اسْتِباحة المتخيَّل

محمد علاء الدين روائي مصري من الجيل الجديد الذي يقف اليوم على الحواف الأكثر إشكالاً، ولد كبيراً متمرساً لدرجة بدت تجربته شديدة القوة والجرأة والكثافة، كتابة تتحرك بسرعة الضوء، لا تترك لقاءها فسحة أخذ نفس كما في الروايات الكلاسيكية، وأي توقف قد يفقدها خيط الرواية والمتعة. يشكل عملاه «إنجيل آدم» و«الأعراف» رأس الحربة في تجربته الروائية، في الأولى اختار تعددية المسخ في الإنسان الواحد، وفي الثانية يستعيد قصة أمّ تحكي لابنها حكاية شديدة الغرابة، كيف كانت قطة قبل أربعين سنة ثم التحولات التي مستها. كأننا في عالم كافكاوي مقلوب، بحيث تنتقل الحيوانات نحو الوضع البشري، على العكس من غرغوري سامسا الذي نام إنساناً واستيقظ حشرة عالقة، ماتت وهي في قمة دهشتها وأسئلتها عن بؤس البشر وخرافة العائلة المقدسة.
على الرغم من قدم رواية «إنجيل آدم»، تظل علامته الأساسية، يتوزع فيها الراوي الواحد إلى شخصيات تجريبية بلا حدود، في مساحة تخييلية افتراضية لا حدود لها. ولعل هذا أهم ما يميز كتابات محمد علاء الدين؛ فقد جعل من المتخيل رهانه الأقصى، وفتح كل أبوابه ونوافذه وفجواته المغلقة، وذهب به نحو حالات كل شيء يرى فيها بالعين المجردة، حتى الهواجس الداخلية الأكثر بشاعة للبشر، من نفاق وكذب وتمسح للمسؤولين.
المتخيل هو نقطة التحول في أي نص إبداعي، الذي جعل من الرواية الأمريكية اللاتينية ترتقي إلى العالمية، هو تميز مخيالها ولكن قدراتها اللامتناهية على الدفع به نحو أقاصي التعبير، وهو ما يؤكده الروائي محمد علاء الدين، في حوار أجراه معه إبراهيم فرغلي، للأهرام (10.05.2006) «لا يمكنني تفريق الشكل عن المضمون، والأسلوب عن المحتوى، فلم يكن الأسلوب في “إنجيل آدم” يهدف إلى الاختلاف كقيمة أسمى، ولكن المحتوى والمضمون فرضا عليّ شكلاً بعينه». فالتخييل في النهاية هو مقياس اللعبة الفنية، والروائية تحديداً، لأن مساحاتها واسعة أكثر من أي فن آخر. أكبر شيء تضرب فيه السلطات المتخلفة شعوبها المغلوب على أمرها هو كسر ظهر مخيالها وابتذال قدراته، وتسطيح الطاقة الخلاقة المخزنة فيه. رهانات فعل التخييل هي الاستمرار في إنتاج الحياة الموازية للشرور، عالم الخير والعدالة، والخروج من الشرطية المفروضة على الإنسان. استباحة المتخيل هـــي أكبر جريمــة تمارس ضد الإنسان، بحــــيث يتم تعــــديل الخـــلايا العصبـــية (Les neurones) لتتحرك لا وفق منطقها، ولكن وفق من يريد السيطرة عليها. فالتخييل نقيض الخوف تماماً، بل ومكسر صخوره، هو المساحة الواسعة التي تتجلى فيها الحرية بامتياز. فكلما تحرر المخيال أصبح خطراً على أنظمة الرعب الرعوية. أنا أتخيل إذن أنا موجود، أي أنّ وجودي رهين حريتي. أستطيع أن أكبر، واتسع، وأخرج من دوائر الضيق بالحلم. ليس الحلم في النهاية إلا محاولة للخروج من سجن الواقع اليومي المتهالك.
يعتمد محمد علاء الدين نظاماً شعبياً لسرد قصته وشخصياتها، لأنه في الثقافة الشعبية تنتفي الفواصل بين الحلم والتخييل والواقع، الكل يشكل وحدة حية. الحلم يصبح رديفاً للواقع، فيتحول في النهاية إلى تهديد للمجتمع البائس الذي تمت صياغته خارج أي حلم، ووفق رضى العصابات الحاكمة المهيمنة على الزمن العربي البطيء، الذي تحكمه بالونات مليئة بالهواء الساخن، إبرة بسيطة ممكن أن تفجرها كلياً. كان نظام مبارك في مصر يشعر بنفسه محصناً من أية هزة، كل شيء كان محكماً، شيء واحد لم ينتبه له، قدرة الغلابة على الحلم، فسقط عرشه كما القصور الكرتون، في ثوان. فعل التخييل هو الملكة الوحيدة، منذ بدء الخليقة، التي سمحت للبشر بأن يستمروا في عالم القوة والعنف.
من هنا، لا يمكن فهم «إنجيل آدم» إلا من هذا الباب الذي يرى في التخييل ليس فقط مادة روائية، ولكن موضوعاً أيضاً، فهناك تحرير كلي للمتخيل بحيث يصبح مساحة للحرية يظهر فيها الإنسان لا في صورة أحادية، ولكن في تعدديته، في اللحظة التي يبدو فيها حملاً وديعاً، فهو يخفي مخالب نمر شرس. نحن في عمق عالم المسخ، تكاد الشخصيات ألّا توجد إلا في مخيال الرّاوي، فهو من يخلقها، وينظمها، ويرتب مواقعها وحركتها. الشاب المتسكع في ميدان التحرير يبدو ضائعاً قبل أن يستقر بصره على جسد فتاة ذات صدر ممتلئ ومؤخرة مغرية، يستفرغ رغباته الجنسية المقموعة، فيسرح بخياله ليذهب بعيداً في هذا الجسد الذي يتحرك أمامه. يدخله ذلك في دوار الأسئلة المحيرة، كأن هناك كاميرا معلقة في الأعلى تتبع حركاته، قبل أن تتوغل في أعماقه وهواجسه. تتشظى شخصية الراوي إلى شخصيات متعددة كثيرة، هو لا يملك ما يسمح له بجر الفتاة نحو زاوية والنوم معها، على افتراض أنها مومس تصطاد الرجال في ساحة التحرير؟ تبدو ساحة التحرير كمكان رمزي تتكشف فيه كل الخيبات المبطنة، ويبدو الراوي ككائن يعيش في مدار مخدر، حيث كل شيء يظهر كما يأتي، بلا ألوان مزيفة ولا مؤثرات جمالية. ينتقل من وضع إلى وضع وكأنه في مسرح الحلقة، بلا مقدمات إلا مقدمات مأساة الإنسان في مجتمع متخلف. تتوالد الشخصيات بلا توقف على مدار الرواية كأنها شظايا ملتهبة لواقع مريض. يرى نفسه فناناً تشكيلياً مفرط الحساسية، ثم ابن التاجر المدلل الذي يظهر ثم يختفي أمام الميكانيكي الأصلع البشع.
وكأن علاء الدين يريد أن يستنطق، في لحظة هاربة شكلت بنية الرواية كلها، كل الشرائح الاجتماعية بدون تابوهات مسبقة، من الشرطي المتزلف الباحث عن رضى أولياء النعمة، إلى المجرم القاتل، إلى الميلي والسحاقية، إلى الأخت وزنى المحارم. كل هذا يتم داخل أسئلة الوجود العميقة التي تحكم الإنسان وتسيره داخل المتاهات التي صُنعت له. شخصيات تتناسل داخل الراوي راسمة كل التشوهات من نفاق وفساد، ونهب وجريمة. يتقن الروائي لعبته الفنية والفكرية جامعاً الديانات الثلاث بكثير من الصراحة والكشف، وهي تواجه بشرية محكومة بدوافعها الوجودية: تلبية الليبيدو الحارق، سلطة الحكم الإلهي، محو المتخيل الطبيعي وتعويضه بمتخيل الذل. هاجس الحرية هو كل شيء في «إنجيل آدم».
العودة في النهاية إلى وضع الراوي البدئي، إلى لحظته الأولى في ساحة التحرير، حيث الشمس العمودية الحارقة، والفتاة ذات النهدين النافرين، والمؤخرة المثيرة، ليس إلا الدورة المستعادة لعالم يتكرر، تنتفي فيه إنسانية الإنسان الباحث عن هويته الفردية المسروقة، ضحية القوانين الجائرة والأعراف، الكائن الآخر النائم فينا، قبل أن تلحقه التشوهات التي أرهقت المجتمع وقتلته في مخياله وحلمه، وسطحته حتى أصبح شيئاً بلا معنى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية