اقتحام نتنياهو لغزة إشارة البدء لتنفيذ خطة الاحتلال الطويل

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: لا يمكن المرور على دخول رئيس حكومة اليمين الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إلى قطاع غزة مجددا محاطا بقوات كبيرة من قوات جيشه، وتحديدا إلى المنطقة الفاصلة بين شمال وجنوب قطاع غزة «محور نتساريم» من دون قراءة الرسالة التي أراد إيصالها، للمرحلة المقبلة، خاصة وأنه اختار أن يكون برفقته وزير الجيش الجديد ورئيس الأركان ورئيس جهاز «الشاباك» في ظل استمراره في تعطيل مسار التفاوض الهادف للوصول إلى تهدئة.

خطط التهجير والانتقام

ولم يقم نتنياهو بهذا الاقتحام الجديد إلى قلب قطاع غزة والذي حدث يوم الثلاثاء الماضي، إلا بعد سلسلة من العمليات العسكرية نفذتها قوات جيشه خلال بداية الأسبوع، لم تقتصر فقط على اقتراف مجازر دامية في مناطق الشمال، على وقع تصعيد عمليات نسف المنازل وحرقها، وإجبار سكانها على النزوح القسري، إلى مناطق لا تقل عنها خطورة في مدينة غزة، والتي يصنفها جيش الاحتلال على أنها واحدة من مناطق شمال القطاع، المفصولة كليا عن مناطق الوسط والجنوب من خلال «محور نتساريم».
فمع بداية الأسبوع الماضي، لجأ جيش الاحتلال إلى اقتراف سلسلة مجازر، تعمد فيها إبادة عوائل بأكملها حين قصف منازل متعددة الطوابق في مناطق شمالي القطاع التي تخضع لعملية عسكرية منذ أكثر من شهر ونصف، علاوة لارتكابه مجازر أخرى تمثلت في قتل المواطنين خلال رحلات النزوح القسري فيما تعرف بـ «ممرات الموت» أو خلال اعتقالهم داخل منازلهم، بعد أن وسع من نطاق عمليات التوغل البرية في تلك المناطق، وتحديدا في مخيم جباليا وأطرافه، وفي بلدة ومشروع بيت لاهيا، بعد أن أحكم كليا الحصار على بلدة بيت حانون وطرد من تبقى فيها من سكان، وهناك أحرق مراكز الإيواء وما فيها من مواد غذائية.
وقد كرر ذات الأمر خلال الهجوم على منطقة مشروع بيت لاهيا، والتي كانت ملجأ السكان الذين فروا من التوغل في جباليا، فقتل فيها من قتل، وأجبر الكثير على النزوح، ليبدأ بنسف منازل بالروبوتات المتفجرة وحرق أخرى، لتصبح غير صالحة للسكن، وللتأكيد لملاكها أن الخطة العسكرية الجديدة تقوم على عدم إرجاعهم من جديد إلى هناك، أو جعل المكان في حال الانسحاب منه على غرار المرتين السابقين غير صالح للعيش والسكن.
وفي هذا الوقت يخشى سكان قطاع غزة، من تصعيد أكبر للهجمات الدامية التي يشنها جيش الاحتلال، خاصة بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة الاعتقال بحق كل من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير جيشه الأسبق يؤاف غالانت، على غرار مرات سابقة كانت تصدر فيها قرارات من المحكمة الدولية، أو مجلس الأمن، تدعو للهدنة وإدخال المساعدات، حيث كان وقتها جيش الاحتلال يرد بلغة المجازر.

واقع مرير

والحدير ذكره أنه لم يبق في بلدات شمال القطاع، حسب آخر إحصائيات قدمتها جهات رسمية سوى 70 ألف مواطن، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال، وهذا العدد تقلص تدريجيا مع مرور أيام الأسبوع الماضي، بعد أن أجبر الكثير منهم على النزوح صوب مدينة غزة، ليس بسبب القتل، بل هربا من الموت جوعا، بعد أن قطعت سلطات الاحتلال كل الامدادات وأوقفت دخول المساعدات الطبية والغذائية للسكان، ومنعت في ذات الوقت طواقم الإسعاف والإنقاذ من العمل، لتوصل رسالة مفادها أن البقاء هناك سيكلف الفلسطيني إما موته بالقصف أو الحرق أو بالجوع الذي بات يستخدم كسلاح حاد في «حرب الإبادة».
وترافق كل هذا، مع واقع مرير يعيشه نازحو بلدات الشمال مع سكان مدينة غزة على حد سواء، يتمثل في عدم وجود أي مقومات للحياة في المدينة التي باتت تعج بالسكان بسبب استمرار عمليات التهجير، رغم افتقارها لكل الخدمات وفي مقدمتها الطبية، وفي ظل معايشتها أزمة الجوع، حيث تصنف المدينة على أنها من ضمن مناطق شمالي القطاع التي تمنع سلطات الاحتلال دخول أي قافلة مساعدات إليها، رغم العديد من المناشدات والطلبات التي قدمتها جهات دولية.
وهذه المدينة (غزة) التي تتعطل فيها امدادات المياه بشكل يصل إلى الثلثين، إلى جانب شح الطعام، ظهرت فيها أزمة خطيرة خلال الأيام الماضية، تمثلت في غرق أماكن النزوح بشكل كبير، لعدم وجود أماكن مجهزة بشكل مناسب، على غرار مناطق النزوح الأخرى في القطاع، وهو ما يؤكد أن دولة الاحتلال ماضية في خطوات الترحيل القسري لسكان غزة والشمال بالتدريج، حيث لا يستبعد أن توسع نطاق هجومها البري من شمال القطاع إلى مدينة غزة، لدفع السكان والنازحين للمغادرة قسرا من خلال «محور نتساريم» إلى مناطق الوسط والجنوب، لتطبق فعليا ما تعرف بـ «خطة الجنرالات».

رسائل الاقتحام

وكان أكثر دليل على هذا الأمر هو اقتحام نتنياهو للمحور، وسط تصعيد العمليات العسكرية في مناطق عدة في القطاع، وتحديدا في مناطق الشمال، ليعطي رسالة واضحة بأنه لا يضع في خططه القادمة، سواء السياسية التي لها علاقة بالتفاوض للتوصل إلى تهدئة، أو العسكرية، أنه يريد الانسحاب من المكان، والذي باتت مساحته بالمنطقة العازلة التي تحيط به، تفوق مساحة مدينة غزة، وذلك مع استمرار قوات الاحتلال المتوغلة في المكان بإجراء عمليات تجريف ونسف للمباني سواء التابعة لمدينة غزة من جهة الشمال، أو لوسط القطاع من جهة الجنوب.
وفي دليل على ذلك، قال نتنياهو من هناك وهو وسط الجنود وقادة أركان جيشه «حماس لن تبقى في القطاع» وليضيف مهددا «أريد أن أقول إلى أولئك الذين يحتجزون رهائننا، من يجرؤ على إيذاء رهائننا، سنضربه على رأسه».
وقد سبق الزيارة أن كشف صحيفة «إسرائيل اليوم» العبرية عن نتنياهو قوله «نحتاج لفرض سيطرة أمنية كاملة بقطاع غزة، والسيطرة الفعلية على مواقع مثل محور فيلادلفيا».
أما وزير جيشه الجديد يسرائيل كاتس فقال «نحن ملتزمون تجاه جميع جنود الجيش الإسرائيلي، بمن فيهم جنود الاحتياط، وسنوفر لهم كل الظروف لاستكمال مهامهم» وقد كان بذلك يشير إلى أن العمليات العسكرية في غزة سيطول أمدها.
وترافق هذا كله مع استمرار خطط الاحتلال العسكرية في مناطق الوسط والجنوب، والرامية إلى إخضاع تلك المناطق، بهدف تمرير الخطة العسكرية الإسرائيلية، إذ لم تعتمد إسرائيل فقط العمليات العسكرية التي شهدت تصعيدا خطيرا، تمثل في استهداف كبير لخيام النازحين في مناطق «العمليات الإنسانية» في تأكيد من جيش الاحتلال أنه لا يوجد مكان آمن في القطاع، بل لجأت إلى سلاح الجوع أيضا.
فخلال الأيام الماضية زادت نسب الجوع وشح الطعام في مناطق الوسط والجنوب، حتى أن الدقيق الوجبة الأساسية على موائد الغزيين في تلك المناطق نفد بشكل أعاد للذكريات الأسابيع الأولى للحرب، وحذر مسؤولون دوليون مثل المفوض العام لـ «الأونروا» ومنظمات حقوقية فلسطينية من مخطط «سلاح التجويع» في مناطق الوسط والجنوب.
ودفع ذلك مؤسسة الضمير الحقوقية، إلى تكذيب رواية الاحتلال بإدخال المساعدات الإنسانية، وأكدت أن ما يدخل لا يكفي سوى 16في المئة من حاجة المواطنين والنازحين، وقالت إن سلطات الاحتلال تتعمد استهداف كافة الجهات التي تعمل على حماية قوافل المساعدات، ولا تأبه في أن تصل المساعدات والمواد الغذائية للسكان والنازحين في جنوب قطاع غزة وشماله، وبسبب هذه السياسة الممنهجة، ارتفعت أثمان ما يتوفر من منتوجات غذائية بشكل يفوق قدرات السكان، خاصة وأن البنك الدولي سبق وأن صنف كل سكان القطاع بأنهم فقراء في هذا الوقت بسبب الحرب.

استمرار شروط التهدئة

جاء ذلك كله وسط تعثر جهود التهدئة التي كانت تنشط سابقا، واكتفت إسرائيل بالكشف عن زيارة رئيس جهاز «الشاباك» إلى تركيا سرا لبحث الملف، خاصة وأن السلطات الحكومية في تركيا ترتبط بعلاقات وثيقة من حركة حماس، غير أن الظاهر في هذه الرسالة كان فقط تخفيف حدة الضغط الدولي على إسرائيل، بضرورة إيقاف الحرب التي دخلت شهرها الثاني في العام الثاني، بحيث توهم دولة الاحتلال المجتمع الدولي بأنها ماضية في مسار التفاوض، رغم أن الوقائع على الأرض تشير إلى استمرار القيادة المتنفذة في تل أبيب، في الشروط السابقة التي ترفض الانسحاب من قطاع غزة، وتحديدا من محوري «فيلادلفيا» الفاصل عن مصر، و«نتساريم» الذي يقسم القطاع إلى شمال وجنوب، إذ يعد العمل الميداني العسكري على الأرض في تلك المناطق أكبر دليل على نوايا رفض فكرة الانسحاب من غزة وإطالة أمد الاحتلال، رغم أن هذا الأمر يعد واحدا من أبرز البنود التي وردت في مقترحات التهدئة التي قدمت سابقا وفي مقدمتها مقترح الرئيس الأمريكي جو بايدن، وما تلا من صدور قرار من مجلس الأمن، يدعو إلى وقف الحرب.
وبما يدلل على ذلك، كشفت تقارير عبرية أن نتنياهو، استضاف اجتماعا طارئا مساء الأحد الماضي، لبحث الجهود المبذولة لعقد صفقة تبادل أسرى، مع مجموعة مختارة من الوزراء وكبار قادة الأجهزة الأمنية، وأن الاجتماع الذي عقد في مقر وزارة الجيش في تل أبيب، وأن قادة الجيش والأمن الذين شاركوا في الاجتماع، أكدوا أن حماس تطالب بإنهاء الحرب وانسحاب الجيش من قطاع غزة، حتى بعد قتل قائدها يحيى السنوار الشهر الماضي، وأنه يتوجب تغيير المسار التفاوضي، وأن الموافقة على مثل هذه المطالب ستكون السبيل الوحيد للتوصل إلى اتفاق.
لكن الرد لم يطل هذه المرة من المستوى السياسي المتطرف، فقد تلاه اقتحام نتنياهو ووزير جيشه كاتس لـ «محور نتساريم» ومن قبل ذلك دعا وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إلى احتلال قطاع غزة واستمرار الحرب على لبنان، وأكد أن المستوى السياسي طالب الجيش الإسرائيلي بأخذ مسؤولية هذه المهمة (توزيع المساعدات على شمال القطاع ضمن خطة الاحتلال) إلا أن الجيش رفض بشـــدة أن يتولى أي مهمة، وقال «إذا كان هذا هو المطــلوب لضمان الأمن، فإنني لست هلعا من أن نكون بديلا سلطــويا في القطاع لفترة معينة للقضاء على حماس». وأكد على نوايا الاحتلال، مسؤول الاستخبارات الإسرائيلية السابق تامير هيمان، الذي قال إن من خلال تحليل نشاط الجيش الإسرائيلي في غزة، فإنه لن يغادر في السنوات المقبلة، وقال إن «الواقع الأمني ​​في غزة اليوم هو الواقع الذي سيرافقنا في المستقبل المنظور» وجاء ذلك بعد الكشف عن خطة إسرائيلية لإيكال مهمة توزيع المساعدات شمال غزة لشركة أمريكية، بما يعني إطالة احتلالها للقطاع، حيث عقد وزير الجيش يسرائيل كاتس اجتماعا مع كبار قادة الجيش لبحث إمكانية استخدام الشركة الأمنية الأمريكية لتوزيع المساعدات، ناقش خلاله تغيير طريقة توزيع المساعدات الإنسانية حتى لا تنتهي في أيدي حماس، وفق مزاعم تل أبيب.
وذكرت صحيفة «هآرتس» في تقرير لها أنه داخل القيادة الجنوبية للجيش، هناك فريق من ضباط وجنود الاحتياط يروجون لخطط كبيرة تتناسب بشكل رائع مع أحلام اليمين المتطرف، وتروج لخطط اليوم التالي للحرب في غزة، وذكرت أن التقديرات تشير إلى أن الجيش لن ينسحب من القطاع خلال السنوات المقبلة، وسيبقى لفترة طويلة في المناطق التي احتلها بهدف تقطيع أوصال القطاع وإبقاء قواته في مناطق عدة حدودية، ليستخدمها كقواعد للخروج في مداهمات لمناطق مأهولة بهدف الوصول لعناصر حماس.

احتلال طويل

ولذلك قال وزير الجيش الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، إن النقاش الدائر حول توزيع الأغذية في غزة من قبل شركة خاصة تتولى حراستها القوات الإسرائيلية، ما هو إلا تعبير عن بدء حكم عسكري إسرائيلي هناك، وكتب في تغريدة على منصة «إكس» يقول فيها «هذا الحكم العسكري سيدفع ثمنه الجنود الإسرائيليون بدمائهم» وأكد غالانت وهو ينتقد نتنياهو أن «الحكم العسكري في غزة ليس من أهداف الحرب وإنما يتخذ لدواع سياسية خطيرة وغير مسؤولة».
هذا وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي، بأن الهدف من العملية العسكرية في جباليا وشمال قطاع غزة أصبح أكثر وضوحا، وأن الهدف من العملية البرية المستمرة هناك هو «تنظيف وتطهير منطقة ما لصالح خطة إدخال المساعدات الإنسانية من خلال شركة أمريكية خاصة ستعمل في المنطقة تحت الرعاية الإسرائيلية» مشيرة إلى أنه سيُطلب من الجيش الإسرائيلي البقاء في جباليا لمدة 3 أشهر أخرى على الأقل.
ولمعرفتها في خطط حكومة تل أبيب، التي لا تأبه لعقد صفقة تهدئة، وجهت عائلات الإسرائيليين الأسرى في غزة نداء «يائسًا» إلى الحكومة الإسرائيلية والرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، طالبت فيه الأخير بالانخراط بأحداث الحرب من اليوم، والضغط على نتنياهو لإنهاء الحرب في غزة، لضمان عودة الأسرى.
هذا وكانت حركة حماس، جددت موقفها الرافض لشروط إسرائيل بخصوص عقد التهدئة، وقال خليل الحية القائم بأعمال رئيس المكتب السياسي للحركة في غزة، إنه لن تكون هناك صفقة تبادل أسرى «إلا بعد انتهاء العدوان في القطاع» وقال «من دون وقف الحرب، لا يوجد تبادل أسرى، فهي معادلة مترابطة».
وبسبب هذه الخطة العسكرية الإسرائيلية تجاه غزة، يمكن فهم التحذير الخطير الذي أطلقه منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، تور وينسلاند، حيث أنذر بأن المنطقة وصلت إلى مفترق طرق قاتم بعد عام من العنف والحرب المستمرة، وأوضح خلال إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة أدت إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة ستؤثر على المنطقة لأجيال قادمة، واصفًا الوضع الإنساني في غزة بأنه كارثي، حيث يواجه السكان نزوحًا واسعًا وتدميرًا شبه كامل للبنية التحتية وسط تجاهل مقلق للقانون الدولي الإنساني، كما أكد في ذات الوقت أن المساعدات الإنسانية والإغاثة لن تكون كافية في غياب حل سياسي مستدام، داعيًا المجتمع الدولي إلى وضع خريطة طريق واضحة لإنهاء النزاع في غزة، تمهد الطريق لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية