اشتغالات الرمز في تكوينات التشكيلية العراقية شذا مطر

(وأنا أخوض غمار اليوميات وروتينها المتدحرج ككرةِ غزلٍ معقودة الخيوط، نَفرَ من مغزل جدتي التي أضنتها الحكمة وهي تروي الحكايات، لعل هناك من سيحز بخيط مغزل حكاياتها في صخرة الرأس الصماء حكمة ما، أو ربما سينير القلوب بصيص نور المحبة بفيض مضيء كقنديل عتيق، أليست البصيرة في القلوب).
لا شك في أن قوة اللون تكمن في التعبير ودلالاته وأثره في حواس ومشاعر المتلقي، فاللون الأخضر في لوحة شذا مطر (الأشجار ألوان القداسة) هي ثمة فراديس تخلقها مخيلتها تارة، أو مشاهداتها الواقعية، لاستدعاء السكينة والهدوء، بغية الانطلاق نحو الحياة وصخبها وخصبها، إنها روح بلون خضرة الفردوس التي تحاول التعبير عنها في بريق ألوانها وشدته وكثافته (Luster and color intensity) على السطح وتكراره في خطوط منحنية راقصة، فتعد بمثابة تمثيل لحالة الرقص والتحليق والصفاء الروحي وتجليه والاندماج مع الشكلي للأجساد، فهي دلالات انسانية لتذويت (subjugation) الآخر في خلق أجواء التعايش، وهي إحالات نفسية لصمت الطبيعة (the silence of nature) ومحاكاتها وتفجير وتثوير مكامنها وروحها، لتبدو أكثر إشراقا وعمقا ووهجا جماليا ومعرفيا وروحيا، والشكل الهرمي العمودي المنحني للأشجار والتدرجات القيمية للون، بين بريقه وعتمته، أو وضوحه يشكل سلما هرمونيا إيقاعيا (rhythmic hormonal) راقصا يلامس حالة الشغف الروحي للفنان، وانعكاسه على نفسية وذهنية المشاهد. لعل الفنانة بحدسها وأدواتها تحاول أن تجرَّ المتلقي لعالمها الفسيح الرمزي الميثولوجي، واستدعاءه لمناطقها وذاتها ولحظتها المتوهجة بالفيض الروحي الجمالي لخلق تناغم وانسجام بين هاتين الذاتين الأنا والآخر.

ويعد التكثيف اللوني هنا في هذه اللوحة أو في لوحة (الغابة) وغيرها، تنحو إلى ذات النسق الشكلي اللوني والصوري، فتلاحظ شدة الضربات الانفعالية للفرشاة بخطوط عمودية طولية، وتكرارها بتلقائية غير متكلفة ومتصنعة، فإنما تشير وتدل على حالة الغياب المؤقت وحالة اللاوعي في لحظة الإنجاز والتصوير، لترك فضاء متسع غير منغلق لرحابة الخيال، والعوم في الأفق الروحي والفني في آن واحد، فدلالة الأشجار في لوحاتها بقوامها وشموخها وتكوراتها وانحناءاتها، هي علامات سيميائية دالة على جسد أنثوي، وإن تعدد وتمثل في أشكاله وألوانه وماهيته التعبيرية، لكنه يبقى جسدا واحدا في طقوسه ولحظته الآنية الدالة، بمعنى أن الطبيعة والوجود وإن اختلفت وتعددت فهما، ثمة أنثى في جسد إله أو رمز ميثولوجي أو أسطوري، بكل عنفوانها وكبريائها وسحرها الأنثوي الجمالي الإنساني، الملازم لتصورات وأحلام وأماني الآخر، وهنا يمكن القول إن الوجود، كما تحاول تصويره الفنانة، يختزل بأنثى وعوالمها وطقوسها وكينونتها، فما هذه الأرض الواسعة والطبيعة والكون المجرد إلا نقطة، مركز إشعاعها يكمن في عطر امرأة وابتسامتها ورقتها وتخليقها لكل ما هو جميل ومبدع وخلاق، وهذا الكون ليس أحاديا كما يصوره أو ما يعتقد البعض، بل هو من صنع الآلهة الأنثى (female deities) بكل عنفوانها وصنائعها ووجودها وإشراقتها الدينامية الحركية، أو الدينامية الشعورية الوجدانية وحذقها وفهمها واحتوائها وجلدها وتحملها لكل ما يقع على كاهلها.
«يا عشتار الكريمة، التي تحكم الكون، يا عشتار العظيمة، التي تخلق البشرية، التي تسير أمام القطيع، التي تحب الراعي..
تنصفين المحزون، تعدلين مع الذين يعانون. بدونك لن ينفتح النهر،
النهر الذي يمنحنا الحياة لن يغلق، من دونك لن تفتح القناة،
القناة التي يشرب منها المبعثرون، لن تغلق..
عشتار، أيتها السيدة الرؤوف..
اسمعيني وارحميني».

إن إحاطة الأجسام بهالات ضوئية في لوحات «الغابة ألوان القداسة» وكذلك لوحة «البستان» وأيضا «لوحات من الطبيعة وتجدد الفصول»، ينم عن انبعاث وهج روحي من عمق العتمة، وبعض البقع السود التي تركتها هنا بين الأشكال المجسمة هي ذات دلالات وإيحاءات عن حالة الانسداد والتشابك الشكلي، بين مكونات الغابة وعتمتها والغموض والخوف الذي يتركه في نفس مشاهديها من النظرة الأولى، وحالة التماس الأولية التي تعد صدمة ودهشة (shock and amazement) في الوقت ذاته، وهو الغوص في أحادية الوجود وكنهه وقلقه، وكما يعبر عنه أفلوطين حين قال: (الواحد الأول في كل مكان وهو مع ذلك لا في مكان)، أو ما يشير إليه بن عربي، الذي لا يتفق مع أفلوطين بقوله: (فكل أمر وكل موجود فهو دائرة تعود إلى ما كان منه بدؤها)، لكن الغوص في الشكل وأسراره يترك هالة قدسية تثير حالة الفضول والدهشة، للخوض في مغامرة البحث والكشف في متاهات كثافة غموض الطبيعة وفك أسرار جمالياتها، بحدس وتصور وخبرات الفنان وحرفيته بالتصوير والتجسيد والأخيلة. وهذا ما نلمسه بشكل جلي في فلسفتها الموظفة في لوحاتها «خطوط» «أبيض وأسود» و»توقف الزمن» و»القلعة الصامدة»، «تسهم خطوط المواضيع في كل من المزاج والمنظور الخطي، ما يعطي المشاهد وهم العمق. تنقل الخطوط المائلة شعوراً بالحركة والخطوط الزاويّة تنقل عموما إحساسا بالديناميكية وربما بالتوتر».
إن توظيف اللون الأخضر بتدرجاته في بعض لوحات شذا مطر، ونخص هنا اللوحتين التي نحن بصددهما «الأشجار» و»الغابة ألوان القداسة» إنما هو تعبير عن حالة الثراء الروحي وسخائه وعنفوانه الضاج بالحياة والطاقة والهدوء وحالة التأمل والثبات والوعي، خاصة إذا ما تمت مجاورته أو موازاته باللون الأصفر، اللذين ينمّان عن الطاقة التثويرية للنفس والروح والفكر ودينامية الإنسان في تلقي الحياة واستيعابها واحتواء منغصاتها ونكوصها في إيجابية متطلعة نحو الغد، وتعبر كذلك عن روح التحدي والإرادة الصلبة .
تحاول شذا أن تقارب فلسفيا ووجدانيا لحظة الزمن والمكان في مجمل لوحاتها «توقف الزمن وثلاثية أزرق وهجرة ونقطة ضوء وأزمة الهزيمة والاعتزال وانتظار في الثلج والحرية الحمراء والقلعة الصامدة ومشاعر وعطر المكان» وغيرها. فهي تنطلق من عدة مقولات ومفاهيم فلسفية منها القديم ومنها الحداثي ومنها ما هو عقلي محض ومنها ما هو روحي غيبي ميثولوجي، لكنها ترتكن إلى مفهوم المساكنة في مقاربتها لتوقف الزمن من جهة، أو إلى ديناميته في أفعال صاخبة تدميرية، ومن خلال هدم المفهوم الحضاري لحركة الأرض والناس والتاريخ، فهي تقارب كل هذه المفاهيم والأحداث في موضوعات لوحاتها آنفة الذكر، فمن الجدير أن تتماهى هنا مع المقولات الفلسفية ومع فلسفة إيمانويل كانط، لمفهوم الزمن والمكان «الموقف الواقعي التقليدي في علم الوجود، هو أن الزمن والمكان موجودان بمعزل عن العقل البشري، على النقيض من ذلك فإن المثاليين ينكرون أو يشكون في وجود أشياء مستقلة عن العقل، وبعض مناهضي الواقعية موقفهم من علم الوجود هو أن بعض الأشياء توجد خارج العقل، ولكن مع ذلك يشكون في استقلالية الزمن والمكان».
وكما تشير النصوص (وهي النصوص الأولى في الفلسفة الهندية والفلسفة الهندوسية، التي يعود تاريخها إلى أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد تصف علم الكونيات الهندوسي القديم، وفيه يمر العالم خلال دورات متكررة من الخلق والتدمير والبعث)، لذا فالفنانة تلعب في نصوصها البصرية على ثيمة الوقت والأثر منطلقة من سعتها المعرفية والثقافية بصفتها قارئة نهمة للتاريخ والمعرفة، ومنغمسة في المعرفة الروحية والفلسفية قد تبلغ حالة الاعتناق والعقيدة.

تتصف تكويناتها بترك الفضاء التصويري، لينسجم مع الشكل واللون، وحسب الحالة والإشارة، التي تحاول أن تعطي محمولا فنيا ومعرفيا في الوقت ذاته للنص، ليتلاءم مع تصوراتها للخلق البصري، والثيمة التي تقاربها بوحدة ترابط شكلي تعبيري فكري إيقاعي.

ألوان شذا مطر تتصف بكونها شديدة البريق والحرارة والكثافة، فهنا تستند إلى فلسفتها اللونية بالتوظيف والتعبير عن علاماتها وثيمها، وشدّ المشاهد لمقولاتها الشكلية التعبيرية، ودرجة ومستوى الانفعالية في لحظة التكوين والخلق فلا يمكن فصل التشكيل عن الحالة النفسية للفنانة، فتراه حاضرا وشاخصا في جل أعمالها، فإنما يعبر عن حالة القلق والأفعال، اللذين يكتنفان نفسية وروحية وفكر الفنانة في لحظة التجسيد، والإدراك الحسي والمعنوي الذي تعيشه.
تحاول الفنانة في أسلوبها التعبيري التجريدي أن تستدعي ذاكرتها إلى كل ما يستفز يقظتها، أو اللاوعي الذي تعيشه في خلوّتها وعزلتها ونفيّها القسري، فعند النظر إلى لوحاتها «فوضى خلاقة وطرق وسكك وإغواء ومغامرات وأسطورة المغامرة والإله بوسايدون والإله أورنمو والحرية ومرافئ أديسون» فهنا تشتغل على مفردات رمزية تاريخية لاستدعاء الذاكرة والمكان، لمقاربة اللحظة الراهنة وكأنها تقول، إن الزمن هو ذاته في أي لحظة كونية، وتقترب هنا في مفاهيمها إلى حد ما من فلسفة الأبدية التي تعني (الأبدية هي مقاربة فلسفية الطبيعة الوجودية للوقت، التي تأخذ وجهة النظر القائلة، إن كل الوجود في الوقت حقيقي بالقدر نفسه، على عكس نظرية كتلة الكون المتنامية للوقت، حيث لا يكون المستقبل على الأقل مثل أي مرة أخرى سابقة. بعض أشكال الأبدية تمنح الوقت، علما مماثلا لتلك الموجودة في الفضاء، كالبعد مع وجود أوقات مختلفة حقيقية مثل الأماكن المختلفة، والأحداث المستقبلية، «موجودة بالفعل» بالمعنى نفسه توجد أماكن أخرى بالفعل، هناك لا يوجد تدفق موضوعي للوقت. يُشار إليها أحيانا باسم نظرية «وقت الكتلة» أو «كتلة الكون»، نظرا لوصفها لزمان الفضاء على أنه «كتلة» رباعية الأبعاد لا تتغير، على عكس نظرة العالم على أنها فضاء ثلاثي الأبعاد معدل بمرور الوقت»، فهنا يعد التوظيف للأسطورة والرمز، بأنها شارات ودلالات وإيحاءات مباشرة وغير مباشرة للربط الموضوعي لعلاقات الزمن والتاريخ والمكان ومقاربة دلالية لحركة التاريخ وفق نسقه الثقافي المعرفي.

إن اشتغالات شذا مطر التكوينية تتسم بالتوازن بين الكتلة اللونية والشكل، وتحاول أن تخلق عالما تصويريا يتماهى مع الثيمة، يكمن في أبعادها المنظورية، للدلالة عن الفكرة أولا وعن حالتها النفسية وانعكاس أثرها على المشاهد، فهي تعي التعبير والإشارة في علاماتها، ولم تنس في لحظاتها التصويرية مشاهدها ومدى استلهام المشاهد لأفكارها وتشكيها في آن واحد.
تتصف تكويناتها بترك الفضاء التصويري، لينسجم مع الشكل واللون، وحسب الحالة والإشارة، التي تحاول أن تعطي محمولا فنيا ومعرفيا في الوقت ذاته للنص، ليتلاءم مع تصوراتها للخلق البصري، والثيمة التي تقاربها بوحدة ترابط شكلي تعبيري فكري إيقاعي. والتكوين يمكن أن نفهمه كأسس فنية (إن الأسس التي يعتمد عليها التكوين، بدايةً من الوحدة والترابط فكل عمل فنيّ يتميّز عن غيره من الأعمال بوحدة تربط أجزائه بعضها ببعض، لأنّ الوحدة تعمل على ترابط العمل الفنيّ، ليصبح عملا فنيّا كاملا، كما أنّه يجب أن يكون العمل الفنيّ متوازنا، فذلك يلعب دورا مهمّا في تقييم العمل فنيّا، ويبعث في النفس الراحة والهدوء عند النظر لأيّ لوحة فنيّة، لذلك، لا بدّ من تحقيق التوازن والانسجام في الأعمال الفنيّة، وكذلك الإيقاع في اللوحة، وهو من أساسيات تكوينها الفنيّ ويكون بتكرار الكتل والمساحات، لتكون وحدات متقاربة أو متباعدة، وقد تكون متماثلة أو مختلفة، وكذلك الحركة التي تعدّ من أهم الأشياء الأساسية في التكوين الفنيّ لأنّها تنظّم حركة البصر في كل أجزاء اللوحة، وتشير إلى التوازن من عدمه فيها).
عندما تتأمل لوحات «رقصة التانغو وآفاق وهجرة ومغامرة» وغيرها، ترى أن تركيز الفنانة على التضادات اللونية، لها مغزى فني وفكري من ذلك، باعتبار أن التضاد (يُعبِّر التضادّ اللونيّ عن درجة وضوح الأشكال في مشاهدها بكلّ أبعادها وحدودها، بحيث تتّضح درجات الألوان أمام الرؤية وتطلق إشارات بصريّة تساعد العينين على تحقيق رؤية واضحة للأشكال والمشاهد معاً، إذ إنّ كميّة الضوء التي تصدر عن شكل ما هي المتحكّم الأول في كيفيّة ظهوره، وكلّما كان السطح ذا مساحة أكبر، كان انعكاس الضوء عنه أفضل وازداد وضوح رؤيته في العين).

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية