيفاً على مدينة جسر الشغور بهدف الوصول إلى طريق دمشق – حلب الدولي، فيما دارت اشتباكات عنيفة في ارياف اللاذقية، وذلك تزامناً مع هجوم مماثل شنته هيئة تحرير الشام بمشاركة تنظيمات قاعدية على مدينة كفرتخاريم بالرشاشات الثقيلة والمدفعية الثقيلة والدبابات.
وقال الناشط الإعلامي محمد خضير من جسر الشغور لـ «القدس العربي»، ان المقاتلات الحربية لم تتوقف منذ نحو 100 ساعة، وسط حالة نزوح كبيرة لمئات العائلات إلى الريف الشمالي من المدينة والمناطق المحاذية للحدود السورية – التركية، مؤكداً ان الأهالي «يفترشون الأرض وينتشرون تحت أشجار الزيتون مع موجة البرد المقبلة ومن دون مساندة المنظمات الإنسانية».
ولفت إلى ان القصف تركز خلال الأيام الأربعة الفائتة على المنشآت الحيوية «ثلاثة مراكز للدفاع المدني السوري، إضافة إلى 3 منشآت طبية وأخرى دينية» معللاً السبب إلى مساعي النظام الحثيثة في «قطع سبل العيش داخل المدينة وتهجير الأهالي منها». وقال خضير إن ما يقارب 10 آلاف مدني نزح من جسر الشغور إلى البساتين، مؤكداً أن «كل أهالي المدينة نزحوا، ولم يبق هنا إلا القلة القليلة داخل المدينة ممن لا يملكون قوت عيشهم».
نزوح أكثر من 10 آلاف مدني من جسر الشغور إلى البساتين الحراجية
ولخص فريق الدفاع المدني حصيلة الخسائر والمناطق المستهدفة في إدلب ومحطيها أمس، مؤكداً مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين، وتدمير مشفيين ومراكز للدفاع المدني بقصف حربي على ريف إدلب، بعد استهداف 22 منطقة شمالاً.
وذكر بيان الخوذ البيضاء في إدلب أن طيران النظام استهدف مدينة جسر الشغور بـ4 غارات، على مراكز للدفاع المدني ومدرستين ومستوصف ومنازل المدنيين وسط المدينة، حيث خرج مركز قيادة قطاع الدفاع المدني في جشر الشغور عن الخدمة والمركز النسائي ومركز إزالة الذخائر، نتيجة استهدافها بـ6 صواريخ دفعة واحدة من طائرة حربية تابعة لقوات الأسد، ما أدى لدمار جزئي في المباني والمعدات والآليات الموجودة في تلك المراكز. ووثقت فرق الدفاع المدني القصف الحربي والمدفعي على 22 منطقة في ريف إدلب، وذلك بما يقارب 61 غارة حربية، 56 منها بفعل الطيران الحربي الروسي وبصواريخ ارتجاجية، بالإضافة إلى 91 قذيفة مدفعية. وطال القصف مدينة جسر الشغور وبلدات عدة حولها.
من جهته، اعتبر الائتلاف السوري تصاعد «الهجمات الإرهابية للنظام وحلفائه على ريف إدلب وحلب واللاذقية» قد دخل مرحلة جديدة من «الإجرام والتدمير، الأمر الذي يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً وفعالاً».
وطالب الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، في بيان له، مجلس الأمن بعقد جلسة طارئة للنظر في التطورات الجارية واتخاذ الخطوات اللازمة لوقف الهجوم الإجرامي والقصف الممنهج الذي يستهدف الأحياء السكنية في تلك المناطق، والقيام بكل ما يضمن حماية المدنيين. وأضاف البيان انه خلال الأيام القليلة الماضية طال القصف مختلف المدن والقرى والبلدات في المنطقة مستهدفاً الأحياء السكنية ومراكز الدفاع المدني والمدارس والمشافي، مخلفاً العشرات من الشهداء والجرحى بالإضافة إلى دمار واسع، مؤكداً أن هجمات النظام وحلفائه على المناطق المدنية في إدلب ومحيطها هي جرائم حرب ممنهجة تهدف لقتل وتهجير المدنيين بالدرجة الأولى، وأن واجبات المجتمع الدولي، من خلال مؤسساته الرسمية، أن تفرض عليه تحمل مسؤولياته تجاه ما يجري خاصة فيما يتعلق بوقف جرائم الحرب والعمل على محاسبة المجرمين. وأكد انه يتواصل الائتلاف أولاً بأول مع المبعوثين وممثلي الأطراف الدولية، وقد «أوضحنا ضرورة قيام الدول الفاعلة بممارسة ضغوط فعلية وعاجلة واتخاذ إجراءات عملية لوقف الحملة الجارية حالياً».
وبالتزامن مع قصف قوات النظامين السوري والروسي لمحافظة إدلب، نفذت هيئة تحرير الشام التي تقودها «جبهة النصرة» بدورها هجوماً على مدينة كفرتخاريم بريف إدلب الشمالي، تمهيدا لاقتحامها، ما اسفر عن مقتل مدنيين اثنين، واصابة آخرين بجروح.
وقالت شبكة «بلدي نيوز» المحلية ان هيئة تحرير الشام وبمشاركة ما يسمى بأجناد القوقاز والحزب الاسلامي التركستاني لنصرة أهل الشام، استهدفوا مدينة كفرتخاريم بالرشاشات الثقيلة والمدفعية الثقيلة وقذائف الدبابات منذ ساعات الفجر الأولى بغية اقتحامها وفرض السيطرة عليها، ما أسفر عن مقتل مدنيين وإصابة خمسة آخرين بجروح.
الهجوم جاء في أعقاب مظاهرات شعبية خرج بها أهالي مدينة كفرتخاريم مطالبين تحرير الشام بالحد من تجاوزاتها في ظل ارتفاع الأسعار وقلة الموارد وفرض المكوس الذي تمارسه أذرعها الاقتصادية والمدنية ممثلة بما يسمى «حكومة الإنقاذ».
وتعتبر هيئة تحرير الشام تنظيماً همّه الأول السيطرة والبقاء سواء كان ذلك عبر تبني خطاب التنظيمات الجهادية العالمية أو المحلية أو التماهي مع خطاب الثورة أو حتى الارتماء في حضن النظام السوري إن تطلب الأمر ذلك، وهو ما عبر عنه الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، حيث اعتبر التنظيم «سلطة أمنية – عسكرية لا يهمها سوى البقاء والسيطرة» مستنتجاً أن هدفها «لا يختلف عن وحدات الحماية الكردية وحتى النظام السوري، جميعهم على استعداد كامل لقتل الشعب وعدم الاستجابة له مقابل تقديم كل التنازلات إلى المجتمع الدولي».