الرباط ـ «القدس العربي»: «لم أنسَ، لكنني سامحت»، بهذه العبارة يختصر الكاتب والشاعر والحقوقي، صلاح الوديع، مسافة الوجع من تجربته المريرة في الاعتقال السياسي، لكن في «ميموزا» كتابه الجديد يستعيد ذاكرة جماعية، ذاكرة أسرته التي عانت من الظروف نفسها تقريبا، ولاسيما والده الشاعر محمد الوديع الأسفي، ووالدته الشاعرة ثريا السقاط.
صلاح الوديع الذي يجمع بين الشعر والنثر، هو حقوقي وسياسي أيضا، يساري الهوى، كما بصم على حضور مميز في أكبر لحظات المصالحة في المغرب، حيث كان عضوا في «هيئة الإنصاف والمصالحة»، التي تحولت إلى مرجع في العالم، كما طوت صفحة من تاريخ المغرب الحديث، التي يصطلح عليها محليا بـ»سنوات الجمر والرصاص»، نسبة إلى مرحلة «النضال من أجل الديمقراطية» والاعتقالات السياسية وفورة اليسار والأيديولوجيات الاشتراكية وغيرها من ملامح «شباب ثائر» من جيل الستينيات والسبعينيات.
العنوان والموضوع المستلهم من سيرته الذاتية أو الجماعية لأسرة الوديع، كانا سببا في أن يتحول لقاء المكتبة الوطنية إلى لحظة احتفاء بسيرة صلاح الوديع، ومن خلاله تكريم لذكرى والده ووالدته. وتضمن حفل التقديم عرض شريط وثائقي يوثق لمحطات من حياته، ومعه أسرته ذات الحضور البارز في الساحة السياسية والأدبية والحقوقية.
ليست المرة الأولى التي يكتب فيها صلاح الوديع عن تجربة الاعتقال السياسي، بل تحتفظ له ذاكرة الإصدارات بكتاب أول هو «العريس» الذي صدر عام 1998، ربع قرن وزيادة على هذا المؤلف الذي وصف مشاهد حقيقية للتعذيب، لكن بصيغة ساخرة، ويأتي كتاب «ميموزا»، الصادر عن «المركز الثقافي للكتاب» في حوالي 560 صفحة، ليؤكد أن «العريس» هو «ناج من القرن العشرين». بينهما مسافة زمنية طويلة، لكنهما معا وثقا لزمن الوديع الخاص والعام. فهل كانت تلك السنوات الفاصلة بين الإصدار الأول والثاني، مسافة لجمع كل التفاصيل، أم عودة إلى ذاكرة شمولية لا تقتصر عليه وحده؟ بالنسبة لصلاح الوديع، فإن الدافع إلى نشر «العريس» وميموزا» مختلف، الكتاب الأول «كان صرخة ساخرة ضد بشاعة التعذيب». كما أنه «شكل نوعا ما (ثأرا) حقيقيا بالنسبة للكثيرين. وكما نعلم جميعا فالتعذيب يتضمن الأذى الجسدي كما يتضمن الحط من الكرامة والمعاملة المسيئة». أما «ميموزا»، يوضح الكاتب متحدثا لـ»القدس العربي» فهو، «سيرة ذاتية / أسرية / جماعية إذا جازت العبارة. إنه عودة إلى ذاكرة شمولية لا تقتصر عليَّ وحدي. أحكي من خلاله صفحات كثيرة مما عشته طفلا ثم يافعا ثم شابا فكهلا… أحكي فيه كذلك قصة أسرة عاشت زمن المحن والسجون، سواء خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، أو خلال فترة النضال من أجل الديمقراطية خلال الستينيات فما فوق، أعني أسرة والديَّ الشاعرين والمناضلين الراحلين محمد الوديع الأسفي وثريا السقاط، وأعكس من خلالها صفحات من حياتهما وحياة الأسرة بكاملها، تمتد حتى نهاية القرن. ثم لأحكي قصة العدالة الانتقالية في المغرب، وهي التجربة التي أصبحت أحد النماذج الأكثر مرجعية في العالم ضمن ما يزيد على ستين تجربة».
بما أن الدافع مختلف في النشر وحتى الكتابة، سألنا الوديع هل حقق فعلا مبتغاه من «ميموزا» وقال ما هو بحاجة إلى قوله؟ فأجاب: «أعتقد أنني حكيت أهم ما عشته وما بدا لي يستحق أن أحكيه». واستطرد موضحا «الكتابة كما نعلم ممارسة ذاتية، وهي تصبح أكثر حساسية حين يتعلق الأمر بسيرة ذاتية. لكنني أزعم أنني حاولت من خلال (ميموزا) أن أكون قريبا من المهتم بموضوعية الحكي، ما حدا بي إلى أن أذكر، في سياقات الكتاب، العديد من الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة كشهود على ما وقع وما عشته بصحبتهم. فعلت ذلك دون أن أهمل الطابع الأدبي والدرامي للحكي، ما من شأنه أن يشد القارئ ويوفر له متعة في القراءة». وأبرز أنه «في كل الأحوال أتمنى أن أكون قد توفقت في ذلك».
الاعتقاد الخاص بأن الكتابات التي تغرف من معين التجارب الشخصية للكاتب هي لحظة فارقة في الزمن الإبداعي، ينطلق من كونها شرفة مفتوحة تطل على بعض تفاصيل معيش المبدع، وهو ما أكده الكاتب، بالقول إن «كل الكتابات تغرف بهذا القدر أو ذاك من التجربة الشخصية للكاتب. بشكل مباشر حين يتعلق الأمر بسيرة ذاتية، أو ما شابه، وبشكل غير مباشر في أجناس أدبية أخرى. كلما طالت التجربة الحياتية، قوَّتْ من حضور دروس التجارب الشخصية عموما. من ناحيتي يمكن أن أعتبر أن كتاب «ميموزا» – بما سبق لي أن أشرت إليه من خصوصيات – يعكس في مسار حياتي لحظة أكثر نضجا بالضرورة».
وشدد الكاتب ردا على سؤال المقارنة بين «العريس» و»ميموزا» على أنها لا تجوز، لأن شخوص الكتاب الأول متخيلة وأسماؤها مبتكرة، وبعض الأحداث متخيلة، على الرغم من أن وقائع التعذيب حقيقة لا يرقى إليها الشك في كل بشاعتها. أما شخوص الكتاب الثاني فهي حقيقية من لحم ودم، وما زال العديدون منهم على قيد الحياة».
في حالة صلاح الوديع، فإن التماهي بين الشاعر والروائي من جهة، وبين الحقوقي والمناضل اليساري من جهة ثانية، حاضر بكل قوة في مثل هذه الكتابات، فهل يصر على عدم وضع الفواصل والنقاط بين جمل حياته. جواب الكاتب كان «بالتأكيد، فرغم أنني أسوق العديد من الأحداث ذات الطابع الأسري والعائلي، فإنها تجد مكانا لها في السياقات المتعددة لحياتي العامة إذا جاز التعبير. في التزامي السياسي المبكر وفي سنوات السجن الطويلة خلال السبعينيات وتضامن عائلتي، ثم خلال الثمانينيات في البحث عن عمل، وفي الانخراط في تجارب حقوقية ومدنية وسياسية أخرى، إلى جانب بعض إخوتي وأخواتي، ثم خلال تجربة (هيئة الإنصاف والمصالحة) (2004) التي عالجت قضايا وملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب ما بين سنة 1956 و1999».
عن تلك اللحظات المرة والقاتمة في حياة العديد من الأدباء والشعراء التي يكتبونها بألم، سألت «القدس العربي» صلاح الوديع هل يعتبرها لحظة ألم أم أمل؟ فأجاب أن «الكتابة إعادة امتلاك للعالم. لذلك لا أعيشها أبدا بألم. أعيشها بتأثر، قد يكون كبيرا في أغلب الحالات، ذلك مما لا شك فيه، لكن ليس بألم. إنها بمعنى ما لحظة ترصيد لدروس وتجارب الماضي من أجل المضي قدما في الحياة وتوفير شروط تمكننا من أن نحياها كما هي، كمعجزة».