يحكم حياتنا ومعتقداتنا التبرير والنفع، وهما في الظاهر مختلفان لكنّهما ليسا متدافعين، التبرير يجعلنا نعقلن العلاقات، والنفعية تجعلها ذاتية فيها تمييل للكفة نحو مصلحة وفائدة نجتنيها. لقد رتّب الإنسان أنشطته وعلاقاته ترتيبا عليّا يحتاجه في كثير من الأحيان لكي يؤكّد تناغمه مع ذاته، أو مع قوانين المجتمع. فعلى سبيل المثال حين لا أتناول وجبة طعام من وجباتي اليومية فأنا أعتلّ لنفسي بسبب أقنع به نفسي، ويمكن أن أحتفظ به ولا أخبر به أحدا كأن يكون السبب هو المرض أو الشبع أو التخفيف على جهاز الهضم. وحين لا أتناول وجبة الطعام في شهر الصيام فأنا أجد في السلوك الجماعي والالتزام العقدي تعليلي، لكن لو أفطرت يوما فإنّ العلّة ستكون أكبر طلبا من الجماعة، لأنّ العلّة تطلب في خرق النظام أكثر ممّا تطلب في التئامه.
اللغة التي هي أداة للتواصل وللتحاور بين البشر تعبّر عن معنى العلّة أو السبب بمقولاتها الخاصّة، وأشهرها في العربية معنى الأجليّة التي نجدها في المفعول له، لكنّنا نجدها أيضا في التسلسل المنطقي في كلامنا بين الأشياء وما يعللها، أو بين السبب والنتيجة، أو غيرها.
في غالب الأحيان يرتبط معنيا الأجلية والنفعية في كلامنا فمن البديهي أن نعلّل الأشياء بردّها إلى ما ينفع، أو ما لا ينفع، فالنفعية من العلل التي تبنى بها الأجلية. في الوحدات اللغوية يحدث أن يكون المعنيان مترابطين فعلى سبيل المثال فإنّ حرف الجر اللام كما في قولنا (جئت لأعمل) أفادت العلّة أو السببية، أو الأجليّة غير أنّها أفادت أيضا النفع، إن كان في العمل نفع يستفيده المتكلم في طلب العمل. النفعيّ يخلقه السببيّ والعكس بالعكس وللنفعيّ رباط سرّي مع العلّي لأنّ الذاتي ينغمس ويتخفى في العقلي والعقليّ كان في بعض الأحيان نفعا ذاتيّا ثمّ عمّم ودجّنه العقل النفعي. في كثير من آيات القرآن يكون معنى النفع مقترنا بمعنى الأجلية، أو السببية ومنهما معا ينهض معنى كبير له صلة بمعنى أساسي ومركزي في القرآن، كمعنى الخلق والولادة والعبادة والمنزلة البشرية في الكون وغيرها من المعاني الدينية. فمعنيا الأجليّة والنفعية يرتبطان بشكل دقيق في سياق يجعل التديّن، سواء أكان من المعاملات والعبادات مترابطين، وهذا ما نصرف المقال إلى بيانه من خلال آية من القرآن.
في سورة الروم (21) يقول تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أن خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) استعملت لام الأجلية لتسم بشكل صريح علّة من علل الخلق وهي السّكن. السّكن هو معنى عاطفي مجرّد على أساسه بنيت معاني التكاثر وتعمير الكون؛ ولعلّ معنى السكن في استعماله المادي الفيزيائي الدال على الدار التي تسكنها هو ضرب من التمثيل الحسيّ والفيزيائي لهذا المعنى المجرد. بمعنى آخر لم نسكن الدور مبدئيّا إلاّ لأنّا وجدنا من نساكنه ويساكننا من نأوي إليه ويأوي إلينا.. المساكن قلوب عامرة والقلوب مساكن تنبض حبّا. السكن أساسه روحي ومنتهاه إنجابي تناسلي تكاثري. والسكن في هذا المعنى البشري يختلف عن التكاثر الحيواني الذي لا يشترط الاجتماع في محلّ لوجود علة روحيّة ورغبة في النفس مركوزة محكومة بالجذب والتجاذب إلى الجنس المختلف.
حين شرح القدامى هذه الآية ركّزوا على معنى فرادة الخلق ولم يركزوا على علة الخلق واستمراره. فرادة الخلق تكمن في ما رواه الطبري وابن كثير مثلا من خلق حوّاء من ضلع آدم يقول ابن كثير: «خلق لكم من جنسكم إناثا يكنّ لكم أزواجا، لتسكنوا إليه» كما قال تعالى :»هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها» (الأعراف: 189) يعني بذلك حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر».
أن تلازم العلة والنفع هي كتلازم الخلق بما هو فكرة مجرّدة وتفاصيل جريانه بين البشر: نعتقد أن ما بيننا من عاطفة هو شيء نفعي خارق حادث من فكرة غامضة كفكرة الأكر المقسومة، فإذا بنا في مسار مسطر لنا سلفا، مسار معلّل بمنطق سببي مفارق لا يقدر على بيان تفاصيله إلاّ من قدّر وهدى وعمّر.
لكنّ تفسير علّة الخلق بمعنى السكن الذي ذكرناه يمكن أن يفهم من قول المفسر نفسه في ما بعد: «ولو أنّه جعل بني آدم كلّهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم، إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك».
الحقّ أن المقطع الذي فيه حديث عن العلة والذي منه سيبنى مفهوم النفع يخضع لمنطق في التفسير القديم القائم على الانطلاق من النصّ والخروج بعيدا عنه إلى المحيط الثقافي. فتفسير العلاقة بين آدم وحواء وأنّها خلقت من ضلعه هو من هذا الضرب الذي ينطلق من النصّ القرآني في خلق البشر وأصليهما آدم وحواء، إلى ما استقرّ في الثقافة الدينية الشعبية (وليست العالمة بالضرورة) من تصوّرات.
في هذا التفسير شيء من التعليل الثقافي لكن تحت جناح براغماتي يسعى إلى تفسير النصّ بما يرضي قارئه والمفسّر له. ومن جهة أخرى، فإنّ العلة ليست موجودة وحسب في الأجلية (لتسكنوا إليها) بل في جميع مفاصل الآية. ذلك أن خلق الإنسان سكنا لغيره من ذكر وأنثى يرتبط بما بين الأنفس من مودّة ورحمة، فالسكن الروحي هو درجة من الأنس تكون سببا في المودة والرحمة التي تجعل السكن مستمرا. فمعلوم أن العلاقة الزوجية التي منها يكون الولد يمكن أن تحدث وتنقطع أو تتّصل، لكنّ العلاقة المابعدية التي تؤسّس الأسرة وتمامها ومراقبتها ومعالجة جميع مقتضياتها، لا يمكن أن يكون إلاّ بالمودّة وهي التواصل الروحي عند الانسجام والرحمة وهي قد تكون في حالتي التواصل الروحي من انسجام أو عدم الانسجام. فالأجلية حكمت كل مضمون الآية سواء أكان ذلك موسوما بالعلامة النحوية أم غير موسوم بها؛ ثمّ إن كلّ العلاقة بين الرجل والمرأة والتواصل في الخلق داخل في منطق عليّ إلهيّ ضمن ما يعرف بآيات الله أي بحكمة خلقه فهي حكمة معللة يمكن أن تجد لها تفاصيل في الأجلية. غير أنّه لا يمكن أن نفهم الأجلية في هذه الآية خارج منطق النفعية التي تعني هنا، أن الإنسان رجلا أو امرأة منتفعان بهذه العلاقة التي وراء الخلق البشري؛ فهي علاقة نفعيّة طالما أن الخلق نفعيّ من ناحيتين، أنّه شكل من أشكال التيسير على المخلوق مع فكرة السكن إلى آخر، والعاطفة التي تجمع بينهما. يضاف إلى ذلك أن الكون معلّل بالنفع فالله موجود لكي يضفي على الخلق جمالا لن يكون إلاّ به وأنّ هذا التيسير على المخلوق آية من آيات الله التي يراها المرء في نفسه، في سكنه، في مخلوقاته. النفعي يعني هنا أن الفائدة الأفقية بين الناس حاصلة بفضل فائدة عمودية إلهية.
خلاصة الأمر في هذا، أن تلازم العلة والنفع هي كتلازم الخلق بما هو فكرة مجرّدة وتفاصيل جريانه بين البشر: نعتقد أن ما بيننا من عاطفة هو شيء نفعي خارق حادث من فكرة غامضة كفكرة الأكر المقسومة، فإذا بنا في مسار مسطر لنا سلفا، مسار معلّل بمنطق سببي مفارق لا يقدر على بيان تفاصيله إلاّ من قدّر وهدى وعمّر.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية