من الغريب جدّا أن تصل العبقرية الإنسانية إلى اختراع بصري تحكمه شاشة، يجعل الحدث يمر في حينه أمام أعين المتابعين، الدمار والقتل والخراب حكايات تحدث في الواقع وتنقلها الشاشات إلى من يريد أن يتأكد من أن «تلفزيون الواقع» ليس كذبة، بل حقيقة تختزن مرارة أن يستمتع الإنسان بالمشاهد المرعبة، لأنّ آلة الإعلام الغربية دجّنت وعي مواطنها إلى درجةٍ جعلته يعتقد أنّ «في بيت كل فلسطيني صاروخا» ولهذا يجب أن يدفع المدني الفلسطيني الثمن، إلى هذه الدّرجة وصل الإسفاف والعنجهية بالعقل الصّهيوني، الذي لا يهمّه شيء أكثر من الإبادة ليؤسّس كيانه على جثث وآلام شعب يتعرّض للتّهجير والتطهير العرقي، منذ أن استفاق الصّهيو – يهودي على تخاريف التلمود ووصايا التوراة المزعومة.
غزّة والهوية الجماعية الأولى
مؤلم هذا الذي نتابعه على شاشات الفضائيات ـ نحن العرب والمسلمين ـ لأنّ كل صاروخ يسقط على بناية يهشّم طوبها ويسحق سكانها، إنّما يسقط ابتداء في قلوبنا ومنازلنا وحاراتنا ومدننا، كل المدن حزينة لأنّها صارت جميعها غزّة. غزّة أصبحت هوية وطنية عابرة للجغرافيا، كل وعي تلتقيه توقظ فيه الإحساس بالأرض المشتركة بين بني الإنسان، لم نخلق هذه الأرض، لم نخترع تربتها، لم نرسم ملامح طبيعتها، لم نرفع سماءها، لم نضرب أوتاد جبالها، لم نفجّر بحارها ووديانها وأنهارها، إنّها أمانة الخالق سبحانه وتعالى، لذلك ينطلق الوعي الإنساني في مطلقه من فطرة الخلق الأولى، ليناضل من أجل حماية البيئة، فالتشاركية الحياتية قائمة في جينات ميلاد الإنسان الأول في التاريخ، اليوم، تحمل غزّة هذه الفضيلة التي تعيد للإنسان هويته الجماعية الأولى، والعقل المتصهين يقفز على هذه الحقيقة، لأنّه تأسّس في ورطة وجودية اختلق تفاصيلها الكاذبة وصدّقها، «شعب الله المختار» كذبة الصّهيوني التي انفصل من خلالها عن حبل الميثاق الوجودي الإنساني، وعاش في برجه العنصري، منعزلا عن الإحساس الإنساني المشترك بتواضع «آدم» وتوبته، التي أعادته إلى حضن القيم السّماوية التي لا يؤمن بها هذا المخلوق إلا بمقدار ما تحققه له من سلب الفلسطيني بيته وضيعته وأملاكه.
ما يزيد من حزن العربي والمسلم والإنسان، هو العجز الذي يحيطه من كل جانب، غير قادر على التّعبير الملموس للفلسطيني المناضل والمقاوم والمرابط، عن ارتباطه الأبدي بالقضية الفلسطينية، باعتبارها محور وجوده، لأنّ القدس إضافة إلى أنّها «ثالث الحرمين» فهي الحضن الآمن الذي تعايشت فيه العقيدة الإلهية ذات المصادر الدينية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلامية، ومن هذا المنطلق فإنّ غزّة، البلدة الطيبة الآمنة وهي، تُدك فوق رؤوس أهلها، إنّما تدق ناقوس الخطر إيذانا وخوفا من فقدان المشاعر الدينية والقومية والتاريخية، التي تجعل الإنسان في نهاية الأمر كينونة تتابع الحدث ولا تشعر بأنّ الأمر يعنيها، بل فوق ذلك قد تشعر بالضيق من متابعة الأحداث المرعبة فتبادر إلى الانتقال عبر الفضائيات لجلب القليل من الترفيه حتى لا تصاب بالاكتئاب.
إرادة المستعمَر وعبثية المستعمِر
تسارع آلة الدمار الصّهيونية إلى إبداع خطّة «التطبيع مع التدمير» عبر الصورة المستمرّة للقصف العشوائي، الذي يخلف المزيد من الخراب والدم، حتى يصبح المشهد وكأنّه حلقة من حلقات «تلفزيون الواقع» الذي مهما حدث فيه من «واقع» فهو في النهاية مجرّد عرض. لكن هل تستطيع أن تتبلّد مشاعر الشعوب وتصل إلى هذه الدرجة من البرودة؟ قد نجيب بنعم، لأنّ أنظمة التطبيع وصلت إلى هذه الدرجة، لكن أيضا قد نجيب بالسلب، لأنّ المواطن العربي والمسلم عبر تظاهره العفوي وتوجّهه إلى سفارات العدو الغاصب وحارسه الأمريكي، يكشف عن مدى فشل الخطط الغربية في فصل هذا الإنسان عن قضاياه المصيرية، ليست أمريكا هي من تقرّر مصير العلاقة بين العرب والمسلمين وفلسطين، بل هي الشعوب التي تنتفض من خلال شعورها بالقضية الفلسطينية، الخامد أحيانا في أعماق وجدانها لكنّه غير ميّت. رغم ما يصيب غزّة والقدس وفلسطين على العموم من مؤامرات وتضييق صهيوني وقتل وتشريد وتهجير، يؤلمنا ويقتلنا كل مرّة نعرف أنّ روحا بريئة مقاوِمة ومدنية أزهقت، لكن الشعوب الثورية تعرف أنّ ذلك هو الضّريبة الباهظة، التي يجب على المستعمَر أن يدفعها ليسترد وطنه وحريته واستقلاله، وهذا ما يجعل من الاحتلال حالة عبثية في مسار التّاريخ، لأنّه يتغافل عن قوة الإرادة التي لا يمكن أن تموت لدى الإنسان، وهي أقوى سلاح – يتشبّث به المستعمَر – لا تنفذ ذخيرته ولا تنتهي صلاحيته ولا يزول، فالغباء الاستعماري يقفز على هذه الحقيقة، لا لأنّه لا يدركها، لكن لأنّه يعلم أنّه لو صدّقها لانتهى حلمه العابر، فالإرادة قوة لإدراك موقف الذات مما تعيشه، وموقعها على سلّم كونها إنسانا مكرّما وعاقلا، يعي حقيقة وجوده على الحياة ليحيا ويستمر حرّا، تلك قصة اليهود الصّهاينة الذين تعرّضوا لكل أشكال التنكيل والرّفض والتّمييز، وبالإرادة تحرّروا من ذلك كله لكنّهم مارسوه على الفلسطينيين، وهذا ديدن كل استعمار غاشم غبي، كفرنسا وأمريكا، يتغافلون عن سلاح الإرادة لدى الشعوب لتفاجئهم بالدحر والطرد والهزيمة، وما خَبَر الأفغان مع أمريكا والسوفييت ببعيد.
اسمها فلسطين منذ وجدت
عرضت إحدى الشاشات خريطة فلسطين، وكان المذيع يتعرّض للقضية منذ فجر التاريخ، كان اسمها فلسطين منذ وجدت. رحت اتتبع الشّريط الساحلي على البحر المتوسط، فانتقلت من غزّة إلى عسقلان ثمّ يافا، حيفا، عكا والنافورة. شعرتُ أنني أنتقل بين هذه المدن موجة تقذفني إلى أخرى، أعانق الملح الذي يستنشقه الملاح والصياد والمقاوم الفلسطيني، منذ أن وجدت أسوار عكا، لكن هاجساً ما كان يلح عليّ بالعودة صوب غزّة، ووقفت عند نقطة الإغلاق في الحدود مع مصر، فإذا برفح تطل من بين فلتات الذاكرة الأليمة للتفكيك الجغرافي الذي أحدثته معاهدة سايكس بيكو، وأهواء أخرى عربية ضيّعت حلم التضامن والجسد الواحد. رأيتني أعْبُر الحلم العربي متسائلا عن هذا النّشاز الصّهيوني، الذي أفسد نقاء التاريخ، ضيّع عبقه عبر المحو المنظم لملامح المدن العربية، وتغيير أسماء شوارعها، وهدم معالمها التاريخية، تحضيرا لمسوخ الرّواية التلمودية، التي تهدف إلى تهويد كل ما هو غير يهودي، وصبغه بألوان الحكاية الطالعة من الادّعاء المستمر بالمظلومية في التاريخ، هل يمكن لإنسان أن يشتكي الظلم ويتسلح به حكاية وهو في الوقت نفسه يمارسه؟ الصّهيوني يفعل ذلك عيانا جهارا، لأنّه لا يمتلك الشجاعة لكي يعترف بحقيقته التاريخية، كشعب لم يعش إلا وسط الجماعات الاجتماعية التي تأسّست تاريخيا، ضمن وجودية معلنة منفتحة على الآخر، وهو ما ترفض الكيانية الصّهيونية أن تتقبّله وتتصالح معه، ناظرة إلى مرآة التاريخ الحقيقي وليس المزيّف، الذي تختلقه عبر أكاذيب التلمود والتوراة المحرّفة. إنّ انعزال الصّهيو ـ يهودي هو الذي أدّى بكينونته التّاريخية الإثنية إلى الضّياع عبر «الشتات» التاريخي الدياسبورا.
الفلسطيني التاريخي واليهودي التائه
احتضن الفلسطيني التّاريخي اليهودي التائه وتقاسم معه الوطن والوجدان والخبز، لكنّ هذا الأخير ما إن تمكّن عبر روغانه التّاريخي من الأرض والبشر حتى استعاد فكرة الاختيارية الإلهية، التي وظّفها مستعينا برمزية المحرقة المضخّمة والمؤسطرة، وهو ما أثبته روجيه غارودي في كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» فلأنّها أكذوبة حاول تثبيتها في التّاريخ، عن طريق إخضاع الخصم لها ولفحه بنيرانها حتى تستمر في وعيه ويتم توظيفها جيلا بعد جيل.
يرفض الصّهيو ـ يهودي المعافاة من آلامه التّاريخية بأن يبوح ويعترف بالخلل الذي يعتري ذاكرته، وهو ما يتضمّن العلاج النّفسي الذي يكتشف خلاله الطبيب عبر فلتات اللسان عناصر المرض أو العقد النّفسية، فيواجه بها المريض ليكتشفها هذا الأخير ويعترف بها، ويتقبلها ويكون ذلك أول خطوات الشفاء، لا يريد الصّهيو ـ يهودي مواجهة ذاته المشتّتة والضّائعة في لهب محرقة وهمية ليكرّس فعلها عبر التاريخ فتصبح حقيقة يتاجر بها. إنّ حضور الغرب في واقع الكيان الغاصب والمساعدة اللامشروطة والمطلقة له، يؤكد ما يسمّيه عبد الوهاب المسيري «الدولة الوظيفية» إذ «الكيان» ما هو سوى عنصر من عناصر حماية المصالح الغربية، التي من أهم أولوياتها إفراغ فلسطين من سكانها الأصليين، وتهجيرهم عبر مراحل تمّت منذ النكبة إلى الهزيمة، وحتى اللحظة الرّاهنة عن طريق تعريض غزّة للقصف وبعده الاجتياح، وأخيرا تثبيت المخيّمات في سيناء، وهو ما تفطن إليه الفلسطينيون فقرّروا عدم الانصياع للتهديد الصّهيوني بإخلاء المناطق التي يتم قصفها. لماذا يمارس الصّهيو – يهودي فعل التهجير؟ لأنّ وعيه تأسّس على عدم الثبات في المكان، فالأسر البابلي أوجد مجتمع العبودية اليهودي، عن طريق القنص فتشكلت الذاكرة الخائفة من التجمع، وهو ما شكل الأرضية المواتية للعزلة في إطار الشتات، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتؤكد في شخصية الصّهيو ـ يهودي عدم ثبات المكان، حيث كان هناك الهروب من النّازي إلى المخابئ داخل حتى البيوت، وليس الأماكن المفتوحة فقط، فحاول ممارسة هذا اللاثبات في المكان وتأسيس الشتات على الضحية الفلسطيني.
كاتب جزائري