طيلة الأعوام العشرين الماضية، بدا الحوار ساخنا إذا ما دار حول الإنتاج الدرامي في العراق، ومجمل ما كان يتمخض عنه أن النتاج العراقي ما يزال محليَّا بامتياز، ولم يستطع أن يصل إلى مرحلة من النضج الفني لكي تكون الفرصة متاحة أمامه للخروج من محدودية أفقه المحلي إلى الفضاء العربي، والجانب الأهم في أسباب ضعف المستوى الفني للإنتاج العراقي خلال العقدين الماضيين يعود إلى حالة الضعف في العناصر الأساسية التي ينهض عليها أي إنتاج درامي ممثلة بالنص والإخراج والتسويق وسنتوقف عند كل واحدة منها في قراءتنا هذه.
في شهر رمضان عادة ما تتصاعد وتيرة الحوار حول النتاج الدرامي العراقي لتصل إلى جدل ساخن، حيث بعد أن أصبحت الفضائيات ميدانا للتنافس الحاد بين شركات الإنتاج العربية، لتقديم وجبات من الدراما التلفزيونية بهدف استقطاب المتلقي العربي، والغلبة في المحصلة النهائية لهذا التنافس دائما ما كانت لصالح النتاج المصري، رغم الملاحظات التي تُسجل عليه، سواء في ما يتعلق بالموضوعات التي يتناولها، حيث بات الكثير منها يقفز فوق الأزمات الحقيقية التي يعيشها المجتمع المصري، خاصة الطبقات والشرائح الوسطى والفقيرة، بعد أن اتجهت أقلام كتاب السيناريو إلى تناول قضايا تتعلق بالشريحة المرفهة، لتدور الكاميرات في مجمعات سكنية يقيم فيها الأغنياء، وحتى لو دارت الكاميرات في الأوساط الشعبية فإنها غالبا لا تتوغل في عمق القضايا التي تختنق بها هذه الأماكن، بمعنى أن الإنتاج الدرامي قد ابتعد عن أن يمارس دوره التنويري والمعرفي، ليبقى في إطار التسلية والتوظيف لصالح الإعلام الرسمي، وهذا يعود إلى أن معظم شركات الإنتاج قد هيمن عليها رجال أعمال لهم علاقات وثيقة مع المؤسسات الحكومية.
النتاج السوري الدرامي يأتي من حيث الأهمية بالدرجة الثانية بعد المصري على الأقل من الناحية التسويقية، مع أن الكثير من الأعمال الدرامية السورية تبدو في حالة منافسة قوية مع الدراما المصرية، وحتى في إطار الموضوعات فإن جعبة السوريين كانت أكثر نضجا واهتماما بالواقع، وإذا ما استبعدنا فكرة التنفيس التي كانت نهجا متبعا من قبل النظام السياسي الحاكم، فإن الواقعية والجرأة التي تطرحها موضوعات الدراما السورية في العديد من نتاجاتها تجعلها متفوقة على نظريتها المصرية في ملامستها للواقع السوري، وإن كان ذلك لا يجري بمعزل عن إرادة الرقابة الرسمية التي تبدو على قدر من الدهاء في نظرتها وأسلوبها إزاء التعامل مع مسألة هامش الحرية في تناول القضايا المعقدة التي تحيط بالإنسان والمجتمع السوري.
في الأعوام الأخيرة تمكن الإنتاج الدرامي في لبنان من أن يعلن عن نفسه بشكل لافت للنظر، قياسا إلى ما كان عليه من ضعف سواء من حيث الكم أو النوع، مع أن معظم النتاج اللبناني الراهن يكاد أن يكون مقتبسا من أعمال تركية وأجنبية، وربما ذلك يعود إلى وجود نقص كبير في الكُتَّاب الذي يعملون في حقل الكتابة الدرامية، بالتالي فإن اقتباس الأعمال الدرامية الأجنبية سيكون حلا لابديل عنه لسد هذا النقص، خاصة وأن جمهور المسلسلات لا يعنيه إذا ما كان العمل مقتبسا أو أصيلا، مع أن الواقع اللبناني يعج بالقضايا التي تصلح أن تكون مادة درامية وسط الأزمات التي يعيشها الفرد والمجتمع اللبناني.
أيضا نجح الخليجيون وخاصة في الكويت والسعودية في السنين الأخيرة من أن يكشفوا عن أوراق جديدة في لعبة السباق الرمضاني، وهذا ما لا يستطيع أي متابع من أن يتجاوزه، وعلى ما يبدو فإن هناك علامات تشير إلى أن السنين المقبلة ستشهد لهم حضور مهم، ولكن ما ينبغي التوقف عنده أن عظم النتاجات الخليجية ما زالت تفتقر إلى الجرأة في الاقتراب من الموضوعات التي تعني المواطن الخليجي، وفي ما إذا اقتربت منها فإنها تمر على سطحها دون أن تجرؤ الدخول في أعماقها.
تساؤلات حول الإنتاج
في مقابل ذلك يسجل على الإنتاج العراقي عجزه عن تأكيد حضوره على الساحة العربية، هذا إضافة إلى حالة عدم الرضا لدى المتلقي العراقي، وهنا لابد أن الأسئلة قد طُرحت كثيرا حول الأسباب التي تحول دون أن تتحرك عجلة الإنتاج العراقي، والإجابة حول هذه التساؤلات بعضها ليس بخاف حتى على الجمهور، الذي عادة ما يخرج باستنتاجاته بناء على ذائقته التي تشكلها طبيعة مشاهداته للأعمال العربية والأجنبية، وبكل تأكيد فإن هذه الذائقة قد شهدت نضجا بفعل ما يتلقاه من جرعة درامية عربية وأجنبية متنوعة، باتت اليوم متاحة أمامه في الفضائيات وفي اليوتيوب وفي المنصات.
بكل الأحوال لا يمكن تجاهل قناعات المتلقي وذائقته، طالما أصبحت أمامه الفرص كثيرة للاختيار والانتقاء في المُشاهدة، وبناء على ذلك فإن الجمهور سيبقى من حيث الأهمية لدى شركات الإنتاج هو المعيار الأول لنجاح أي عمل فني قبل رأي النقاد، وفي كثير من الأحيان ربما تكون سلطة الجمهور هي الأكثر قوة وتأثيرا على تفكير شركات الإنتاج، لأنها لا يمكن أن تقدم على إنتاج أي عمل إذا لم تقرأ بوصلة الجمهور ومزاجه، ومن ثم تأتي أهمية ما يكتبه النقاد لدى شركات الإنتاج، وفي الحقيقة بات ما يكتب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي أكثر أهمية مما يكتب في الصحف من قراءات نقدية، وقد أدرك المخرجون والعاملون في ميدان الإنتاج الدرامي أهمية السوشال ميديا وقدرتها على تحقيق الانتشار والتأثير في الجمهور أكثر من الوسائل الصحافية التقليدية، لذلك أخذوا ينشئون الصفحات التي تروج لأعمالهم دون الاهتمام بما يكتبه النقاد في الصحف حول الأعمال الدرامية.
الخبرة الأجنبية
لا شك بأن استمرار الإنتاج مسألة بغاية الأهمية، لأنها بالتالي ستفضي إلى تغير نوعي من بين هذا الكم. ويبدو لي أن النتاج لهذا العام 2023 كمَّاً ونوعاً أفضل من الأعوام السابقة، وهذا يعود إلى أن عنصر المنافسة بات شديدا، سواء ما بين الإنتاج المحلي الذي تقف خلفه الفضائيات العراقية التي تتولى الإنتاج أو المنافسة مع النتاج العربي، وبالتأكيد فإن النتاج الدرامي العربي ما يزال هو الأفضل خاصة السوري والمصري، في مجمل تفاصيل العمل ابتداء من النص والإخراج ومرورا بالتقنيات الفنية، ومن ناحيتي أرى مسألة استقطاب مخرجين غير عراقيين، سوريين ومصريين ولبنانيين وأتراك، للعمل في الإنتاج العراقي، أمر بغاية الأهمية بشرط أن يكون المخرج صاحب خبرة وكفاءة فنية حتى يثمر التعاون عن جدوى على المدى البعيد، لأن الخبرة ستنتقل بالنتيجة إلى العراقيين وخاصة الشباب.
وإذا ما أردنا أن نكون على قدر من الصراحة، لابد من الإقرار بأننا نحتاج إلى خبرات الآخرين من المحترفين في مجال الإخراج، حتى لو كانوا أجانب، فلا حساسية في مثل هذا التعاون، وهو أمر متعارف عليه حتى في البلدان المتقدمة من الناحية الإنتاجية، فمثل هذه الصيغة من تبادل الخبرات معمول بها في الكثير من البلدان التي يتسم إنتاجها بمستوى عالي من حيث الصنعة والاحترافية فكيف في بلد مثل العراق؟ والعارفون بحقيقة الواقع الفني يدركون جيدا أن أكثر ما يفتقر إليه هو المخرج صاحب الرؤية، وهذا ما كان سمة بارزة في معظم النتاج العراقي لسنين طويلة، وإن أجمل الأعمال التي ما زالت باقية في ذاكرة الجمهور تعود إلى مخرجين عرب كما هي أعمال المخرج المصري إبراهيم عبد الجليل الذي عمل في العراق خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
مفاتيح سوق الإنتاج
تبقى مشكلة التسويق من أعقد المشاكل التي تواجه النتاج العراقي، لأن غياب التسويق العربي للإنتاج العراقي، يعني أن الجهات المنتجة سوف تحجم عن الإنتاج، لأنها ليست مستعدة لتبديد الأموال دون أرباح، ومسألة التسويق معقدة كما أشرنا، وهي غاية أية جهة إنتاجية، فهي ليست مسألة تجارية تتعلق بتحقيق الأرباح فقط، بقدر ما هي عملية فهم للواقع وما يشغله من أفكار وهموم، وقدرة على توظيفها دراميا، مع شرط توفر الخبرة والصنعة والحرفية، بالتالي الوصول بالنتاج إلى مستوى من التأثير الجمالي على المتلقي، ولست مغاليا إذا ما قلت بأن منتجينا تنقصهم الخبرة في فهم السوق العربي والتعامل معه، رغم أن مسألة التسويق تعد أهم حلقة في الإنتاج الفني.
اللهجة ما عادت عائقا
في عصر البث الفضائي المفتوح على ثقافات متنوعة لم تعد اللهجة عائقا أبدا في أن يصل النتاج إلى خارج الحدود المحلية العراقية، وبتقديرنا فإن المشكلة في الإنتاج العراقي تبدأ أولا في نقص الخبرة في الإخراج كما أسلفنا، ولكن هذا لا ينفي وجود طاقات فردية مهمة لم تنل ما تستحقه من فرص، وطيلة العقود الماضية غالبا ما تسيَّد مهنة الإخراج عناصر ضعيفة لا تمتلك رؤية فنية مميزة في تناول وتقديم العمل دراميا، والدليل على ذلك ضعف المستوى الفني في معظم النتاج العراقي ولسنين طويلة، مع استثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة ليس من الانصاف تجاهلها مثل أعمال عمانوئيل رسام وكارلو هاريتيون، وبعض أعمال المخرجين صلاح كرم وحسن حسني وفلاح زكي، وفي الأعوام الأخيرة ظهرت أسماء شابة نأمل أن تستمر وتسعى لتطوير قدراتها ولا تتوقف عند نجاح معين حققته في أعمالها مثل المخرجين باسم عبد القهار ومهند ابو خمرة ومهند حيال وعزام صالح، ربما نسيت أسماء أخرى فأرجو الاعتذار منها.
الكتابة بين المنهج والصنعة
ما يجدر الإشارة إليه أن حرفة الكتابة لم تنل ما تستحقه من الاهتمام في الدراسة الأكاديمية، ولو نظرنا إلى مناهج كلية الفنون الجميلة، فلن نجد فيها قسما خاصا بالكتابة الدرامية وهذا خلل كبير، أدى بالتالي إلى غياب الكاتب الدرامي العارف بأصول وقواعد الكتابة الاحترافية، لأن الكتابة بقدر ما تعتمد بدرجة ما على الموهبة لكنها تبقى قائمة على اتقان أسرار صنعتها وفق معايير أكاديمية، فالمعرفة بأصولها والتمكن منها تحتاج إلى دراسة منهجية لتقنيات كتابة السرد الدرامي، وهذا ما غائب في كليات الفنون الجميلة، وحتى لوكان هناك كتاب دراما جيدون، فبالتأكيد هم قلة قليلة جدا لا يعدون على أصابع اليد الواحدة، وهؤلاء قد اعتمدوا على أنفسهم وخبرتهم الذاتية ولم يدرسوا الكتابة في معاهد وأكاديميات.
الممثل ليس مسؤولا
أما مسألة المبالغة والتشنج لدى الممثل العراقي وهي تكاد أن تكون غالبة على معظم الممثلين العراقيين، والتي لم نتوقف عندها طويلا في هذا المقال، لأننا وببساطة نرى أن المخرجين يتحملون مسؤوليتها أكثر مما يتحملها الممثل العراقي، لأن غالبية المخرجين يفتقرون إلى الخبرة في توجيه الممثل وتنظيم قدراته والسيطرة عليها، ولا يكرسون وقتا كافيا في فترة التحضيرات للعمل لبناء الشخصيات، والملاحظ أن معظم المخرجين يتكئون على الممثل في بناء الشخصية، ولهذا نجد غياب أي تأثير لشخصية المخرج على أداء الممثلين.