في هذه المقالة القصيرة، سأحاول إعادة اكتشاف مبدعة فلسطينية، تألق نجمها ومازال يسطع في سماء العالم، ولكنك لو أشرت بإصبعك وأنت على تراب فلسطين، لظننته يسطع فوقها بالذات، وبتعامد مطلق، لا يشوبه اختلال! أما لماذا إعادة الاكتشاف، فلأسباب وجيهة، منها أن المبدع لا يُكتشف أبداً بصورة نهائية ومطلقة، ولمرة واحدة، إنه دائماً ‘بلاد العجائب’ التي على أكثر من أليس أن تعاود اكتشافها، وثانيها، انها من فلسطين المحتلة (48)، ولنتعرف على ما يعنيه ذلك، دعونا نستحضر قصة قصيرة، لكاتب ما، عشية احتلال بلده، فقد وقف أستاذ اللغة، ‘يقول الكاتب’ يلقي أمام طلابه درسه الأخير، فرسم الحروف الأبجدية على اللوح واستدار إلى طلابه بعينيه، وهو يشير بسبابته إلى اللوح: لا تنس هذه، ولن يهزمك الاحتلال! فما بالك إذا كان من يحفظ الأبجدية مُبدعاً؟ وكيف إذا كان مُعلماً، فها نحن نستحضر الحالة، بكل دراميتها، فإذا كان الكاتب أنثى، فهنا تأخذ رحلة البحث عن الفارس أبعادها الأسطورية الخالدة! وتستمد زخمها المتجدد من معين حكايتها التي لا تنتهي! ولذا فلشهرزاد حضور دائم في كتابات رجاء بكرية، لا بل وفي لوحاتها فهي فنانة تشكيلية أيضاً! ولذا يبدو من الظلم في هذا السياق الحديث عن أدب نسوي، ليس لأن الأنوثة هجرت السطور، لا بل لأنها أكثر حدة وشفافية، ولكنها أكثر مرارة وألماً وتوحداً! فالشعور بالفقدان لا يغادرها أبداً، سواءً في حضور الحبيب أو في غيابه، ولذا فهي تستمر في غزل خيوط الحنين، في شوق لا ينتهي! لنر ماذا تقول رجاء: شَعْركِ أنت في هذه الأيام ملاذ لغابات عيني، لا تقصيه أرجوك، ولا تهدديني بالقصات الحديثة التي تُعْدِمُ أجملَ منطقة في تكوين امرأة، يجب أن تضيعا عيني ببلاد شديدة الطول كشَعْرِكِ، وأنتِ بلادي’. ‘جبالُكَ عالية جدا لا يقوى كبريائي عليها، لا يشبهها تماما، إذا اقنعتِني بشبهنا غيرِ المُحتملِ سأصير امرأة مغرورة ولن تعود إلى محبتي’. ‘من أخبرَكَ أن الغرور ليسَ سبباً في عِشقِ امرأة؟ من أخبركَ أنَ تمنُعَ كَتِفِ امرأة واستحالةَ احتوائها ليسا سببا في استدراج رجل إلى معركة، ولو على عطر محرمَة؟’ قال، وشد على أظفارها الملونة بزهر الرمان. ‘أعشق رمان قلبِكِ’ قال، وأطلق خصلات شعرها إلى نسمة مساء عابرة، هكذا بأطراف أصابعه بعثرها برفق كي يتأملها عن بعد، حَلُمَ قليلا وهو يتأمل ورد وجنتيها، ‘وأنتِ تحفين لؤلؤ الرمان كأنكِ تحملين كونا عاشقا ببشرِهِ وشوقِه’. انغمر بَدَنَهُ بِضَوءِ عَيْنَيْهَا العمــــــيق. سكتت وفكــــرت بعناوينِ قلبِهَا الجديدة التي يسجلها في كفه كلما كتَبَتْ لَهُ رسالة. ومهما نظرت إليه وإلى اللوحة، وأغمضــــت قلبهــــا، ومن بعــــده جفنيها، وقرأت الاسم المكتوب بحروف سوداء صغيرة كأنها تتهجأ حلما. ويذكر جيدا، كأن في انتثار القاف والباء ما ينـــــثر روحه، ويدعـــوه إلى تقبيـــلها بشـــدة وبنهم، ليس كما يفعــــل العشاق لشـــفاه حبيـــباتهم الخجــــلات، ولكن كما ينفعل الأزواج برائحة العطور العالقة بثياب نسائهم المتمردات. ملأتُ فكرك بريقا حين أعلنت، ‘سأؤدي دور شهرزاد. في كل يوم سأبتكر قصة جديدة كي تنتظرها بشوق’ كتب إليها ملهوفا، ‘وصفي لي أكثر لأفهم!’ ‘ كان يا ما كان امرأة جميلة بضفائر شقراء طويلة، وسن ذهب واحدة في زاوية الفتنة يصف…’ سبب وجيه آخر، يحدوني لإعادة اكتشاف رجاء:هو أني أقرأها لأول مرة، فيملؤني عالمها بالدهشة والفضول، فهي لا تعلن عليك الحب، ولكنها تعلن حضورها فيمتلئ المكان، مبقياً لك مع ذلك فسحة كافية لمشاركتها! والسلام عليك رجاء! نزار حسين راشد