تواصل السلطة الفلسطينية، مساعيها للخروج عن التبعية الاقتصادية لإسرائيل والبحث عن بدائل أخرى، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الطبي، وذلك نتيجة لحالة الابتزاز المتواصلة من قبل إسرائيل، في الوقت الذي تمنع فيه معظم السلع والمنتجات الوطنية من الوصول إلى أسواقها، بالإضافة إلى عرقلة تحويل أموال الضرائب بين الفينة والأخرى، ورفع رسوم التحويلات الطبية إلى مستشفياتها ووضع العديد من العراقيل أمام التجار. فقد أعلن مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية محمد مصطفى، بدء الانفكاك التدريجي عن الاقتصاد الإسرائيلي، وتغيير بروتوكول باريس واستبداله، وتعزيز البنية التحتية للمنتج الوطني، والاعتماد على الذات في توفير المتطلبات والسلع.
وفي أحاديث منفصلة لـ”القدس العربي” قال مختصون اقتصاديون إنه ينبغي على السلطة الفلسطينية، أن تضع أي خطوة اقتصادية تحت الدراسة مستفيدة من كل الجوانب قبل إقرارها والدعوة إلى تنفيذها، وذلك مراعاة لمصلحة الأفراد والاقتصاد ككل، لا سيما أن الاحتلال الإسرائيلي يهيمن على الموارد الفلسطينية ويتحكم في المعابر والحدود.
وقال الخبير الاقتصادي سمير حمتو لـ”القدس العربي” إن محاولات السلطة الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال، خطوة في غاية الأهمية على الرغم من توقيتها المتأخر، ولكن أي إجراء في هذا الصدد، يتطلب دراسة شاملة وكاملة من خلال تعويض البدائل من السلع والخدمات.
وبين أن الاحتلال الإسرائيلي مهيمن على السوق الفلسطيني، وبالتالي ليس من السهولة الانفكاك عنه إلا إذا توفر البديل، مشيراً إلى أن المحلي يصعب عليه تغطية كافية الاحتياجات، لأن الاحتلال يسيطر على الموارد الطبيعية، ويتحكم في الصادر والوارد أيضاً إضافة إلى أن المواطنين في كثير من الأحيان، يرغبون في السلع الإسرائيلية نظراً لجودتها العالية وهذا يتطلب في المقابل، توفير سلع وخدمات بمواصفات عالية كي تغطي الاحتياجات.
ويدعو الخبير حمتو السلطة، إلى تطبيق القانون الصادر عام 2010 حول حظر بضائع المستوطنات والعقوبات المترتبة على ذلك، ومراجعة لقوائم السلع والكوتا التي نص عليها اتفاق باريس الاقتصادي، حيث إنها لم تعد مناسبة بسبب تغير حجم الطلب على معظم هذه البضائع، وأيضاً يطالب بتحديد السلع الممكن توسيع قائمتها بموجب تقدير احتياجات السوق الفلسطيني منها، وكذلك العمل على إعادة النظر في السياسات الضريبية الموائمة لمستوى الاقتصاد.
وأوضح أن بحث السلطة إمكانية استيراد الوقود من الدول العربية، سبق أن طرح سابقاً ولم يحقق له النجاح لأكثر من سبب، ذلك أن الاحتلال إن سمح سيعرقل توريده، كما أن استيراد الوقود يتطلب خطوط نقل وأماكن مخصصة لتخزينه، وهو غير متوافر داخل الأراضي الفلسطينية.
وشدد على أهمية زيادة السلطة الوطنية المخصصات المالية الموجهة للقطاعات الإنتاجية في موازنتها السنوية، والعمل على تطوير البنى التحتية وشق الطرق، وإقامة مناطق صناعية وإنتاجية، وتعديل القوانين من أجل الارتقاء بالاقتصاد الفلسطيني وتخليصه من أزماته.
من جانبه قال الخبير في الشؤون الاقتصادية ماهر الطباع، إن السلطة الفلسطينية مقيدة باتفاق باريس الاقتصادي، وبالتالي ليس لديها الحرية الكاملة في الانعتاق من هيمنة الاحتلال، فهي لا تستطيع الاستيراد إلا من الدول التي ترتبط بعلاقة جيدة مع الاحتلال.
وبين لـ”القدس العربي” أن إمكانية تطبيق الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال الجزئي أو الكلي، ليس واقعياً في ظل عدم توافر معابر وموانئ وعلاقات تجارية حرة مع دول العالم.
ونبه إلى أن قرار وقف حكومة اشتية استيراد المواشي في الضفة الغربية مؤخراً، رفع أسعار المواشي في السوق المحلي، وزاد من عمليات التهريب التي يسلكها تجار بإدخاله المواشي إلى مناطق الضفة عن طريق المستوطنات، لذلك دعا الطباع الحكومة إلى دراسة قرارتها قبل اتخاذ أي قرارات مصيرية، من شأنها أن تؤثر بالسلب على القوة الاقتصادية.
وحث السلطة الفلسطينية أيضاً، على تدعيم المزارعين والمربين والصناعة من أجل بناء اقتصاد قوي قادر على تخطي الصعوبات، كما دعا لحماية الإنتاج المحلي من المستورد، وتقديم حوافز من أجل جلب استثمار جديد وتوسيع القائم.
وأكد على أهمية تكاتف الجهود المشتركة بين القطاعين الحكومي والخاص، لما للأخير من دور مهم في تطوير وتقوية الاقتصاد الوطني، والحد من معدلات البطالة ونسب الفقر والفقر المدقع بين شرائح المجتمع الفلسطيني.
في السياق ذاته يقول عضو الاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين ثابت أبو الروس، إن التبعية الاقتصادية مع لإسرائيل، موجودة قبل اتفاقية باريس وبدأت فعلياً عام 1967 وتعتبر السوق الفلسطينية أرضية خصبة استهلاكية للمنتجات الإسرائيلية.
ويضيف لـ”القدس العربي” إن العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية الاقتصادية تتمثل بضخ عملة الشيكل إلى السوق المحلية، فضلاً عن تشغيل الأيدي العاملة الفلسطينية في قطاعات مختلفة، مثل البناء والمنسوجات والملابس، والفنادق داخل إسرائيل.
وبين أن اتفاقية باريس، جعلت السوق الفلسطينية تتبع الاقتصاد الإسرائيلي بشكل رسمي، بالإضافة إلى وجود موارد كثيرة، لا يمكن تحقيق الانفكاك الاقتصادي بالاستغناء عنها، مثل مخرجات البحر من الغاز، فضلاً عن إمكان طباعة العملة الفلسطينية، ويمكن أن يحدث ذلك في حال تحقيق المصالحة الوطنية، والملفت أيضاً أن أكثر المعضلات التي قد تواجه الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل، تزايد الأيدي العاملة العاطلة من العمل، والتي التحق بها أكثر من 49 ألف عامل لصفوف البطالة في العام 2019.
ومن مظاهر بدء الانفكاك الاقتصادي الذي قامت به السلطة الفلسطينية، الطلب من النرويج إعادة تفعيل اتفاقية باريس الاقتصادية، وعقد اتفاقيات مع المستشفيات المصرية والأردنية لتحويل المرضى إليهم، والاستغناء عن الإسرائيلية، وإنشاء سلسلة مستشفيات جديدة وتشجيع السلطة الفلسطينية للمنتج المحلي.