بين شوشع ومارادونا نقطة مشتركة: الاثنان يبلغ طولهما المتر وخمسة وستن سنتيمتراً. كما أنهما حملا الرقم عشرة. الرقم الأعجوبة في مستطيلات الكرة. الجزائري شوشع لا يهمه سوى التهديف، بالرأس أو بالقدم، أن يرى الكرة تعبر خط المرمى فينطلق في صراخ وركض وحركات بهلوانية ويرفع من طاقة الفرح في قلوب المتفرجين. كلما سجل شوشع هدفاً صارت لقطة التهديف قضية وطنية.. تلك اللقطة ستصير من خرجات الساسة أو نجوم الشاشة. فهذا الشاب الذي بلغ التاسعة والثلاثين من العمر بات سيد السوشيال ميديا، ليس في الجزائر وحدها بل في العالم العربي أجمع. من لا يعرف شوشع فمن المؤكد ألا علاقة له بكرة القدم. إنه يُزاحم شهرة مواطنه رياض محرز، بقامته القصيرة، يُعلي شوشع سقف الفرح، لا يهم على من يسجل، فالمهم أن يراه الناس وهو يطوف الملعب الصغير، في حي شعبي، فتعم الابتسامات. في تلك اللحظات ننسى أن شوشع يُعاني من اضطرابات، وأنه من ذوي الاحتياجات الخاصة، ننسى ماضيه ومن أين أتى، بل إنه ينسى هو أيضاً قساوة عيشه وفقره، ونُرافقه في دورته الشرفية بين الجماهير، وهي تهتف باسمه، بغض النظر عن إن كان قد سجل ضد مرماه. حال شوشع يعبر ـ إلى حد ما – عن حال الجزائر، فالمهم هو الفرح، بغض النظر عن أسبابه. فالناس لا يذهبون إلى مشاهدة جماليات الكرة، ولا تهمهم النتيجة التي سوف تؤول إليها المباراة، من ربح أو من خسارة، المهم أن تصل الكرة إلى قدم شوشع، ولا ضرر إن كان في حال تسلل أو تواطأ الحكم معه، ما يعنيهم أن يرونه يسجل. فالمباراة الرابحة في نظر تلك الجماهير التي تتابع شوشع، في تنقلاته من مدينة إلى أخرى، مثل أمير يتنقل بين مُريديه، هي مباراة يسجل فيها هذا الشاب الذي لا يتكلم إلا قليلاً، من غير اهتمام بالفريق الذي يلعب له. صار شوشع ظاهرة عام 2023، مرادفاً للفرح حيثما حل. صار رغماً عنه أكثر الأشخاص متابعة في بلده، على الرغم من أنه لا يستخدم الإنترنت ولم يسع إلى نجومية.
دروس مجانية في النجومية
إذا تصفحنا النت، أو شاهدنا بعض القنوات الفضائية الجديدة، فإننا سنعثر على برامج إرشادية، موجهة إلى الشباب، تجتمع كلها تحت يافطة كبيرة: كيف تصير «مؤثراً» على مواقع التواصل الاجتماعي؟ فكل شخص يحمل هاتفاً في يده، ويتوافر على النت، في الجزائر وله حساب على السوشيال ميديا، يود أن يصير معروفاً. من بين النصائح التي يوجهها من يُطلق عليهم «مختصون» أن يحدد «المؤثر المستقبلي» نقاط قوته، ويختار الجمهور الذي يتوجه إليه، فئة عمرية بعينها والجنس من رجال أو نساء. نصيحة فضفاضة لن تنطبق على حال شوشع، الذي لا يمتلك نقاط قوة عدا شغفه بالكرة، على غرار الملايين من مواطنيه، فهو لا يختلف عنهم في شيء، بل يُعاني نقصاً ويتفوقون عليه ذهنياً.
من يُشاهد فيديوهات شوشع، من غير الجزائريين، قد يبدو له الأمر دعابة، أن الاحتفالات الجنونية لصاحبها عقب تسجيل كل هدف ليس أكثر من كوميدية، سرعان ما ننساها بالمرور إلى فيديو آخر، لكن صورة شوشع في الجزائر لها وقع آخر
من المحتمل أن النقص الذي يشكو منه قد جعل منه نقطة قوة في كسب الناس إلى صفه. كما أنه لم يحدد فئة معينة من الناس يتوجه إليها، فالفيديوهات الأولى التي ظهر فيها في مدينة أم البواقي (شرق الجزائر) ثم انتشرت لم تكن سوى فيديوهات عفوية، فكسبت متابعة الفئات كلها. هكذا إذن فإن خلطة شوشع كانت واضحة: ألا تتوجه إلى أي أحد ولا يحصر نفسه في مخاطبة فئة دون غيرها على النت. لكن النصيحة التي يتشارك فيها مع «المؤثرين» أنه راهن على شيئين: البساطة والأصالة. بسيط في انفعالاته، في صخبه، في فرحه وفي غضبه كذلك، وأصيل في تواصله مع الآخرين. يتصرف على سجيته. عنصر آخر استفاد منه شوشع في صعوده المفاجئ هو غياب المنافسة. لا منافس له من أمثاله في الركض في ملعب الكرة، ولا شبيه له في تعميم الفرح حين يسجل هدفاً. شوشع يجد نفسه وحيداً في ساحة السوشيال ميديا، وابتكار خصم له قد يكون مفيداً له، لكن إلى حد الساعة لا يزال يُقاوم وحيداً، يلعب مثلما يحلو له، ويتكفل وحده في صنع متابعين له بمئات الآلاف، إلى أن صار مرادفاً للفرح كلما قابلنا واحداً من فيديوهاته.
الصورة من الداخل ومن الخارج
من يُشاهد فيديوهات شوشع، من غير الجزائريين، قد يبدو له الأمر دعابة، أن الاحتفالات الجنونية لصاحبها عقب تسجيل كل هدف ليس أكثر من كوميدية، سرعان ما ننساها بالمرور إلى فيديو آخر، لكن صورة شوشع في الجزائر لها وقع آخر. في بلد يبحث عن أدنى سبب من أجل الفرح، في بلد حيث تجهم الوجوه قاعدة بينما الابتسام استثناء، يصير شوشع بطلاً قومياً، بحكم أنه خرج عن السائد، كسر تلك الصورة النمطية عن الجزائري المسرف في جديته، والذي لا ينكت سوى للضرورة. إن صورة شوشع هي البديل عن تنميط صورة الجزائري، فما يفعله في الملعب يهدم الفكرة المتداولة عن مواطنيه، بل يُعيد إليهم النصف الضائع من صورتهم، يحررهم من قنوطهم ويتيح لهم النظر إلى أنفسهم نظرة مخالفة في المرآة. إن تجاوز هذا الشاب ـ المحب للكرة ـ للمتفق عليه، على الرغم من إعاقته، ونزوعه إلى استخراج الضحكات والفرح من وجوه مشاهديه، يلعب دوراً حاسماً في ترويج شهرته، فقد استطاع بعفويته أن يُصالح الناس مع حقهم في الخروج من الجمود، من غير سيناريو مسبق، بل وجد فيه الناس حجة في الإفراج عن كبتهم. صار شوشع ينوب عنهم في رفع هرمونات الضحك، وفي التخلي عن الصورة الصلبة السلبية المعروفة عنهم. بالتالي فإن غالبية من يُشاهدون شوشع في الجزائر يتمنون لو كانوا مكانه، ليس غيرة منه جراء الشهرة التي بلغها، بل رغبة منهم في الضحك الذي لم يمارسونه في ما سبق من حياتهم. فشوشع صورة مكبرة عن الفرح، عن مشاعر السعادة التي جفت ينابيعها في قلوب جزائريين آخرين.
روائي جزائري