نذكر باعتزاز الكاتب الفلسطيني الكبير إميل حبيبي وروايته بعنوان «المتشائل» التي صدرت طبعتها الأولى عام 1974. لقد نَحَت لنا هذا الكاتب إسماً مركّبا من إسمين: المتشائم والمتفائل. والبراعة في هذه التسمية أنها لا تُثبت ولا تلغي أيّاً من الإسمين ولا أيّاً من الصفتين. كما أنها لا تشير إلى «منزلة بين المنزلتين» على رأي المناطقة وأصحاب الفلسفة. وبطل الرواية «سعيد أبي النحس» لا هُوَ بالمتشائم ولا بالمتفائل، بل إنه ضائع بين الإثنين، فكيف يكون «سعيداً» وهو «أبوالنحس»؟ وهنا «العقدة» التي لا يمكن حلّها حتى بقطعها بسيف الإسكندر المكدوني.
يبدو لي أننا في عالم اليوم في وضع يُشبه وضع المؤلف المتشائل، الذي يتكلم بلسان عرب فلسطين، الواقعين تحت الاحتلال: فهو مثلهم لا يعرف إن كان متشائماً أو متفائلا. ففي عالم السياسة لا يوجد سوى قطبين: تفاؤل أو تشاؤم. فإن كان المرء من أتباع حزب الفئة الحاكمة التي تتحدث بتفاؤل عن المستقبل، ويصدِّق بما يقولون، فهو يبقى متفائلاً بانتظار وصول الأفضل من الوضع الذي هو فيه. وإن كان لا يصدِّق بما يقول الحاكم فهو متشائم لا يتوقع سوى الأسوأ. وإلا فكيف نفسِّر انقلاب عدوِّ الأمس إلى صديق اليوم، ومجرم الأمس إلى صفيّ اليوم، نأخذه بالأحضان وندخله أكبر المساجد في بلادنا، وربما قريبا إلى غرف نومنا؟ وما هي الخطوة التالية بعد إدخال «خبير» من مؤسسة استخبارات العدو إلى مؤسَّساتنا بدعوى التعاون الدولي المتحضِّر لمكافحة الإرهاب؟ ألا تُذكِّرنا هذه الأوضاع بقول الكبير نزار قباني قبل سنوات طويلة: «لم يدخل اليهود من عيوننا/ وإنما تغَلغَلوا كالنمل من عيوبنا». والعيوب جمع عَيب وهي الثقب الدقيق في الجَرَّة أو الخابية التي تخزن فيها الحبوب، ولا يستطيع سوى النمل التغلغل فيها ليظفر بالحبوب أو ليفسدها.
أما في مجال الآداب والفنون، فإن الوضع مختلفٌ تماما، لأن التطوّرات أو التقلّبات فيها بطيئةً أو غير متوقّعة وتأتي بالتدريج، لذلك أحسب أن المعنيّ بالآداب والفنون يكون أكثر ميلاً إلى التشاؤل منه إلى التطرّف تفاؤلا أو تشاؤماً. فالأديب أو الفنان في العادة لا يُعلن عن توجّهاته بشكل بيانات سياسية أو مخططات حزبية بحيث يُتاح للمرء أن يفكر فيها ويتوقع منها خيراً أو شرّاً وبذلك يغدو متفائلاً أو متشائماً. ويكون التشاؤل في مجال الآداب والفنون في إطار من الحنين إلى «الماضي الجميل» وبالعودة إلى أمثلة من الإبداع في الآداب والفنون في ذلك الماضي ينخرط المتشائل في أن يعود ذلك الماضي لكي يدفع إلى مستقبل أفضل مما يقوّي عنصر التفاؤل عند ذلك المتشائل.
ومن أمثلة التطوّر البطيء في عالم الفنون والآداب ما نلاحظ من تضاؤل الإبداع الأدبي والفني منذ بدايات القرن الحادي والعشرين الحالي في بلادنا العربية بشكل خاص. فالاستعراض لصورة الإبداع في الشعر والفنون التشكيلية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين الحالي يدلّ على ظهور إبداعات في الآداب حتى نهاية القرن العشرين تُبيّن أن ذلك الماضي الجميل قد انتهى بنهاية ذلك القرن. وليس في الآداب والفنون ما اقترب مما شهِدنا في النصف الثاني من القرن الماضي. إن قائمةً بالمبدعين في فنون الرسم والنحت في عراق الخمسينات لهي قائمةٌ طويلةٌ ومُبهجة. أما في الشعر فقد شَهدت الخمسينات من القرن الماضي توهّجاً شعريًا امتدّ إلى الأقطار العربية المجاورة وبلاد الشمال الأفريقي العربي. وكان الشعر في تطوّره الجديد يكتسب صُوراً وأساليب جديدةً تُمثل المنظور الخاص بشعراء البلاد العربية الأخرى إلى درجة أن بعض شعراء المغرب العربي بدأوا يُعبِّرون عن ما يشبه الضيق بمركزية المشرق على حساب أهمية المغرب العربي. ولا أرى في ذلك من ضَير لأنه شعورٌ طبيعي بالإعتزاز بما أبدع المغرب العربي، وهو شعورٌ يُباركُه كلُّ مُنصِف ضَمير.
إزاء هذه الصورة عن الآداب والفنون، التي ازدهرت في بغداد الخمسينات من القرن الماضي، كان بوسع المراقب أن يكون متفائلاً إذ تتزايد الأسماء من الرسّامين والنحّاتين والشعراء والروائييّن والمسرحييّن وأغلبهم من خريجي جامعات محترمة وطنية أو أجنبية. وكان النشاط الموسيقي يُعد مفخرةً في عراق الخمسينات وما بعدها، والجهات الحكومية تدعم جميع الأنشطة الأدبية والفنية، وتشجِّع نشر الكُتب لمؤلِّفين عراقيين إلى جانب عددٍ غير قليل من الشعراء والكتّاب من أقطار عربية عديدة، هذا إلى جانب عقد المؤتمرات الأدبية والشعرية التي تَستقطِب مشاهير الكتّاب العرب والأدباء مما شجّع التواصل بين الأدباء العراقيين والضيوف العرب. في هذا الجوّ متعدِّد الأنشطة الأدبية والفنية كان المراقب المعنيّ بالآداب والفنون مبتهجاً ومتطلِّعاً إلى مزيد من الانتعاش والازدهار، فلا تراه يشعر إلاّ بالتفاؤل. لذا لم يكن ثمة من فرصةٍ للتشاؤم.
ولأني لم أعُد أقوى على توقّع الأفضل والأحسن أرى أن تشاؤلي يميلُ بي نحو التشاؤم، فأردِّد مع الشاعر الأموي دعبل الخزاعي: «إنّي لافتح عيني، حين أفتحها،/ على كثيرٍ، ولكن لا أرى أحدا».
ولكن المشهد الثقافي الفني قد بدأ يتغير نحو الأسوأ بشكل كبير في العراق، وفي عدد من البلاد العربية المجاورة. وقد يقول قائل إن السبب في ذلك التغيير اشتداد الأزمات السياسية والحروب التي لم يسلم منها أحد من الأقطار العربية وأوّلها العراق. ولا يُنكر عاقل اشتعالَ أوار الحرب العبثية في سوريا عام 2011 والتي لم يسلم من شرورها أي بلدٍ عربي في المنطقة. أين ذهبت الفنون والآداب في ذلك البلد العربي عريق الثقافة؟ بل كيف غاب شعراء العراق في الخمسينات، ومنهم الجواهري الذي لم يبلغ نهاية القرن العشرين؟ أين غابت العشيرة الطيبة من النحّاتين والرسّامين من جواد سليم إلى محمد غني حكمت ورَهطِه من النحّاتين؟ والحديث يطول ولكننا «قد سألنا ونحن أدرى بنجدٍ / أقصير طريقنا أم يطولُ؟ فكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ/ وكثيرٌ من ردِّه تعليلُ».